بسم الله الرحمن الرحيم.
تنتظم هذه الجلسة اليوم الأربعاء، أول محرم عام ١٣٩٢، يوافق السادس عشر من فبراير ١٩٧٢. الساعة الآن السادسة والنصف بمدينة المهدية.. الندوة مواصلة لندوة البارحة، التي اقترح فيها إبراهيم يوسف أن تكون تكريم للعام الهجري، وبُدئ الحديث في الهجرة، البارحة. وقيل أننا سنستمع إلى الإخوان يذكرون ما يحضرهم من أفضال عن الهجرة، ومن نصيبنا نحن المتأخرين في الهجرة، هل عندنا حظ كسالكين أن نهاجر؟ نسمع.. الندوة الآن منتظمة.
الهجرة أحداثها التاريخية ذُكرت منها طائفة طيبة من الإخوان الذين تكلموا: عماد، وبدري، وإبراهيم. وهي بتعتبر نقطة تحول كبيرة، فاصلة بين عهدين زي ما قال عماد: عهد الضعف، وعهد القوة.. عماد مشى يقول أنها في المفهوم الجديد فاصلة بين رسالتين.. هي حصلت سنة ٦٢٢، بعض الناس يقول في يونيو سنة ٦٢٢.. يكون في اختلاف بسيط في الشهور، لكن ٦٢٢ كانت مقابلة للسنة الـ ٥٣ من البعثة.. البعثة كانت على حد الـ ٤٠. ثم ظلت الدعوة المكية ١٣ سنة.. وفي الـ ١٣ سنة حصلت هجرتين للحبشة: الهجرة الأولانية انتهت بدخول عمر الإسلام.. وعمر دخل في السنة السادسة للبعثة.
ولما سمع المسلمون في الحبشة أن عمر دخل الإسلام، ظنوا أنه مكة أصبحت مؤمنة للمسلمين وفي حماية، يمكن أن يرجعوا لأهلهم ليعيشوا في ظل المنعة والقوة اللي حصلت بإسلام عمر، وإسلام حمزة.. عمر وحمزة بيناتهم في الإسلام زي ثلاثة أيام.. وعندما أسلم عمر قال للنبي: "أولسنا على الحق؟ إن متنا أو عشنا؟" النبي قال له: "بلى والذي نفسي بيده إنكم لعلى الحق إن متم أو عشتم." قال: "ففيم إذن الاختفاء؟" وخرجوا المسلمون في صف في أوله عمر، وفي آخره حمزة.. وعندما رأى المشركون الصف وقوته بحمزة وبعمر أصابتهم كآبة شديدة.
وعندما رجع المهاجرون من الحبشة إلى مكة، بعد شوية وجدوا أنه الاضطهاد ما هو أقل.. نعم، أن الإسلام قوي بدخول عمر.. وكما هو مشهور أنه نبينا سماه الفاروق، لأنه بخروج الصف داك من بيت الأرقم ابن أبي الأرقم، وسيره في حواري مكة وأزقتها، إلى أن دخلوا المسجد، ظهر أنه الإسلام استعلن، فسماه الفاروق - الفاصل بين الحق والباطل.. حصلت القوة بالصورة دي، لكن ما كانت كافية لتحمي الناس من العذاب الذي بينصب عليهم من المشركين.. بل لعله المشركين عجلوا أن ينهوا العهد الجديد، لأنه بدخول عمر فيه، وبدخول حمزة فيه، أصبح كأنه بيكسب قوة.
عندما رجع المهاجرون ومنهم عثمان بن عفان، هاجر في الحبشة في الهجرة الأولانية، وجدوا المشقة والعنت والعذاب، فكروا في الرجوع ثاني، وهم كانوا أقل بسيط من ١٠٠ رجل وامرأة، فرجعوا إلى الحبشة مرة ثانية.. وهنا القرشيين شعروا بأنه النجاشي الحبشة استقبل المسلمين بترحاب وبحماس، وخافوا أنه المسلمين يجدوا سند من دولة قوية زي الحبشة، برضو عجلوا بأن ينهوا العهد ده، ومن هنا جاءت مسألة الإحاطة بالبيت.
فكروا وهداهم تفكيرهم إلى أن، في رأي أظنه أنه ينفوا النبي من مكة، لكن شافوا أنه دا راح يقوى ويجيهم راجع، أحسن حاجة يتخلصوا منه، وأحسن طريقة يتخلصوا بيها أنه يجيبوا ٤٠ شاب جلد، من القبائل المختلفة ليحيطوا بالبيت، ويضربوه ضربة رجل واحد، ويتفرق دمه على القبائل، فلا يستطيع بنو عبد مناف أن يقاتلوا جميع القبائل فيرضوا بالدية. أكان دي المكيدة اللي دبرت.
