وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الرؤى والمعارف (٢)

جلسة سلوكية وعرفانية مفتوحة (٤)

الرؤى والمعارف (٢)

عبد الرحيم: في فترة من الفترات افتكر في السنة الفاتت، كان يكاد من ناحية سلوكية بشوف رؤى باستمرار، يعني ما يمر يوم واحد إلا أشوف رؤى طيبة بالليل، وتكون كلها مع الجمهوريين، وواحد يحس فيها بمعارف كويسة.. لكن من السنة دي، الحكاية دي وقفت بصورة شديدة جدًا.. هل معنى كده إنه الزول في فترة بتاعة انخفاض؟ هل الرؤى ممكن تكون مقياس لمدى سلوك الزول؟
الأستاذ: يبقى في سؤال تجاوب عليه قبل الإجابة، اللي هو: هل في تغيير في عملك؟ في فتور في حالتك؟ ولّا عبادتك وسلوكك في المستوى القديم، ثم تخلّفت الأحلام؟
عبد الرحيم: ما متأكد من المسألة بصورة واضحة.
الأستاذ: شوف بقى، كده زي سؤال معمّم بقى.. سؤال عبد الرحيم أنه كان، زي السنة الفاتت، عنده أحلام كثيرة، ورؤى كثيرة، وكلها مفرحة ومع الجمهوريين.. لكن بدا له أنه في السنة الجديدة زي قلّت الأحلام.. فهو سؤاله: هل في حاجة يعني بتزعج في المسألة دي، ولّا حاجة طبيعية؟
هنا أنا كنت سألته: هل هو بيشعر - الحاجة المحسوسة يعني - أنه عبادته، عبادته الحسيّة يعني، وسلوكه، فيهُ ارتخاء شوية؟ ولا هو شاد زي ما كان في المستوى الماضي؟ هو ما عنده تمييز للمسألة دي بالضبط، ما متأكد منها.. بيبقى هنا السؤال كأنّه عمومي.
على العموم، الإنسان لمّاً يكون بجاهد في مرحلة النفس اللوّامة، المجاهدة دي بتحدث احتكاك.. أصله اللوّامة، لأنه كلّما النفس عملت حاجة، العقل يلومها.. دي الحكاية اللي قبيلك كان فيها، فهنا في احتكاك داخلي.. الاحتكاك ده بيعمل حرارة، بيعمل نار، بيعمل نور.. الدرجات دي.. على أن يستمر طبعًا في زيادته.
والاحتكاك لمّاً يبتديء، بيعمل الدفء في الأول، الحرارة، النار، النور.. دي الدرجات اللي هي الثلاثة: من النفس الأمّارة، النفس اللوّامة، النفس المُلهَمة.. لمّاً تجي المُلهَمة، تجي المعارف والأحلام.. على أنه الأحلام موجودة، مجرد أن النفس ما انقسمت في مسألة اللوّامة، الأحلام فيه، بتبدأ، لكن في المُلهَمة، الأحلام كثيرة جدًا، والمعارف والواردات كثيرة جدًا.. ودي نتيجة الاحتكاك الوصّله لدرجة النور.
الأحلام، كل سالك حسب درجته.. لكن بعضهم لو أخدته سنة كده، غمّض، هو يعني بينود، بيرى.. بعضهم إذا غمّض عينه قبل ما ينود، بين اليقظة والمنام، يرى.. ففيها كثير خالص خالص من الصور دي.. بعدين الأحلام، كأنما هي في الحقيقة حجاب.. بديل عن المعرفة.. أنت ساير للمعرفة، أنت عايز المعرفة.. السلوك ده الغرض منه في سير السلوك الطبيعي، أن تكون معارفك في اليقظة.. الأحلام بديل، وبشارة.. بشارة بأنه ما تراه في أحلامك، تراه في يقظتك، إذا كان ربنا كتب لك التوفيق ده.. في الحياة دي، أو في الحياة المقبلة، حسب التوفيق ما يكون من الإدراك.. لكن، ما تراه في النوم، تراه في اليقظة.. إذا كان السالك مجوّد، ما يراه في النوم هسّع، يراه في اليقظة، طوالي.
ودي، طبعًا، العبارة اللي قالت عنها عائشة عن النبي أنه أول الوحي كان (...).. هنا بعض السالكين، لمّاً تكثر الأحلام، ما بيقيفوا معاها، عندهم أنها بشارة.. والبشارة بتقول لك: مطلوبك أمامك.. ما تقيف معانا، إنما نحن فتنة.. افتكر وردت نحن عندنا بالصورة دي: "إنما نحن فتنة" مطلوبك أمامك: الله.. موش الأكوان، المكوَّن... هنا ديل، ما بيقيفوا معاهم لمن يرد ليهم الخطاب ده.. ما بيقيفوا معاها، بمعنى أنه ما بييقيف يفسرها، ويحكيها، ويقلّبها في ذهنه - في دماغه.. يسيبها كأنّه ما مهتم لها.. تبتدي تقل.. لكن قلّتها: انتقالها من النوم لليقظة.. ببقى صاحب معارف كبيرة.. تخلّص من حجابها، يبقى بالطور ده هو ساير في سلوكه.
