الإسراء والمعراج.. الإسراء زي ما قال مولانا، أنه الإسراء ثابت بطبيعة الحال في القرآن: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}.. ده بقى وجب التصديق بيهو زي ما قال.
مسألة المعراج فيها أقوال، ما في ذلك شك.. لكن الإنسان البقرا سورة "والنجم" يرى أمرها.. ده ما هو النص القاطع بالصورة دي، لكن الإنسان اللي يعرف المعراج هو شنو؟ بيعرف أنه موش هو سير في السماوات.. يعني بعض العارفين قالوا: النبي ما ترك مكة، وإنما جُمع ليهو الزمان والمكان، فرأى الله، في جمعية.
لكن السير دا بيقتضيه السلوك في الارتفاعات.. نحن مثلًا لمّاً نمش لمكة، نقوم من هنا ونمشي لمكة.. الله ما في مكة، لكن دخولنا في المراسيم دي، والتقديسات البندخل فيها، والتهيؤ البندخل فيهو، وتجليات الله في مكة فعلًا أكثر من تجلياته في أمدُرمان مثلًا.. لأننا نحن ما موحّدين.. أها لمّاًً ندخل في التهيؤات دي، نلقى الله، ونلقى صور من الإشراقات في حجتنا.. التهيؤ ده، كأنما هو احتيال على النفس البشرية لتتهيأ للقدسية، وتتخلص من شواغلها.
هنا جاءت مسألة السماوات.. لكن الإنسان البيعرف حقيقة المعراج، لمّاً يلقى مثلًا: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ}.. يعرف أنه المعراج حق، زي الإسراء ما حق.
ثم أنه وده مقرون بحديث النبي.. والحديث، زي ما قال السيد برضو، في صور منه كثيرة، وفي اعتراضات في جيهة.. في ناس حتى يمكن أن ينكروه.. في كثير من الناس يعتقدوا أنه الأحاديث ماها في مستوى القرآن، ودا طبعًا حقيقة، لكن في آخرين بيروا أنه الشريعة، قرآن وحديث، خصوصا فيما يخص جملة الأمر.
هنا نبينا اتكلم عن سدرة المنتهى، واتكلم عن وقوف جبريل، وجاء: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ}.. وبقى المعراج عند العارفين حق زي الإسراء.
بعدين، هل المعراج بروحه وجسده؟ دي فعلًا اختلفوا فيها، واختلفوا فيها اتنين في القمة، مثلًا عائشة وابن عباس.. عائشة قالت: من قال إن النبي رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، دونكم القرآن {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ}.
ابن عباس قال: إن النبي رأى الله بعيني رأسه.. وزي ما عندكم مثلا في المولد: ورآه كما قال ابن عباس "عيان".
آ هنا الاختلاف ده في الأمر، في الحقيقة، مظهري.. إذا كان نبينا في حالة الرؤية كان عنده عيني رأس وعين قلب، لا يمكن أن يرى.. لكنه قال، أصبح وحدة، والقرآن قال عنه، هو قال: انتسخ بصري في بصيرتي، فأصبح وحدة رأى.. والقرآن قال في توحيده {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ}.. يعني كان وحدة زمانية، في وحدة مكانية، في وحدة ذاتية، فرأى.. آ ديل ما بيناتهم خلاف.
والإسراء بالروح والجسد، دي عبارة.. الجسد هو شنو؟ والروح هي شنو؟ نحن ما بندرك المسائل دي.. بنقولها بس.
لكن يمكنك أن تقول أنه أصلو الصورة كلها روح.. الوجود ده كله روح.. الروح تجسدت، في تجسُّدها في طرف منها رفيع.. يعني مثلًا أنا روح وجسد.. أنت روح وجسد.. الجسد فينا يمكن أن تقول الجسم المعروف، والروح منّنا العقل.. العقل ما شيء غير الجسد، لكن طرفه الرفيع، الخفيف، الحاد.. مثلًا زي الشفرة بتاعة الحلاقة.. ما في فرق في الحقيقة بين الشفرة البتقطع، وبين أصل الحديدة اللي قايمة عليها الشفرة، إلا اختلاف مقدار.
فالروح جسد في حالة من الغلظة تتأثر بيها الحواس.. والجسد روح في حالة من الرفاعة ما بندركها بحواسنا، لكن تدركها أنوار النبوة.
لذلك، نحن مثلًا ما بنرى الملك، نبينا كان بيراه.. ما بنرى الجن، نبينا كان بيراه.. لأنه عايز أنوار معينة تُدرك بيهو، مش بعين البصر.. فالروح والجسد ما بيناتهم اختلاف كبير.
بعدين، السلوك كله هو أنه الجسد محاول يكون في رفاعة الروح.. كل عباراتنا نحن، نحن عبادتنا عبادة جسدية، عشان شنو؟ صلاتنا، صيامنا، أعمالنا جسدية.. لأنه الجسد ده عايز يرتفع ليدرك صفات الروح.
فهنا مثلًا جبريل.. جبريل الروح، بتبطؤ ذبذبته وحركته، أو بتكثّف، يجي في صورة دحية الكلبي.. أو يجي في صورة الرجل اللي قال عنه عمر بن الخطاب، جاء وتحدث عن النبي، وصفه وقال: "رجل شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، لا يعرفه منا أحد، ولا يُرى عليه أثر السفر".. هم ما عرفوه.. لمّاً اتكلم في الآخر، قال ليهو: يا عمر، أ تدري من السائل؟ قال: الله ورسوله أعلم.. قال: هذا جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم.
أها جبريل في اللحظة ديك، يمكن أن يرفع ذبذبة جسده ليكون روح.. ويمكن أن يكثّفها ويبطئها ليكون جسد.
نحن العباد، كل محاولتنا أن الجسد ده يرتفع من حيوانيته الغليظة المظلمة، ليكتسب شفافية الروح.
وعندنا الناس المعروفين - أهل الخطوة مثلًا - أهل الخطوة عندهم الإشراقات الروحية البيرفعوا بيها جسدهم حتى يخرج عن حكم المكان.. ودي مشهورة ومعروفة.
آ هنا، يبقى مسألة الروح والجسد دي عبارات ساكت، اللغة بتحجبنا عنها، لكن هي في حقيقتها، نحن سيرنا أنه نكون قادرين بأجسادنا.. حتى قالوا، لمّاً يقول: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}.. لمّاً تركب أنت مركب، أو تركب طيارة، أو تركب أتومبيل، تركب دابة، تقول: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ}.. يعني كأنه نحن هسّع مستطيعين بغيرنا.. نحن مستطيعين بالآلة.. كمالنا أن نستطيع بأنفسنا.. كمالنا أن ننتقل بأجسادنا عبر الفضاء، كأنه ما في فضاء.
والحقيقة دي العبارة اللي بتتم لمّاً نكون عارفين، في مستوى أن نكون في الجنة.. في الجنة نحن بننتقل بشنو؟ {لَّهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا}.. أي حاجة أنت عايزها، تتم.. لأنه أجسادنا المتكثفة، النشأت من الأرض وثقيلة في وزنها بالصورة دي، باستمرار بتحاول أن تكتسب من أنوار الروح، وترتفع في إشراقاته لتكون طوع إرادتنا.. ننتقل بالهمة، الحاجة العايزها تحصل.
فالروح والجسد، إذاً، هي مسألة فيها حجاب اللغة أكثر من حقائق الدين.
---