وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

السؤال في باب العلم

تعلموا كيف تتعلمون - مدينة المهدية - ١٥ مايو ١٩٧٢

السؤال في باب العلم

(ما سألت الله علما إلا علمني إياه).. وأصله السؤال دائمًا بيجد الإجابة، لأنه ربنا يقول {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ}.. فنحن لمّاً ما يستجيب لينا، دليل أنه ما عرفنا كيف نسأله.
والسؤال في باب العلم هو الفكر لغاية ما يظهر القصور.. إذا كان نحن ما بنفكّر في الأشياء، وندقق فيها، ما بنعرف كيف نسأل الله أن يدينا إياها.. فهو سؤاله لى الله عن العلم، يفكر لغاية ما يظهر له عجزه، فيقوم يتوجه بكليته لى الله، سؤال حال ومقال، الله يعلّمه.
أنا أفتكر هسه أنتو وقفتو في عتبة ممكن سؤال الله فيها طوالي.. لأنه ظهر أنه في عجز عن تمييز المسائل الدقيقة في الباب ده.. وأنا أفتكر أنه يكون من ثمرة العمل في الليل، والعمل في الاستغفار، والعمل في الجلسة بتاعة الصباح، التوجه للباب ده، ليكون فيه وارد.. تذكروا عبارة ابن عربي، ما سأل الله علم إلا علمه إياه، مش السؤال باللسان ساكت: اللهم علمنا.. أنت ماك عارف عايز شنو من الله لمّاً تسأله باللسان بس، لكن لمّاً اجتهادك يقصر بصورة واضحة، ويكون الأمر غامض قدامك، أنت متوجه بكليتك، وبعجزك ده الظاهر ليك، الله بعلمك.. ودي ذات عبارة (اتقوا الله ويعلمكم الله).. التقوى مش عمل بس، فكر، هو ثمرة العمل.
(...) لكن القضية ما واضحة، وأنا أأكد لكم القضية دي يوم تتضح لكم، ينبثق نور غريب جدًا في أذهان الناس وفي قلوبهم.. الوقفة دي إذا كانت واضحة في أنه فيها عجز وفيها ربكة، يكون الاتجاه بها لى الله.. وده يكون عمل التلت في الاستغفار وفي الصلاة.. وما بتجيء.. التوحيد ما بيجيء إلا بى ده.
لكن العبارة بتاعت ابن عربي دي استثمروها.. ابن عربي معروف طبعا قامته كبيرة جدًا في المجال ده، لكن زي الكشف مفتاح هو.. ابن عربي دل على مفتاح هو وصل له (ما سألت الله علما إلا علمني إياه).. وهو ما علم علم الله المطلق.. ما شعر بالحاجة شعور يعني حسي في فكره.. ما وقف أمام عتبة ظهر له عجزه، وسأل الله في كل علم.. لكن حيث وقف، سأل الله، الله علمه.. وده معنى طلب العلم.. (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) مش معناها ساكت تقولها بلسانك.. {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}.. القول ده هو القول بالكليّة، اللي هو لمّاً أنت تكون في حيرة حقيقية، وجهل واضح ليك، في قضية من القضايا، تسأل الله، الله يعلمك.. دي عبارة (اتقوا الله ويعلمكم الله) ياها دي.. وإلا إذا كانت ما كده، يبقى التقوى عمل ساكت، أنتو عارفينّهُ.. إذا كانت التقوى عمل في العبادة ساكت، بدون فكر، يبقى ما بتزيد بيها علم، وفي ناس بيعملوا بدون فكر وما بيتعلموا أي حاجة.
فعبارة ابن عربي جيدة جدًا واعملوها مفتاح للمسائل دي، ولذلك الفكر ضروري، دائمًا.. وأنا أأكد لكم أننا نحن لو بنقرأ الكتب اللي انكتبت دي، وبنحاول أن نفهم كل قضية قيلت فيها، أأكد لكم أنه العجز يظهر، والسؤال لى الله يجيء، والتعليم يجيء.
فقضيتنا هسه بتكون واضحة في أنه نسمع يمكن جزء من جلسة بكرة، نسمع واردات الإخوان في القضية دي، لكن ما راح نفوتها، قبل ما يكون فيها فتح.. وأأكد لكم أنه بالفتح فيها تغمر العقول أنوار غريبة جدًا، والقلوب، وتتضح الرؤية في قضية من دقائق القضايا، ما في سبيل لها غير قيام التلت، وجلسة الاستغفار.
الكبار بيستغفروا من الجهل.. يعني أنت لمّاً تقلب سلوكك باستمرار، وتلقى فيه قضايا معينة من الجهل في القول، أو الجهل في النظر، أو الجهل في الفعل، أو الجهل في النية، وتستغفر منها، الاستغفار يمحى، يمحى.. لكن حتى لمّاً تشعر بعجزك عن أن تعلم، عدم العلم هو نتيجة لخطأ.. الخطأ ده قد يكون في جانب الله، مش جانب الإنسان.. شرك معاه، معارضته، عدم السير وراه.. فلذلك حتى لمّاً تستغفر من عدم مقدرتك على العلم، ده استغفار، هو المفتاح الحقيقي اللي قاله ابن عربي.. ده السؤال بلسان الحال.
ففكروا في الموضوع ده واجلسوا ليهو في التلت - بعد صلاة التلت - تجدوا إن شاء الله.
ـ