أفتكر برضو الموضوع ده سمعنا فيه كلام طيب، اللّي هو هيئة الصيام والأدب فيه.. والهيئة، ممكن بتحديد وبالصورة الغليظة، أنه الإنسان يقول: الهيئة هي الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.. وكل العمل بيكون في الأدب اللي هو مقدّمة للهيئة.. يمكن الإنسان أن يقول أكبر الأدب مع رمضان.. مع رمضان.. في أدب مع رمضان، وفي أدب في رمضان.
الأدب مع رمضان ألا نكرهه.. ودي أفتكر حاجة نادرة.. يعني بنجد أننا بنكره رمضان.. ولعلّه يكون في كمان مقدار من النّفاق، لما نقوم من المآذن نوحّشه في الأيام الأخيرة.. (أوحشتنا يا شهر الصيام)، (أوحشتنا يا شهر القيام)! ما فيهو مقدار كافي من الصّدق.. ولنصل إلى إن نحب رمضان، ده بيقتضي ألا يكون رمضان بيفطمُنا من عادة عزيزة علينا.
إذا كنا في الفطر ما عندنا مراقبة حضور، ما عندنا توجّه لله، عندنا إكثار في الطعام وإكثار في الشهوات، بيبقى رمضان بطبيعة الحال فِطام من عادة متأصلة، ولا يمكن إن نملك أنفسنا إلا أن نكرهه، لأنه النفس تكره إن تنفطم عن ما اعتادت.. زي ما الطفل يشق عليه، بعد رضاعه عام ونص أو أكثر أو أقل، يُفطم.
فإذا كانت النفس بتكون مراقبة ومرعية، وأنه الإنسان دائمًا يأكل ولا يشبع، ما يمتلئ من الطعام، وما ينحرف عن جادة المراقبة والعبادة المستمرة اللّي هي الحضور، إذا كان الإنسان ما راقب دي، مؤكّد بيكره رمضان، ولا يملك نفسه.. بعدين يجي يشوف أنه هو مكسوف من أنه بيكره رمضان، يظهر بمظهر المحب له، ويتكلم كلام يزيد الطين بلّة بانه بقى منافق.
فمسألة محبة رمضان هي في الحقيقة أدب مع رمضان.. ورمضان ضيف، بيجي ويحل بيناتنا بعد كل ١١ شهر، يكون هو الشهر الـ ١٢.. فحقّه ما نملّه، زي ما من الأدب ألا تمل الضيف في مدة إقامته معاك، و(من كان يؤمن بالله ورسوله فليكرم ضيفه).. وأهم إكرام للضيف ألّا تملّه، وألّا تزهج منه، وألّا تسخط عليه.
والحقيقة أنه كل عبادة من العبادات تخرج عن أننا نحبّها، تبقى واجب ثقيل.. كل عبادة من العبادات تخرج من أننا نحبّها، تبقى واجب ثقيل. ومجرد من بقت واجب ثقيل، ما بتكون فيها ثمرة.
ولذلك تجي الحكمة البالغة والهبة الكبيرة لنبينا عندما قال: "جعلت قرة عيني في الصلاة"..
(جعلت قرة عيني في الصلاة) يعني نفسي تطمئن بيها، وعيني تقرّ بيها، وصدري ينشرح ليها، بحبّها! (جعلت قرة عيني في الصلاة) يعني بحب الصلاة.. ودي تنسحب على كل حاجة من عبادته، كلها يحبّها، لأنها هي الصلة البتخرجه من الغفلة إلى الحضرة، تخرجه من الظلام إلى النور، تخرجه من البعد من الله إلى القرب، والله حبيبه الأعظم.. دي مهمة.
بعدين الأدب مع رمضان ينسحب من النقطة دي إلى مراقبته، زي الصلاة.. الناس اللي بيحبوا الصلاة يشتاقوا للوقت.. تلقاه يعاين دائمًا.. ودي قبيلك قيلت في مسألة الصلاة، الصلاة لوقتها.. ما كانوا الناس بينتظروا عشان ما يأذنوا لهم الظهر الساعة واحدة ونصف.. كانوا مشتاقين متين الشمس تزول من كبد السماء ليصلّوا، أول الوقت دائمًا، كأنما هو موعد الحبيب.. لأنه موعد لقاء الحبيب فعلًا، عند الناس البيعرفوا للصلاة، وتلقاهم دائمًا يقلبوا نظرهم في الشمس، ويقيسوا في الظل.
كذلك رمضان يجب أن يترقبّه الإنسان، ما نقول لامن يجينا الخبر بانه ثبت شرعا بتلغراف جاي من برّة.. نعم، ده العمل الجماعي، وفي ناس مسؤولين عنه.. لكن إذا كنت أنت مشتاق ليهو وبتحبّه، تتطلع ليهو لتشوفه.. ولعله رؤية رمضان تشرح صدرك، ويجيء لك منها الخير والبركة.. وتقليب نظرك في الأفق وانت بتعاين ليه، رأيته أو ما رأيته، فيه بداية حسنة جدًا للدخول عليه.
