واضح في الأمر أنَّه الدِّين المسيحي دين تبشير، لأنه كأنه مخاطبة في مستويات الإسماح، اللَّي كان بها الإسلام في أول أمره.. في شبه كبير جدًا بين الدَّعوة الإسلامية في أول أمرها، في مكة، والدَّعوة المسيحية.. الشبه بيقوم على الإسماح في الدَّعوة.. المسيح ما جاء بسيف.. نبينا ما جاء بسيف.. في مكة ١٣ سنة: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾.. وكانوا النَّاس يكفروا، وكانوا النَّاس يجاهروا بالعداء للفكرة، إلى أن بيَّتوا أمر في ليلتهم ديك، فأذن للنبي بالهجرة، فهاجر.. انتقل الوضع لعهد جديد، جاء السيف.
العهد الأولاني عهد تبشير، والشبه بينه وبين المسيحية قائم.. لمّاً جاء العهد الثاني الَّذي فُرع بـ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.. جاء في آخر الأمر الحديث: "أُمرتُ أن أقاتل النَّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا عصموا منِّي أموالهم ودمائهم إلَّا بحقها وأمرهم إلى الله".. وكانت الصورة في الأمر الجديد، أنَّه الجيوش الإسلامية ممنوعة تحارب إلَّا بعد أن تنتقل في ثلاثة مراحل:
١) يعرضوا الإسلام على المحاربين المدعوين ليهو.. (تُسلموا فيكون ليكم ما لينا، وعليكم ما علينا)..
٢) إذا أبوا، (تدفعوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون).. تدفعوا الجزية عن يد، يعني: كرهتوا القتال، وكرهتوا الإسلام، فإذًا تدفعوا الجزية..
٣) إذا أبو: يقاتلوا.. القتال يجي في المرحلة الأخيرة يعني.. القتال يجي في آخر المراحل لكنه هو القتال..
والأمر انتقل من صورة الدَّعوة بالإسماح إلى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
و ما في أصبحت فرصة للتبشير - التبشير في مستوى ده - أنه إذا أنت ما عايز القتال أسلم.. إذا أنت ما عايز القتال ولا عايز الإسلام، ادفع الجزية.. ما فيش غير، في المرحلة الأخيرة، أن يقاتل.. إذا هُزم بيُؤسر.. إذا هُزم بعد ما قاتل ما بيصبح مسلم، بيصبح مسبي، رقيق.. حتى قالوا الحكمة في الرق إنه لمّاً عرضوا عليه الإسلام ليكون عبد لله وأبى، مكيدة فيه ومعاوضة، جعلوه عبد للعبيد.. دعوه ليكون عبد لله أبى.. أها لمّاً مشت الحكاية لآخرها، مكيدة له وتربية ومعاوضة لرفضه عشان يتربى، جعلوه عبد للعبيد.. فإذا قُوتل وهُزم أصبح ولو أسلم هو رقيق، يُعتق أو يعامل معاملة الرقيق، حسب ما يكون الأمر.. وإذا ما أسلم هو سبي.. هو رقيق، بصورته دي.
فهنا ما في فرصة للبشارة.. البشارة نُسخت، بالمعنى اللَّي كان في أول الأمر.. اللهم إلَّا أن تعتبر اعتبار، وده قائم، هو أنه نبينا نذير بين يدي السَّاعة، وبشير للمؤمنين بالجنة.. هو كده.. بشير للمؤمنين الطائعين بثواب الله، ونذير للعاصين بعقابه وعذابه في الدُّنيا والآخرة.
دي مستوى البشارة والنذارة اللَّي بدأ به الأمر فيما بعد.. لكن في الأول كان بيبشر بعهد جديد ومجتمع جديد وحرية.. ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾.. معناه أنتو أحرار، أهو ده الحق.. ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.. ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.. إلى آخر الآيات دي اللَّي كان بها التبشير في الأول.
هنا لمّاً انسحبت الآيات دي، جاء السيف.. بقى ما في مجال كبير للتبشير وإنما هو الإكراه.. وآية: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ أصبحت منسوخة في العهد الثاني - العهد المدني - آية السيف نسخت آيات الإسماح كلها، و﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ منسوخة.
ولو أنه في نقطة دقيقة حقه برضو الإخوان يتنبهوا ليها، أنه ما في إكراه في الدِّين، لكن في إكراه في الإسلام.. ما أظنها بتفوت على واحد من الجمهوريين، لكن أحسن التنبيه عليها: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ دي قايمة في معنى أنه، لا النبي ولا غيره يستطيع أن يسيطر على قلوب النَّاس.. لكن يستطيع أن يسيطر على طاعتهم، ويمكن أن يكونوا منافقين.. لكن الطاعة لازم يذعنوا بها.