في الوقت ده أُُري النبي دار الهجرة الجديدة، وهي طبعًا غير الحبشة، وبعدين بدأت هجرة بعض المسلمين، لعله عمر بن الخطاب ممن هاجر قبيل هجرة النبي.. وأبو بكر نفسه كان فكر في الهجرة، لكن النبي أخره وقال له: "لعل الله أن يجعل لك رفيقًا.".. ففهم أبو بكر أنه في أمر، النبي بينتظره، عندما يجيه الإذن بالهجرة بهاجر.. وذهب أبو بكر إلى داره، وأصبح يعد الرواحل، فأعد راحلتين. ثم بعد زمن، مكيدة القرشيين وصلت إلى ما ذكرنا من تدبيرهم للشبان اللي بيحيطوا بالبيت، وفي الوقت ده بالنهار جاء الأمر للنبي بالهجرة.
وكما هي القصة المروية ذهب في النهار لأبو بكر، وأبو بكر فهم أنه في الأمر شيء. النبي قال له: "أخرج ما عندك من الناس." قال له: "إنما هم أهلي وأهلك"، ما عليهم سر يعني. فأخبره أن الأمر جاء بالهجرة.. أبو بكر كان منتظر الأمر ده، لكن قال له: "الصحبة يا رسول الله؟" قال له: "نعم الصحبة." فيقال أنه بكى من الفرح.. ثم عندما أمس الليل، خرجوا هم الاثنين لغار ثور.. وغار ثور قريب من مكة، يقولوا على بعد ثلاثة أميال للجنوب الغربي.
وأحاطوا كان المشركين بالبيت، ولكن النبي خرج وهم محيطين به وقال: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} ورمى بتراب.. يقال أن التراب ده وقع على عيون الناس كأنما هو نعاس فناموا.. وهو خرج وترك علي متغطي ببردته في فراشه، وأوصاه أنه في الأيام القريبة المقبلة يفرق الأمانات لأهلها، ويلحق به.
الواحد يلاحظ هنا أنه النبي عليه عداوة المشركين له، كانوا يؤتمنوه على أماناتهم، بالصورة دي، حتى هو مطلوب، هم طالبين دمه، وبعضهم مؤتمنه بالصورة اللي يخلي عنده أماناته لغاية ما هو مهاجر وفار بدينه ودمه، ترك علي ليوزع الأمانات.
خرج هو وأبو بكر إلى غار ثور.. ودخلوا الغار.. لكن أبو بكر كان نظم الراحلتين، وكان نظم لهم خبير يدعى عبد الله بن أريقط الديلمي، كان مشرك.. عبد الله بن أريقط الديلمي، مشرك.. وثقوا فيه في أنه يكون الخبير وأنه يخرج بالراحلتين، ويوافيهم بهن في غار ثور بعد ثلاثة أيام.. فخرجوا يوم الخميس أول ربيع الأول بالليل.. دخلوا غار ثور، هنا علي بن أبي طالب راقد وهم يعاينوا له بعد ما صحوا من نومتهم يعاينوا له، ويفتكروا أنه النبي نايم.. وعندما أصبح الصبح علي كشف عنه غطاه وجاء خارجًا، قالوا له: "أين صاحبك؟" قال: "لا أدري." عرفوا أن النبي نجا.. شاع الخبر في مكة وقاموا اقتفوا الآثار إلى أن جو في غار ثور، وجات المعجزة المشهورة.. والقصاص قال لهم: "إلى هنا وصل ولكن الدرب ضاع." قالوا: "لا يمكن أن يكون دخل هنا لأنه في الحمامة والعنكبوت نسجوا على باب الغار، بصورة كأنما لها عهد قديم جدًا". حتى زي ما قال عماد واحد منهم قال: "أن العنكبوت دا نسج قبل ما يولد محمد." قديم وعليه العجاج والتراب والقش والحمامتين مبيضات، لا يمكن أن يكون الناس دخلوا بالطريقة دي امبارح، ثم الأمر دا بالصورة دي.
