وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الثالوث أصل التوحيد

الاستغفار والثالوث الإسلامي والصلاة - ٢٢ يونيو ١٩٧٢

الثالوث أصل التوحيد

والحكاية الثانية، هي في الحقيقة ماشة في نفس الاتجاه، أنه التوحيد حقيقته التثليث.. والغريبة أنه المسلمين مذهولين عن التثليث.. حتى لمّاً جانا دكتور علي، علي حسنين الدميسي، كان مشى لمصر واتكلم معاهم وبعدين شافوا الثالوث الإسلامي، والكلام عن التثليث، وكده.. وقالوا أنه دا قال، واحد عالم نفس حتى، هو قال لي عالم، طبيب - طبيب نفساني.. قال ليهو في الفكر، الثقافة العربية، ما في تثليث.. لكن أصل التوحيد وأصل الدين التثليث ده.. ومجالاته كثيرة، يمكن بعد ما نوجز المسألة دي، نشوف من الاخوان الأمثلة على أنه التثليث أصل شنو؟ لكن الشاهد في الموضوع أنه البندول ده، اللي بين الطرفين، بين النقيضين يجي في التوحيد.. وأصله التوحيد هو نقطة لقاء النقيضين.. مثلًا الماضي والمستقبل، الحاضر.. أنت هسا لما بتكون حاضر في الصلاة، لمّاً تعيش في الحاضر.. إذا كان جذبك الماضي بتفكير في حاجة، وندمت عليها، وانشغلت بها، أنت مرقت من الصلاة الحاضرة.. مرقت من حضرة الصلاة.. وإذا كان اشتغلت بالمستقبل، بعد ما تنتهي من الصلاة تعمل شنو؟ مرقت من حضرة الصلاة.. ودي الحقيقة الآفة.. آفة الصلاة وآفة الحياة كلها، أننا نحن مشدودين بين الماضي والمستقبل طوالي، أول ما تقول "الله أكبر" تتذكر حاجة عملتها، أو حاجة ما عملتها، وليه عملتها، وليه ما عملتها، وحوار شديد وانت غايب خلاص، أنت في الماضي، بعدين بعد ما تقرر الصورة، تجي للمستقبل تقول بعد ما أطلع من الصلاة دي، أو بعد ما أرجع للمكتب أو الدكان، أعمل كدا وأعمل كدا، وعشت في المستقبل.. وآفتك ترى طوالي بندولك بين الماضي والمستقبل.. ولمّاً جاء هو قال نفى عنه (ما زاغ البصر وما طغى) قال عاش في الحاضر.. وده تثليث، وده الفكر.. هو ده بالصورة دي باستمرار.
بعدين الكمال مش في الوحدة، لنفس السبب اللي ذكروه عبداللطيف وفضل، أنه أصله الوحدة ما بتتحقق.. الوحدة المطلقة حظ الله وحده.. إذا كان الإنسان العابد شعر بأنه موحد توحيد تمام، وانه ولا مشغول بالماضي ولا المستقبل، ولا بندم ولا بفرح، ده ما هو سالك، نفسه ماتت.. ودي عندهم من دقائق العلم الـ بيكتشفوا بيهو السلوك.. وفي مرات كثيرة اتكلمنا عن كلام قاله عبدالسلام بن مشيش لتلميذه الشاذلي.. الشاذلي صاحب الطريقة المشهورة والعارف المشهور، شيخه عبدالسلام، قال هو دخل عليه في الصباح قال ليه: كيف أصبحت؟ عبدالسلام بن مشيش قال ليه: (أصبحت أخاف من برد الرضا، كما تخاف أنت من نار التدبير).. ومعروف طبعًا أنه أصله آفة السالك "التدبير".. ما بتسلم نفسك وأمرك لى الله.. تجتهد لنفسك لأنك بتتهم الله في أنه ما بدبرك، كما أنت عايز.. ودي طبعا، دي الغفلة كلها.. والسلوك كله الخروج من دي، اللي هو سُمّيت "الإرادة".. بعدين في مرحلة، نفسك دي ما تتحرك بالمرة، ولا تنشغل بشيء، ولا تتمنى شيء، ولا تكدر على شيء.. أها دا ما سلوك.. ده السماهو هو "برد الرضا".. النفس ماتت.. ولذلك قال: (أخاف من برد الرضا).. آ ما بتكون به زيادة.. لأنه ما دام ما في مرجيح بين الندم والرضا، ما دام في ما في مرجيحة بين رضاك بالله وسخطك على الله، ما في سلوك.. ودي اللي أشار لها النبي، قال: (إن لم تخطئوا وتستغفروا فسيأتي الله بقوم يخطئون ويستغفرون فيغفر لهم).
