وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الغرابة - نحن جهلاء بصورة مزعجة

ندوة مفتوحة - الخميس ١٠ اكتوبر ١٩٦٨

الغرابة - نحن جهلاء بصورة مزعجة

السؤال الأولاني في غرابة الكون.. أنا أفتكر أصله العنصر اللي نحن بنعيش وسطه الغرابة كلها يعني.. كل ما حولنا في حقيقته غريب، إلا إذا كان الإنسان يكون غبي بس.. لكن إذا كان الإنسان عينيه مفتوحة، عنصر الغرابة هو العنصر البحيط بينا من كل جهة، لأننا نحن حتى لو عرفنا مظاهر الأشياء، ما بنعرف حقيقتها، ولا كنهها.. فنحن جهلاء بصورة مزعجة.
مبتدئين في المعرفة، لكننا كأننا أطفال فيها..
الكون جاء من وين؟
حقائق التوحيد تقول أنه الكون هو الله.. ما في الكون إلا الله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله.. والله كان في صرافة، ما بتُعرف ولا تُوصف، ولا يُشار لها ـ يسموها الذات السَّاذَج - ما عندها صفة يعني.. بعدين ربنا تنزل لمرتبة الاسم.. سمّى نفسه، بعدين وصف نفسه، بعدين وكّد صفاته بأفعال برز بها الوجود.. ده المعنى اللي يقولوا به (ما في الكون إلا الله) يقولوا: أسمائه وصفاته وأفعاله.
يمكنك أن تقول أنت أنه الكون الظاهر لنا، هو تجسيد لـ الله في معناه المطلق .. يعني الله تنزل من الصرافة المطلقة إلى قيد هو الاسم، سمى نفسه الله، إلى قيد أغلظ هو الصفة، سمى نفسه مثلًا الأحد، بعدين إلى قيد أغلظ سمى نفسه الواحد.. الواحد به برز الفعل في الوجود، وبرز الكون المحسوس الـ نحن منه.
ده مش راح يزيل الغرابة لأنه الغرابة أصلها الأصل.. ونحن عقولنا صغيرة جدًا لأنه الغرابة ما بتزول إلا إذا نحن أحطنا بالوجود بالمعرفة، والإحاطة ممتنعة.
فإذًا نحن بنعيش في غرابة فعلًا.. والأذكياء مننا هم اللي بتنبهوا للغرابة، ويجدّوا في استجلاء الغرابة.. لكن كل ما ندرك منها طرف، هي باقية في الطرف البعيد مننا.. حتى أنه العارفين في المسألة دي يقولوا: إذا عجزت عن أن تدرك أنت أدركت. (العجز عن الإدراك، إدراك) يقول.. وزي مثلًا ابن الفارض يقول: (زدني بفرط الحسن فيك تحيّرا)، يعني أكشف لي محاسنك حتى لا أستطيع أن أحدد معنى من معانيك، فأحار فيك.. والحيرة معرفة عندهم.
إذًا الغرابة أصل.. الكلام اللي بيقال كله ما يمكن أن يكشف لك حقيقة الأشياء حتى تزول الغرابة.. لكن بنعرف منها ما يطمئن النفس، اللي هي أنه الله موجود بصفات الكمال كلها، اللي هي نهاية الحكمة، نهاية العلم، نهاية الرحمة.. وده ما نحبه نحن فيمن يكون وكيلنا وولينا.. فكأنه هو أرحم بنا مننا، وهو أقدر بأن يوصل الخير لنا مننا، وهو أولى بنا مننا.. الصفات دي لمّاً تستقر في أنفسنا نحن نسلّمه.. ويزيدنا.
ــ