وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

إنزال الفكرة للواقع

تعلموا كيف تتعاملون - مدينة المهدية - ٢١ يوليو ١٩٧٢

إنزال الفكرة للواقع

زي ما نحن بنقول دائمًا: (لا إله إلا الله)، هي دعوة فردية، لكن الناس شافوا فيها حل لمشاكلهم الجماعية كمستضعفين ومسترقين.. وبعدين تمسكوا بها، مش من ناحية العبادة بس، من ناحية الكرامة اللي ردّتها لهم.. استعادوا كرامتهم في أنفسهم وحاولوا يكافحوا ليفرضوا كرامتهم على الناس اللي كانوا بيهدروا الكرامة.
فإنت عندك إذًا فرصة لتوري، مثلًا، الناس الـ في العهد الحاضر، زي ما ورّى العهد الأولاني من الإسلام بلال وصهيب وأصحابه، كيف أنه في شيء لو أمكن أن يكون ملزم بيهو تجي الكرامة، ومن أجله قاتلوا.. إلى جانب أنه قاتلوا من أجل إعلاء كلمة الله، قاتلوا من أجل استرداد كرامتهم وحقوقهم، ما دام عرفوها.
فأنت هسَّع إذا كان كتبت: "تعلّموا كيف تتعاملون"، في مستوى أن توري الناس حقهم شنو البيكون لهم، بتبتدي الحركة.. وما ممكن تنتظر لامن تكون عندك قوة الإلزام.
(...) واجه قضاياهم ووري حل مشاكلها العملي، اللي هو ده مستوى القانون اللي هو بيعتبر حد أدنى.. بعدين دائمًا كلام التشريع بيتناول أصلو الحد الأدنى.. التشريع بيتناول الحد الأدنى أصلو، بعدين الناس اللي بيتساموا فوقه.. الحد الأدنى إذا كان واجه مشاكل المجتمع السوداني، وحلّاها حل ذكي، ده ما بيسموه الثورة الفكرية.. إذا كان واقع الناس وُوجهت بثورة فكرية، بفكر ثائر، بيكون الحل عملي، وفيه نوع من الإيحاء والإلهام والحركة للناس.. لكن أنت برضه عايز السلطة اللي بتدّيك العمل ده لتعمله.. مُش السلطة الزمنية، لكن السلطة الفكرية والعلمية.
فنحن من وين نستمد، مثلًا، نقول نعمل كده ونعمل كده ونعمل كده في تشريعنا؟ لكن السلطة دي نستمدها من وين، لندعو لأن نعمل كده؟ وزي ما قلت، التشريع راح يظل وصايا أخلاقية ما دام لأنه.. أصلو أي قانون ما يُنفذ، هو أقرب للوصايا منه إلى القانون، لغاية ما تدخل القاعدة: التعميم والتنفيذ.. فحتى في مستوى أنها قواعد أخلاقية، بنجيب السلطة العلمية والفكرية من وين، لنقول الرأي؟ نجيبها من آيات الأصول.. نجيبها من الدستور.. ما نحن دعاة الدستور الإسلامي اللي بيدعوا له الناس كلهم، وده يوم الدستور.. الدستور ما جاء قبل كده أصلو.. الدستور الإسلامي ما جاء، لأنه في آيات الفروع ما في دستور.
إذا كان على قاعدة الدستور يمكن نحن أن نشوف حل كل مشكلة من المشاكل المعاصرة، في المستوى الاقتصادي، والمستوى الاجتماعي، والمستوى السياسي، يمكن أن يكون عندنا كلام نقوله ونحن مستندين على أصول تدينا الحق في أن نتكلم.
(...) غير الدستور؟
كدي قولوا كلمتين ثلاثة عن الدستور، وبعدين واجهوا بالدستور المشاكل، هل بيحلها؟ نسمع في ده.
أضع له الصورة بتاعه اللي في ذهنك، بعدين قابل بيهو أي مشكلة من مشاكل مجتمعنا الحاضر، ما بنبتدي من الهواء.. نحن قبيلك طبعا دعوه في الإطار العام للرسالة الثانية، لكن هسَّع الرسالة الثانية مُطَبَّقة على المجتمع السوداني، أها ده بيجي التفصيل هنا.
الرسالة الثانية مطبقة على المجتمع الإسلامي، ونحن كنا بنقول دائمًا أنه الناس لابد أن ينظموا بيتهم أول، وبيت الفكر الجمهوري، السودان. ما وارد كلام زي ده؟ هسَّع جاء الموضوع بتاع التفصيل في تطبيق الدستور على مشاكل المجتمع السوداني: الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
أهو نحن بنتكلم عن، مثلًا، الزواج في الإسلام.. الزواج في الإسلام لا يمكن أن يستمد أصوله إلا من الدستور، لأنه لمّاً تبقى علاقة إنسان بإنسان، لهم حقوق أساسية متساوية، أصبح الوضع واضح.. غير كده ما في فرصة ليهو.. أي فرصة ثانية للتقدم تستمد من الدستور في حقوقه الأساسية المتساوية.
