وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الإسراء والمعراج

جلسة الإسراء والمعراج - مدينة المهدية - ١٩٧٣

الإسراء والمعراج

ما ورد من كلام من الإخوان في الاحتفال بهذه الليلة المباركة في الشطرين، شطر الحادثة كما وردت مروية في القرآن وفي الحديث، ودي قام بها حسن مجذوب، وشطر الواردات والحديث العرفاني اللّي اشتركوا فيه الإخوان الاشتركوا، كان حديث مناسب جدًا وكافي للمشاركة العامة للاحتفال بهذا الحدث العظيم في أمر المعراج.
الإسراء والمعراج حصلوا في السنة الأولى قبل الهجرة.. في السنة الأولى قبل الهجرة حصل الإسراء وحصل المعراج، في مكة، وكان حدث رجَّ عقول الناس رجة شديدة.. والغريب في الأمر أنه المعراج لم يُذكر، وإنما ذُكر الإسراء.. الناس في مكة لم يُبلّغوا بالمعراج، وبُلّغوا بالإسراء، فكان الإسراء وحده هزّة عنيفة جدًا، حتى أن بعض الذين أسلموا ارتدوا عن الإسلام، لاستغرابهم للأمر دا.
والتشريف الكبير اللي ربنا منحه لسيدنا أبو بكر كان أنه، حتى عندما لم يُخبر بالمعراج، كأنما سبق له وقال: أنا أُصدّقه بخبر السماء.. فخبر الإسراء إذًا شيء بسيط، وإن كان الناس استعظموه.
فالقصة ناحيتها التطبيقية هي الهامة، زي ما ورد في كلام الإخوان هنا، وهي ما يسعى الجمهوريون في دعوتهم للرسالة الثانية من الإسلام – الدعوة الإسلامية الجديدة – في السير المنفتح على الإطلاق، في الترقّي المستمر من المقامات الجماعية إلى المقامات الفردية، هو ما نحاوله لأول مرة في تاريخ الإسلام لننشره ليكون منهاج عملي.
وزي ما أشار الإخوان هنا، أهم حاجة في الحادثة هي الرجوع بعد الإلمامة.. الإلمامة الكبيرة الّلي حصلت، وكان بها الوحدة التي تكاد تكون مطلقة، لم يتمّ لها الإطلاق، الوحدة النبوية في مقام ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾، لم يتمّ لها الإطلاق، لكنها كانت، المكان بيها كان مستعد ليواجه الإطلاق.
والرجوع من هذه الإلمامة إلى مكة، ثم العمل بصلاة المعراج، لتتحقق الإلمامة على مُكْث وعلى هيّنة في الزمن، لتتمّ بيهو وحدة البنية البشرية، هو الكسب الكبير جدًا، لترقّي النفس البشرية وخروجها من أوحالها وظلماتها إلى الانطلاقة المرجوة ليها، وإلى الأنوار التي هي نصيبها.
وما في عبرة بالقول بأنه النبي أُسري بروحه وما أُسري بجسده، أو أُسري بجسده وروحه، أو النزاع في النقطة دي، لأنه النقطة هي نقطة توحيد.. أنه النبي تم له التوحيد: توحيد جسده وقلبه وعقله، حتى ارتفع الكثيف فأصبح لطيف، وبالصورة دي المكان والزمان يُلغى.

