وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الكبت والفطرة والأنانية الجاهلة

الخواطر - الندوة الرابعة - مدينة المهدية - ١١ نوفمبر ١٩٧١

الكبت والفطرة والأنانية الجاهلة

تابعنا موضوع الخواطر والكبت الذي وقع للإنسان البشري، في عمر البشرية الموروث الطويل، ثم في عمر الإنسان القصير.. ووصلنا إلى أن نعالج موضوع الكبت في حياة العابد السالك، ونأخذه من طفولته و نسلك به الطريق، لفض التناقض القائم بين العقل الواعي والعقل الباطن، الذي هو سبب الكبت.
موضوعنا واقف في النقطة دي: خذ السالك المبتدي، من طفولته وتابعه في مراقي سلوكه، اللي بيستهدف أن يحل العقد النفسية، حتى يكون الفرد البشري سليم، في سلام مع نفسه، في وحدة داخلية وطمأنينة وتنغيم داخلي، ينتهي فيه النشاز من حياته.. وده بطبيعة الحال غرض العبادة.. غرض السلوك كله إيجاد التنغيم الداخلي اللي بيهو النغمات النشاز تنتهي، اللي بيهو العقد النفسية الجاثمة البنية البشرية تنتهي، تنحل، تتنوّر، تجد طريقة مشروعة للتعبير عن حيويتها ونشاطها.. ها ده موقفنا.. عايزين نسمع فيه من النقطة دي ونمشي لقدام.
الفطرة والأنانية الجاهلة بيجو من وين؟ أحسن الناس يقولوا كلمتين عن الفطرة.. الفطرة يعني شنو اللي بيولد عليها الطفل؟ (فطرة الله التي فطر الناس عليها)، شنو؟
الفطرة صفاء الذهن وسلامة القلب، من المسائل المكتسبة في الدعوى ولّا الطمع ولّا الحرص ولّا.. ولو أنه الموروث قد يكون فيه كامن، لكن المكتسب هو صافي منه، قالت دي الفطرة. نسمع أحسن في الفطرة شنو؟
فاطمة تمشي (...).. إبراهيم نصّار قال بيكون وحدة ما منقسم.. نسمع زيادة عن الفطرة اللي بنسمع بيها كثير (فطرة الله التي فطر الناس عليها)، (الإسلام دين الفطرة)، (كل مولود يولد على الفطرة)..
[الناس] حامت حول الموضوع، خصوصًا كلام آدم.. دين الإسلام العام معناه الإرادة العامة.. معناه الطاعة.. الأشياء خُلقت طائعة لى الله.. الطاعة.. ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾.. كل الأشياء مخلوقة طائعة لى الله ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.
كأنه الفطرة العجز.. الفطرة العجز.. القدرة لـ الله وحّده.. ما في إدِّعَاء هنا.. لامن جات العقول جات الدعوى.. والطفل من هنا عاجز.. والكلام القيل حوله كله صحيح.. لأنه فيهُ سلامة قلب وصفاء فكر، لكنه عاجز، ما مدّعي أي حاجة.. بعدين تجي الدعوى، بالحركات الإرادية، لمّاً نبتدي نعمل أشياء في حركاتنا وسكناتنا تبدي إرادتنا، وما نستطيع أن ننجزه، يسوق أنفسنا للوهم بأننا قادرين، فتجي المعارضة، اللي هي المخالفة للإسلام.. ويجي (وأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه) القالتها بتول.
فيبقى السؤال الفرعي بتاع شيخ أحمد: من وين بتجي الأنانية الجاهلة للطفل، وهو مولود على الفطرة؟
يعني كأنما هي الأنانية، أو هي الحياة بتطلب التعبير عن نفسها، اللي هو تحصيل اللذة بأي سبيل.. أول ما تصطدم بالواقع، ينكر عليها الواقع، بعُرفه وبتشريعه، لذتها.. يبقى تبتدي تلتوي أنواع من الحيل، وأنواع من النفاق، وأنواع من الكذب، وأنواع من غش الناس.. تبقى الأنانية الجاهلة هي التواء الأنانية.. أصلها حاجة واحدة هي.
الأنانية منطلقة لتعبر عن نفسها في اكتساب اللذة، اللي هو ده شريعة الحياة.. أول ما تصادم الواقع، وهي عاجزة عنه، تبتدي تلف حوله بصورة من الطرق الملتوية.. اهي دي الأنانية الجاهلة.. التواء الأنانية.. التواء الحياة.. التواء النفس.. النفاق.. الانقسام بين الداخل (الظاهر) والباطن.. أنا عايز حاجة.. وقت كنت طفل في سذاجتي وبساطتي بطلبها.. وبحاول أحصل عليها بالحيلة العندي، اللي أساسًا هي البكاء.. ومشت لقدام الحيلة دي بطلت تنفع.. تكون فيه تصرفات في الحيل المختلفة، منها الغش، ومنها النفاق، ومنها التحايل، ومنها الكذب، ومنها أن أكون عايز حاجة وأعبر عن حاجة أخرى.. أهي دي.
الأنانية الجاهلة تجي من مصادمة الحيوية الداخلية للواقع، ومحاولة اللف حوله، والاحتيال عليه، والكذب والتدليس والغش، وكل الصور اللي بتكتسبها فيما بعد في المجتمع.. ويجي القرآن يقول: ﴿كَلَّا بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.. أهو ده اللي بنكسبه في المعترك بتاع الجماعة.. بعدين الحديث اللي ذكّرنا بيه برضه علي وشيخ يوسف قبله (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه - المجتمع الصغير والمجتمع الكبير موجود في العبارة دي نفسها - فأبواه يهوّدانه أو يمجّسانه أو ينصّرانه) وتجي صور المعتقدات والأديان الأخرى فيما بعد.
دي الإجابة على سؤال شيخ أحمد الفرعي.. نمشي لموضوعنا.
-