فدي هنا التفصيل يجي.. ما راح يكون كلامنا في مستوى (تطوير شريعة الأحوال الشخصية)، ولا في مستوى (الرسالة الثانية) في التعميم.. مسائل معينة، وتبتدي من تحت الخط اللي قلنا: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ).. الناس اللي في الفحشاء والمنكر والبغي، بتخرجهم كيفن في تعاملك معاهم؟ إلا إذا أديتهم حقوق الدستور يدّيهم إياها، وكل مشكلة تواجهها إذًا بحلها بالصورة دي: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.. وده المحك العملي هسَّع.. المحك العملي لدعوتنا كلها جاء هنا.. وده البنقول به أنه الفكرة وصلت لأرض الناس.. أرض الناس في علاقة الزواج وفي الانحرافات الباقية.
انحرافات الخمر، وانحرافات مواخير الفساد كلها، أنت ما بتعالجها بالعقوبات بس، بتعالجها بالتشاريع البتكون كأنها مرض بتديها علاج، دواء.. زيادة على أنها جاهزة وأنت عارف عايز شنو، هي ذاتها عندها حركة جلب للناس. ننظر وننشر في الفكرة، والفكرة ماشية في النشر، لكن لمّاً لمسنا أرض الناس في حاجة بسيطة، زي ما قال "الريّح"، في الحد الأخذناه من الشريعة، ما خرج عن الشريعة، لكنه اتجه لأن يحل مشكلة الناس في مسألة الزواج في (خطوة)، وجدنا أنه انفتاح الناس عليها، وانفتاحنا على الناس زاد بسرعة شديدة.
أنت لو دخلت في مشاكلنا الأخرى، الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، وكلها على سند من الدين، افتكر، بتكون دي هي اللي، كأنك أنت بتحدث حركة وجلب للناس البيلتزموا، ليجيء الوقت اللي بيلزموا.. زي ما كنا بنقول أنه إذا كان عندنا ١٠٠ نفر واحد بيبتدي يدعو، بيبقوا اثنين، بيبقوا ثلاثة، بيبقوا أربعة، ده كله في حدود الالتزام بس، لكن يوم المئة يبقوا ٥١ ملتزم، ال ٤٩ بيُلزموا.. ٥١ التزم، ال ٤٩ بيُلزموا.. لكن ٤٩ ملتزم، لسه الإلزام ما يجي.. الزيادة دي بتجيء ترى بنشرك للفكر، والدعوة العملية المقنعة.
فنحن ما وصلنا فعلًا لأن نطبق الرسالة الثانية على واقع الناس زي اليوم ده.. من اليوم ده الكلام عن (تعلموا كيف تتعاملون) يجب أن يكون تطبيق الدستور الإسلامي على واقع السودانيين.. أحسن الموضوع ده نسمع فيه شوية.
واحد داعي، بتبقى اثنين كيف؟ بأن اقتنع أنا بأنه كلامك صحيح.. بعدين أنت بتقنعني كلما يكون تطبيقك عملي، مش نظري.. يعني نحن لو كان عندنا فرصة لنقنع بـ (لا إله إلا الله) وحدهها قدام عدد من الناس، لأنهم بيشوفوا أنه فيها صدق، وفيها توحيد، وفيها كلام فيهو وارد، وفيها روح، لو كنا بـ(لا إله إلا الله) بنقنع كده، (لا إله إلا الله) لمّاً تواجه مشكلتي الاقتصادية والأخلاقية، أنا بسمع ليها أكثر.. فانت ما ممكن تبقى ٥١ عشان ما تلزم الآخرين، إلا بطريق أنك منتفع من التزامك أنت براك، لغاية ما يجيء العدد اللي يعينك على أن تُلزم الآخرين.. ما في فرصة غير كده.. ما ممكن السلطة الزمنية تجيك غير كده.. ودي زي ما قلنا مثلًا (لا إله إلا الله) في مكة، لمّاً بقت ملزمة في المدينة، بقت بالصورة الزي دي.. زحفت بأن زادت الناس المقتنعين بها.. ما عندك فرصة غير كده، خصوصًا في الوقت الحاضر، فرصتك الإقناع بس.
بعدين نحن الجمهوريين نفسنا ما مقتنعين بالقدر الكافي.. نحن ذاتنا ما عندنا الثقافة العملية الكافية، هسه لدعوتنا.. نحن هسه راح نُواجه أننا نكون عمليين، ويكون فكرنا مُعاش، مُش نظري.. في منطقة التزامنا نحن يعني، نحن برضه النظرية عندنا كثيرة، ولذلك مجتمعنا الجمهوري ماهو مجتمع عملي، مجتمع نموذجي، مثالي.. العملية لسع، لمّاً تدخل في فكرنا بالصورة دي بتجيء أكثر.
ـ