لمّاً يبقى صاحب معارف كبيرة، السلوك إن ارتخى ما مهم.. لأنه أصله التشمّرة لقطع العقبة دي.
أول ما تجي نتائج المعارف، يبقى أصله التعب الجسماني يقل، بطبيعة السلوك.. هناك، لمّاً قال له: (طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)... يعني: القرآن جاء بديل عن التعب الجسدي، لأنه معرفة.. بعدين الشقاوة تكون: (إلا تذكرةً لمن يخشى)... يعني الشقاوة تكون في المرحلة إذا خشيت إنك تهبط.. ده قبل الاستواء.. مرحلة انتقال.
هنا، إذن مسألة الأحلام، إذا كان الإنسان في شدّة مجاهدته، ارتخت، لازم يفتّش.. دي الحكاية اللي أنا سألت منها عبد الرحيم عشان نشوف الموضوع بتاعه.. هسّع هو يقدر يستفيد الموضوع ده: إذا ارتخت الأحلام، وأنت في عزّ سيرك، وما تحولت لمعارف في اليقظة، في حاجة غلط في السلوك، فتّش.. وقد يكون السلوك جسديًا في المستوى الأولاني، لكن النيّة دخلها فساد.. فتّش.. لازم تفتّش.
فإذا كان أنت هسّع في مرحلة سلوكك، رأيت أنه الأحلام قلّت، فتّش.. إذا كان السلوك قلّ، شُدّه زي ما كان.. إذا كان السلوك في مستواه، والأحلام قلّت، فتّش آفات السلوك.. بعدين، أنت أشغل نفسك بالتفتيش ده.. إذا اهتديت لنقطة، بتكون كويسة.. إذا عادت المسألة لمّاً ترجع من البتاع - من الإجازة - كويس.. إذا كان في أي حاجة تانية، نقدر ننظرها فيما بعد.. لكن طوالي فتّش.. وهي الحقيقة التفتيش ما حاجة سهلة.. التفتيش دقيق وغميس لآخر درجة.. لكن، اللّطف الإلهي واسع بصورة يعني - طبعًا - الإنسان ما يستطيع أن يتصوّرها.. مجرد انزعاجك ده - هسع السؤال ده انبنى على انزعاج - ده تفتيش واجتهاد، ويتمّه الله الباقي طوالي.. ما متروك لينا نحن شيء، بس حركة الخاطر البسيطة في أنه فيك حاجة ناقصة، ده سؤال بلسان الحال.
والسؤال بلسان الحال، ربنا يستجيب له حتى لو سأله الكافر.. لأنه لمّاً تسأل بلسان الحال، انقطع عنك أي شرك.. الشرك أصله في السؤال بلسان المقال.. لكن لمّاً تسأل بلسان الحال، يعني لسان الحال معناه شنو؟ أنه لمّاً تكون جائع أشرفت على الهلاك، ما عندك غير الله، انقطعت حيلك كلها - الكافر ربنا يطعمه في الحالة دي.. في الحال دي، الكافر ربنا يستجيب له.. في المرحلة دي، ما في كافر في الحقيقة..
السؤال بلسان الحال ما فيهُ كافر، لأنه المحتاج عرف ربّه.. والطغيان المستغني.. (كلا إن الإنسان ليطغى . أن رآه استغنى)... دي العلّة الأساسية في السؤال.. الطغيان.. لو ما مستغني ما في كافر، ما في ملحد.. ما نشوف الكلام الفارغ اللي بيقولوه الملاحدة.. يوم يحتاجوا يعرفوا أنه الله فيه.. لكن، زي ما قلنا: واحد يعرف بعد فوات الأوان..
فأنا كنت مستمتع جدًا بمطالعة مذكرات بنت ستالين، لأنه في وصفها، الواحد يدل على أن ستالين في الآخر شاف أنه الله فيه.. في بعض عباراتها في وصفها له في الموت.
فإذن الرحمة واسعة بالصورة أنه الإنسان، مجرد أن يتحرك خاطره بأنه في شيء ناقص، دخل في فضل المجاهدة: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)... شوفوا السعة دي كيف! ما يخرج من المسألة دي إلا إنسان - يعني - قمة الغباوة، يمكن.. زي ما قال، لمّاً النبي قال: (اتقوا النار ولو بشقّ تمرة)... واحد قال: يعني، ما يدخل النار إلا غبي.. إذا كان النار بتقينا منها شق تمرة، يبقى ندخلها كيف؟ وقال واحد جاء لعائشة سائل، وجدها بتأكل في عنب، وقف في خشم الباب، أدّته عنبة.. وبطبيعة الحال يعني، زي ما راضي، قالت له: كأنك استقللتها؟ كم في هذه من مثاقيل الذر؟ إذا كان (فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره)، العنبة فيها كم من مثاقيل الذر؟
فالرحمة واسعة بالمرّة.. واسعة سعةً أصلو يعني، الكلام عنها ما ممكن.
ـ