فكان الأمر فيه زي ما ذكر الإخوان أبو بكر كان رفيق وشفيق على النبي بصورة منزعج ليها دائمًا، وكان أبو بكر يتلفت دائمًا وخايف.. فلما جو عند الغار دخل هو والدنيا ليل، وتلمس الشقوق والحقوق ونظفه، ودخل النبي فلمان جوهو في الصباح القريشيين يقتفوا آثاره، كان يقول له: "لو نظروا تحت أقدامهم لرأونا يا رسول الله." يقول له: "يا أبا بكر لا تخف، يا أبا بكر ما بالك باثنين الله ثالثهما."
رجعوا منهم.. كان تدبير أبو بكر أنه عبد الله - إبنه - يجيب له أخبار القرشيين في مجالسهم بيقولوا شنو.. يغشى مجالسهم ويستطلع الأخبار ويجيهم في المساء بها.. وعامر بن فهيرة - مولاه - يرعى الغنم في الجبال حولهم، ويريحها عليهم، ياخذوا لبنها، اللبن اللي عايزينه.. الغنم تخفّي طريق عبد الله وطريق أسماء - أسماء بنت أبي بكر - هي بنته الأصغر من السيدة عائشة، كانت تجيهم بالزاد.. وزي ما قلنا عامر بن فهيرة يجيهم بالغنم، ويخفّي الآثار دي بالغنم يمشي فوقها، والقرشيين كانوا يحوموا الثلاثة أيام ديك في الجبال القريبة باستمرار.
في اليوم الثالث، اللي هو يوم الاثنين، جاهم عبد الله الديلمي ده بالراحلتين.. وكان أبو بكر يحب أنه النبي يقبل منه الراحلة الثانية، ليرحل عليها، فأبى إلا أن يدفع ثمنها، مع أنه زي ما قال عنه عماد قال: "ما أحد أمنُّ علي، وأبرُّ لي بماله ونفسه من أبي بكر"، لكنه أراد أن يكون مهاجرًا لله بماله وبنفسه.. ده السبب في إصراره على أن يدفع ثمن الراحلة وسماها القصوى.
فخرجوا بالليل، وخبيرهم أخذ بهم طريق الساحل، وكان رديف لأبو بكر.. النبي في راحلة وأبو بكر رادف الخبير، ويتجانبوا الطريق العام، ومشوا بالساحل.. عامر بن فهيرة ساق الغنم وراهم عشان يخفي الأثر بالمرة.. الجمال ماشية، والغنم ماشية وراء الجمال، الأثر يضيع.
في اليوم الثاني، قبل ما يبعدوا من مكة، حصلت قصة بتاعة سراقة بن مالك، زي ما قال عنها عماد، شعر بأنه الخبر اللي جابوه الناس عن أنه في اثنين، لعلهم هم النبي وصاحبه، خفّ المسألة دي هو وجرى ليلحقهم ليفوز بالجائزة، اللي جُعلت على رؤسهم.. فعندما قرّب لهم، صاخت قوائم الفرس بالأرض.. وبعدين سراقة خاف وطلب الأمان، والفرس نهض.. لكن لعله قام في باله أن المسألة صدفة، ثاني جرّبها، ثاني صاخت قوائم الفرس، وخرج من الأرض دخان أرهبه وأخافه، فطلب الأمان، ووعد بأنه يرجع، ويخذل الناس الطالبين، وفعلًا رجع بالصورة المشهورة.. وجاء في الحديث اللي يقولوا فيه أنه قال له: "أنك بتتسوّر بسواري كسرى".. فيما بعد حصلت المسألة لأنه سراقة أسلم، وكان في حرب العراق وإيران، وتسوّر بسواري كسرى.
هنا مشوا في طريقهم، والقرشيين ما يعرفوا إلا بعد أن أمن عليهم سراقة أنهم يكونوا ما بينطلبوا ثاني، ما بيتلحقوا.. يقولوا أنه كان أبو بكر برضو يتلفت كثير، وزي ما قال عماد، يذكر الطلب يجري وراء النبي براحلته، يذكر الرصد يجري قدامه، وكان بالصورة دي والنبي لا يلتفت، وده أدب الهجرة: {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} ده أدب الهجرة بالصورة دي.. وفي القيمة العرفانية برضو كأنما أبو بكر يمثل الثالوث، النبي في خط الاستقامة، أبو بكر كأنه الفكر، يجري وراء ويجري قدام، من الخوف، لكن داك مستقر وثابت لا يلتفت ولا يضطرب.
