وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

التوحيد والغرابة في عودة الدين

تعلموا كيف تصلون - الأبيض - نادي الأعمال الحرة - ١١ أبريل ١٩٧٢

التوحيد والغرابة في عودة الدين

النقطة الثانية، اللي بتجيء في الاتجاه ده، هي أنه عودة الدين مبشّر بها.. مبشّر بها في القرآن، ومبشّر بها في الحديث، بما لا يدع مجالًا للشك إطلاقًا، الدين عائد.. و عودة الدين وُصفت بالغرابة (بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء، قالوا: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنتي بعد اندثارها).
سنّته يمكنك أن تقول في جملتها هي التوحيد.. سنّة نبينا التوحيد، وحّد ذاته، حتى عندما قام في شهود الذات، من فوق السبع السماوات، بعد سدرة المنتهى، وُصف بأنه، في المقام داك، عندما ظهر له التجلي الذاتي الإلهي، استغرقه من جميع أقطاره، حتى لم يبق فيه فرصة، لأن يتوزع بين الماضي والمستقبل، خرج عن الزمان.. لأنه الذات لا تُشاهد، والإنسان داخل الزمان والمكان، فجاءت العبارة القرآنية اللطيفة: (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى).
(مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) يعني الفكر - فكر نبينا - ما اشتغل بمكة، ولا اشتغل بالمستقبل، بالماضي في مكة يحصل شنو.. ولا في المستقبل في الدقائق الجاية يحصل شنو.. وإنما كان وحدة زمانية، في وحدة مكانية، في وحدة ذاتية، بهذه الوحدة المطلقة رأى الذات.. ثم عندما رجع، قال: (ليلة عرج بي، انتسخ بصري في بصيرتي، فرأيت الله).
دي سنته في الحقيقة، عمله وحالة قلبه وعبادته، كلها لتحقيق الغرض ده.. وده المقام اللي فرضت فيه الصلاة الأصلية، الصلاة اللي قال فيها: (الصلاة صلة بين العبد وربه)، وجبريل كان غائب عن هذا المقام، وتحدثنا عنه في ليلتنا في الكلام عن الصلاة في نادي السكة حديد، بما لا يوجب إعادته هنا.
لكن يمكنك أن تقول أنه الغرابة أصلها بتجيء في التوحيد، وأنه سنّته التوحيد، وأنه كان اتجاهه كله لـ الله، ما موزّع في شيء خارجي، كل ما يوزعه عن الله يزهد فيه، وينصرف لربه، حتى قال واحد من الأصحاب في وصفه: (كان محمد كأنما نصب له علم، فشمر يطلبه).. مسابق لميس ما بيلتفت.. هدي كانت هيئته، التوحيد.
دي حقيقة تقرر، سنته التوحيد، وأنه الدين ما راح يعود عن بعث الشريعة.. راح يعود عن بعث (لا إله إلا الله)، دائمًا.. ده معنى (يحيون سنتي).. ونحن تكلمنا عن السنة في درجتها البسيطة في أنها إدخال الفكر في العمل، وده هو التوحيد.. إدخال الفكر في العمل، بيخليك باستمرار تتخلص من شوائب الشرك، الشرك الغليظ والشرك الخفي، وأنت ماشي للتوحيد.
ـ