لكن للحكمة التربوية في الترقّي أصبح السير في المكان ليستعد.. السير في المكان، في آيات الآفاق، ليستعد المكان من النبي في بنيته البشرية، لتلقّي الأنوار المُفاضة من الذات الإلهية.. زي ما الحكمة التشريعية تفرض علينا أن نقوم من هنا ونشد الرحال لنمشي لمكّة، ونقوم بالمناسك المعروفة.. احتياجنا نحن ليستعد المكان مننا، لأنوار الفيوضات البتكون في مكة، لنصل نحن لحقيقتنا، لنصل لبيت الله الحقيقي.. لأنه في الحقيقة بيت الله ما هو مكة، الله ما هو في الحجارة الّلي هناك، لكنه في الشريعة مكة بيته، الكعبة بيت الله في الشريعة.. دي لحكمة التربية البيقوم عليها ترقينا نحن، لننتقل من آيات الآفاق إلى آيات النفوس.. لننتقل نحن من التعدد إلى الوحدة.. ليستعد المكان منّنا ليتقبّل الأنوار المُفاضة من الوحدة المطلقة.
وكان استعداد المكان من النبي ليتقبل الأنوار المُفاضة من الوحدة المطلقة، فيما سُمّي بـ "الشهود الذاتي"، كان وُصف فيه حال النبي بأنه: ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾..
ولذلك هو سار المسافة الأفقية، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم سار المكانة الرأسية، من المسجد الأقصى إلى ما فوق السماوات السبع، حيث تم الشهود الذاتي، في مقام جبريل تخلّف عنه، لأنه جبريل لا مقام له في حضرة الشهود الذاتي.
ودي الإخوان اتكلموا عنها بالصورة الّلي هي، زي ما قال عوض الكريم، كأنها ثلاثة مراحل:
مرحلة من المسجد الحرام، الّلي هو القلب، إلى المسجد الأقصى، في سير أفقي، برز به كأنما برز العقل من القلب، كما هي الحادثة في ترقي الحياة وفي سيرها.
ثم جاء السير الرأسي، الّلي هو أيضًا سير بالفكر، بعد ما تمت بدايته في بروزه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، بروز العقل من القلب كعُكّاز الأعمى، زي ما بنقول، يسير به.
ثم جاءت المرحلة الثانية، وهي أيضًا في مجال الفكر، وهي مرحلة رأسية من المسجد الأقصى، الّلي هو نفسه الفكر، زاد في قواه واستحصاده، في سيره الرأسي إلى أن جاء عند سدرة المنتهى.
وسدرة المنتهى معناها نهاية المجاهدة، لأنها المجاهدة بتقوم على الإرادة وبتقوم على الفكر.. ثم بعد نهاية المجاهدة، جاء الاستسلام التام.. جاء السير بالجسد، وقد رُفع حجاب الفكر.. ولذلك توقّف جبريل، لأنه جبريل في مقام الفكر من النبي، هو فكره، بارز عنه بَرَّا.. وعندما توقّف بعد سدرة المنتهى، كان السير بالوحدة المطلقة بين الجسد والقلب والعقل، إلى أن جاء في مقام شهد فيه الذات الموحدة، لأنه توحّد.
فالقيمة في تطبيق الإسراء والمعراج في النهج التعبدي الّلي جاء للنبي، وسُمّيت به الصلاة (معراج العبد إلى ربه) القيمة دي هي ذروة قمة قيمة قصة الإسراء والمعراج، وتحدّثوا عنها الإخوان هنا بصورة طيبة جدًا.

نحن نكتفي بما ورد، ونعتقد أنه الشريط دا بيكون عنده قيمة كبيرة جدًا للإخوان، عندما يمشي للأقاليم المختلفة، والمدن المختلفة، وده بيكون عمل جمعة في وضع الخدمة دي في أيدي الإخوان.. يمكن للإخوان الـ في الجهات المختلفة، لمان يسمعوا احتفال المركز هنا بهذه المناسبة الطيبة، أن يكتبوا انطباعاتهم عن واردات الإخوان هنا، ويرسلوها لنا، لنشوف برضو رأيهم هم، وليشاركوا في الاحتفال بهذه المناسبة الكبيرة، وبهذا الحدث الفريد في تاريخ الإسلام، الّذي به انفتحت الأرض على السماء، وألمّت السماء بالأرض.. والمحاولة المستمرة هي إنزال الإلمامة التي حصلت من فوق السبع سماوات، في مقام:
﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ ، إنزال هذه الإلمامة إلى الأرض، حتى تكون الحكمة الفي السماء، معاشة ومطبّقة في الأرض.
كل المحاولة هو أن تتصل الأرض بالسماء، وأن يستقر أمر السماء في الأرض، ويكون به أمر الله نافذ، بنشوء الخليفة، وبروز الخليفة إلى مقام عزّه، وسير البشرية في سُلَّمها المستمر نحو الرُّقي، الّذي لا يحده حد، ولا تؤوفه آفة.
بذلك نختتم هذا الحديث، ونصل إلى نهاية هذه الجلسة.
ـ