ويقولوا مروا على امرأة، أم معبد، في خيمتها، وطلبوا منها هل عندها من زاد، ومن شراب، وكان زوجها ذهب بغنمه يرعاهن، فقالت: والله ما في شيء، اللبن نحن طولنا منه، وما في غير الشاة دي، شاة عجفاء ما قدرت تمشي مع أمهاتها، وما فيها أصلو أي أثر لبن، و ضروعها منكمشة، فمس عليها النبي، ضرعها انملا باللبن، فحلبوا منها، شربوا وسقوها هي، وخلوا بقية اللبن في الإناء.. فلمان جاء زوجها استغرب في الحكاية دي، فحكت له، قال لها: "ده صاحب قريش.".. ودخل في قلبه إيمان به.
مشوا لغاية ما وصلوا إلى المدينة، ورجع عامر بن فهيرة بغنمه بعد ما أمن عليهم.. لمان دخلوا المدينة، القصة المشهورة قابلوهم، في قباء انتظروا مدة، وقابلوهم المسلمين والأنصار والمهاجرين والناس الجدد بيتطلعوا للحكاية دي، والقصة المشهورة والإنشاد المشهور: "طلع البدر علينا من ثنيات الوداع، وجب الشكر علينا ما دعا لله داع، أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع." وكانوا يضربوا الدفوف وفرحانين.
فلمان دخل المدينة كانوا الأنصار يدعوه للنزول عندهم، كل فريق منهم، كل بيت، كل رجل، يدعو النبي للنزول عنده، فكان أرخى للقصوى الزمام والرسن وقال: "دعوها فإنها مأمورة." فجاءت بركت في محلة معينة من دور الأنصار، ما نزل منها النبي.. قامت، مشت مسافة، التفتت لورى ثاني، ثاني رجعت وبركت في محلها نفسه.. فنزل منها وكانت الدار ليتيمين هم سهل وسهيل ابنا عمرو، من بني النجار.. عندما نزل هناك، قام أبو أيوب الأنصاري، جرى ونزّل الرحل وشاله لبيته، استضاف النبي مدة هناك، وبعدين النبي قرّر أنه يبني مسجده في المحلة دي، وطلب اليتيمين أن يدفع لهم عن أرضهم، عرضوا أنها يهبوها للنبي، لكنه أبى.. ودفع عنها من مال أبي بكر، وبني المسجد هناك، بالطوب والقش والجريد، ده كان سقفه.
برضه المسألة الطيبة جدًا مسألة الناقة دي.. شوفوا وحدة الفاعل فيها كيف، لأنه هو مؤمن بوحدة الفاعل، الناقة مأمورة، وده كلام الله.. ما فعلته الناقة أمر الله له، وكان بادي وظاهر.. لو فعله الإنسان لعله يكون الاجتهاد يحجب، لكن فعلته الراحلة - الناقة.
فبدأ عهد المدينة.. وبعض الناس، ودي عماد مشى ليذكر فيها قيمة أبو بكر في الهجرة، قيمة أبو بكر على طول المدى كانت في الإسلام كبيرة، كبيرة بصورة عجيبة.. بعض الناس يقولوا أنه علي كان معرض لخطر أكثر من أبو بكر، لأنه كان جائز، وهم كانوا يعتبروا أنه هو النبي، وكان جائز يحين وقت الضربة والمؤامرة، فيُضرب علي، على بال ما يعرف يكون انتهى.. يقولوا أنه الرقد في فراشه بالصورة ديك، يعني كان معرض لخطر أكبر من المشى معاه في الهجرة.. لكن مؤكد أنه قيمة أبو بكر دائمًا في العمل الإسلامي قيمة كبيرة جدًا.
ومن النقطة دي في رواية الأحداث، نبتدئ نطرح موضوع جديد للإخوان، هو في الحقيقة الموضوع القبيلك قلناه: الهجرة الروحية تكون كيف؟ وهل هناك عبرة سلوكية؟
نحن عندنا عبرة عرفانية ممكن نأخذها، وعبرة تاريخية ممكن نأخذها من الهجرة، ومتعة ذهنية للعمل الفيهو كثير من المخاطرة بالصورة دي، لكن هل من حوادث الهجرة دي، في هجرة روحية، يمكن للسالك أن يجعل حوادث الهجرة، كأنما هي آيات الآفاق بالنسبة ليه هو، ليسير في آيات النفوس، بهجرة جديدة، ورحلة جديدة، يحقق بها شيء، في المرحلة الجديدة، مما حققته الهجرة بحوادثها التاريخية، في المرحلة القديمة؟
هدا موضوع نتركه هسع لنقاش الإخوان.
ـ