كمال نشأتنا نحن في المرجحة بين الخطأ والصواب، أو بين الرضا بالله والسخط على الله.. ولا يمكن أن يجي الإنسان اللي بيرضى بالله كل الرضا.. الله أعظم من كده.. كل ما رضيت بيهو، يبدي لك من دقائق لطفه ما يخليك تنكره.. والإنكار ده طبعًا عند الكبار مش السخط على الله، لكن التمني.. تمني غير الحالة اللي أنت فيها.. وده سلوك السالكين السرمدي، وجات بيه الآية (لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد).. ديل أهل الجنة.. أهل الجنة، أعلى الجنان، أي حاجة يحبوها تحصل في نفس اللحظة.. زي (ادعوني استجب).. ما في فرقة (لهم ما يشاؤون فيها) أي حاجة تخطر بباله تحصل.. أي كأنما بيكون في دائرة مقفولة، خياله بقى واقعه.. خياله بقى واقعه.. يبقى ثاني ما فيش تمني لشيء.. لكن ربنا قال (ولدينا مزيد).. يعني يفتح ليهو من العلم ما يخليهو يشوف أنه الحالة اللي هو فيها، في أكمل منها.. فيخطر في باله التمني ليها.. ده سخط الكبار.. أول ما اتمناها تحصل (لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد).. والسير بالصورة دي.. ده سرمدي.
أها دي المرجيحة ترى بالشكل ده.. إذا كان واحد افتكر أنه هو رضي عن الله كل الرضا، هو غافل عن حقيقة، هي أنه نفسه ما فيها حركة، ماتت.. فقال ليهو (أصبحت أخاف من برد الرضا، كما تخاف أنت من نار التدبير).. لأنه داك تدبير الكبار وده تدبير الصغار.. الإثنين نار.. لكن الصغير ما بيشوف ديك نار.. يشوفها صاحبها.. فهنا السلوك الحقيقي تراه الثالوث دا.. والتوحيد هو نقطة اللقاء بين الإثنين.. بين النقيضين.
ودي بالمناسبة التوحيد في الديالكتيك بتاع ماركس برضه.. في الديالكتيك بتاع ماركس وحدة النقيضين، بالصراع.. الصراع بين النقيضين يجيب توحيد.. بعدين التوحيد فيه نقيضين بتصارعوا بيجيبوا توحيد.. التوحيد فيه نقيضين بتصارعوا.. بس ماركس عنده أن الصراع ما بيقيف بالمرة.. والصراع عنده القاعدة فيه العنف والقوة.. في الإسلام العنف ما هو أصل، القوة أصل.. لأنك لمّاً ترى أنه الصراع بينك وبين الله العنف ما فيه.
والصراع في الحقيقة بين النقيضين اللي هو العبد والرب.. في قمة الصراع النقيضين العبد والرب، وبيناتهم صراع بعدم رضاك بيه، يرضيك.. لمّاً ما ترضى بيه وانت كبير يرضيك.. تاني تسخط تاني يرضيك.. لأنك أنت ما عندك غيره.. الكبير ما عنده غير الله، زي الطفل مع أبوه الكبير.. زي الطفل مع أبوه، واثق أنه أبوه بيقدر على كل شيء، وانه بيديه أي شيء، وبيطلب منه أي شيء، بيديه.. يبقى الصراع هنا ما فيه عنف، فيه قوة.. قوة المعرفة واليقين بالله.
الإجابة دي بس تفريع على ما أجاب عبداللطيف، لكن إجابات عبداللطيف جيدة جدًا في بابها، بس إذا كان عندنا دقائق نشوف الاخوان سندهم شنو على أنه التثليث هو مش الوحدة.. التثليث هو التوحيد مش الوحدة.. وده نقوله بعد ما ذكرنا للناس أنه العالم النفساني ده قال التثليث ده ما في، في الإسلام ولا في الفكر العربي.. مخصصتين للندوة..
وده بيسوقنا لنهاية الزمن، وإن كان ما ساقنا لنهاية الموضوع.. ونخلي للإخوان الفرصة ليطلعوا على النصوص اللي بتأيد التثليث، الثالوث عند الإسلام.. وأنه الثالوث أصل التوحيد.. وبنسمع يمكن في الجلسة المقبلة النصوص الـ بترد.. لكن الموضوع ده بيفتح فهم للدين وفهم للقرآن كبير، ولذلك أحسن راجعوا المصحف وشوفو..
طيب الجلسة مرفوعة الآن.