ولذلك قال: "أمرت أن أقاتل النَّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا عصموا مني أموالهم ودمائهم إلَّا بحقها"، حق المال الزكاة يعني، وحق الدماء أن يكون الإنسان قاتل لقتيل، ده يؤخذ، ده حق، النفس بالنفس، أو الفساد في الأرض، ده حق النفس.. وحق المال الزكاة.. فقال: "إلَّا بحقها" بعدين قال: "وأمرهم إلى الله".. أها دي النقطة الدقيقة في معنى أنه ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قايمة في المعنى ده، أنه لا يستطيع النَّبي أن يكره النَّاس على الدِّين، ولكنه يستطيع أن يكرههم على الإسلام.
هنا التبشير إذن انسحب.. وزي ما بينوا الإخوان في أنه لمّاً جات الفكرة الجمهورية، كأنما أعادت العهد المكي، ولن ترجع للعهد المدني.. لأنه الدَّعوة في الأول لمّاً كانت في العهد المكي، هي في الأصل ودي دعوة النَّبي، لكنه ما رجع للعهد المدني إلَّا لحكم الوقت اللَّي ذهب.. الوقت في القرن السَّابع ذهب.. قد يعود بعدين بعد النَّاس ما يمشوا للقمة، وينحطوا عن القمة، تاني يمشوا نازلين، تجي مرحلة آيات الفروع تجي فيها مرة ثانية.
ويمكن النَّاس أن يتصوروا الشَّكل الهرمي، في ضلعه واحد أنت صاعد، قبل القمة بتكون في مرحلة، وأنت نازل في الضلع الثاني أو القائمة الثانية منه، بتكون في نقطة بتقابل النقطة بتاعة البداية القبيلك، والنَّاس نازلين لتحت.. بيجي وقت تتطبق آيات الفروع مرة ثانية.
آيات الأصول تتطبق مرة واحدة.. في تاريخ البشرية في الأرض دي، آيات الأصول تنتطبق مرة واحدة.. آيات الفروع تتطبق مرتين، مرة مضت، ومرة تقبل.. ثم يكونوا النَّاس يجحدوا، حتى الزكاة يابو يدفعوها، زي الردة اللَّي حصلت في أيام أبو بكر.. بعد الاشتراكية والسماحة دي كلها الماشة ليها آيات الأصول، النَّاس يرجعوا ثاني تجي الرأسمالية، وتجي الإقطاعية، والنَّاس يُطالبوا بالزكاة ذات المقادير، ويؤدوها حين، ويأبوها تاني.. بعدين يرفضوا الصَّلاة، ويرفضوا الزَّكاة، ويرفضوا الحج، خطوة خطوة، إلى أن النَّاس ينحدروا ويُرفع القرآن، وما تُعرف الشَّريعة، وتقوم السَّاعة، زي ما قال نبينا في بشارته، (على لكع ابن لكع).. يعني النَّاس يرجعوا يتسافدوا، ما يعرفوا الشريعة تاني مرة.
فالشاهد إيه أنه آيات الفروع تستخدم مرتين، مرة مضت، ومرة تقبل.. آيات الأصول لا تبعث إلَّا مرة واحدة، وهي ما عليه الدَّعوة اليوم، وما عليه البشارة بأنه الأرض تملأ عدلًا، كما ملئت جور.. وما عليه القول بأنه المسيح يجي بشريعة محمد.. دي طبعًا معروفة عندنا، لكن ما معروفة بدقة.. النَّاس بيفتكروا أنه بيجي بشريعة الفروع.. لا، بيجي بشريعة الأصول، اللَّي هي شريعة نبينا في خاصة نفسه.. السنة يعني.
هنا ده البيجي يربط المسيحية مع الإسلام في مقبل أيَّامه.. ده الشبه بيناتهم.. ومن هنا الدَّعوة الجمهورية دعوة تبشير، لأنها هي الدَّعوة الإسلامية كما بُدئت في أول الأمر، في القرن السَّابع، في بطاح مكة.. ولأنه الآيات بتاعة الإكراه بتُنسخ.. قبيلك كانت ناسخة، لأنها هي صاحبة الوقت، تُنسخ لأنها أصغر من الوقت.. لمّاً تُنسخ وتنبعث آيات الأصول، ما يكون في إلَّا الاتجاه للإقناع.. ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ﴾ يجي مرة ثانية ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾.. ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ . لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ تُبعث.. وكل آية فيها إكراه تُنسخ.
وبالصورة دي تبقى الفكرة الجمهورية فكرة تبشيرية.
ـ