بعدين النية اللي قال عنها عماد، مؤكد من الأدب في رمضان.. الأدب - العبادة في رمضان - لأنه ما في عمل بدون نية.. أي عمل بدون نية عمل باطل.. النية يمكن أن تكون لرمضان من أوله لآخره، ينويه من أول يوم، ويمكن أن تكون منجمة على كل يوم، ويمكن إن تكون النية كاملة ثم ينوي كل يوم، حسب حضوره.. ودي أكملهن، أن ينوي كل رمضان، ثم ينوي كل يوم.
بعدين الالتزام زي ما قالوا الإخوان، بأنّه الصيام مش هو الجوع والعطش بس.. الصيام هو الملاحظة الكبيرة للسلوك كله.. وهو فرصة لتجويد السلوك أكثر من غيره، لأنك دائمًا بالجوع أنت منكسر، ومنخفض، وضعيف.. والضعف ده أكثر ما يعين على السلوك.
برضو محاولة ترك الأشياء الماها سنّة.. مثلا نحن عندنا التراويح.. التراويح ماها سنة، بل التراويح بدعة.. والواجب، القيام في الثلث، وكان نبينا في رمضان وفي غير رمضان يقوم الثلث.. إذا كان في نشاط في رمضان للزيادة يكون زيادة في التطويل زي ما قال عماد، لكن التراويح بدعة، وعليها عمل الناس في الوقت الحاضر، وإلى حد كبير هي مسألة يهضموا بها الطعام الكثير اللي أكلوه في الفطور، ثم يتركوا القيام في الثلث، ويسموها صلاة القيام.. ودي فيها تضليل كبير في الحقيقة.. والخبر الأصيل أنه نبينا صلّاها يومين، في اليوم الثالث عندما انتظروه ما خرج لهم، وكلموه، قال: "خشيت إن تكتب عليكم لو خرجت".
وبعدين، بعد ما التحق النبي بالرفيق الأعلى، كانوا الناس بيصلوا في بيوتهم، شويه حصل تراخي من الصلاة، بقوا يقوموا أول الليل بدل يقوموا آخره.. فجاء سيدنا عمر وجدهم بيصلوا في المسجد، كل واحد على حده، لأنه نُهوا عن أن تكون مواصلة الصلاة الجماعية البداها لهم النبي في اليومين الأولين.. فقال: "لو جمعناهم على إمام واحد!" فجمعهم سيدنا عمر، ثم أطلّ عليهم مرة وهم بيصلوا، قال: "إنها لبدعة، ولكنها بدعة حسنة، وما ينامون عنه خير مما يقومون".. الثلث الأخير أحسن من أول الليل.. نحن هسع درجنا عليها هي، نقول (صلاة القيام أثابكم الله)، ونصلي، ونفتكر أنه ده القيام.. ده خطأ.
برضو من الأدب فيه الكلام القيل هنا، تقليل الطعام.. وده برضو خلاف ما بنعمله.. نحن نحتفل برمضان مما يقرّب، باهتمام كبير في تجهيز أطايب الآكال وكثيرها، ونسرف فيها، كأنما بنحيل طعام النهار إلى الليل.. بل الحقيقة نجيب فيهُ أنواع ما كنا في الفطر بنعملها، ونتوسع فيهُ بأكثر مما بنتوسع في الفطر.. وده محاولة للهروب، ومحاولة رديئة.
برضو ناس كثيرين، لأنهم بيكرهوا رمضان، يساهروا ليله في اللعب واللهو، عشان يناموا نهاره.. كثيرين يلعبوا الطاولة، يلعبوا الكشتينة، ويساهروا لغاية ما يجوا للسحور، يتسحروا ويرقدوا، بعدين يمشوا المكتب مستعجلين يجوا متين، عشان من الساعة ٢ يناموا لغاية ما يتورهم المدفع! ده برضو هروب منه، ولأنه مكروه عندهم.. وده ما بتجد منه فايدة.
برضو من الأدب فيهُ محاولة الصدقة أكثر من غيره.. ودي العبارة اللي قيل عن نبينا، أنه كان دائمًا جوّاد بالخير، لكنه كان في رمضان كالريح المرسلة، لأنه هو شهر خيرات وبركات، وإن تسد حاجة الناس فيه، أجرك أكبر من صدقاتك في الأيام الأخرى.
من الأدب فيه أيضًا، عدم تقليل العمل اتكالًا على أنه الإنسان صائم.. إلّا أن يكون العمل من المشقة بحيث لا تستطيع إن تصوم معاه.. يعني إذا كنت حدّاد - مثلًا - بتواجه النار دائمًا، وبتعطش بكثرة، يبقى هنا بتدخل في رخصة.. ده ما بيكون هروب من رمضان، لكن رخصة قائمة.. هي أنه إذا كنت أنت بتكسب لناس بيحتاجوا ليك، وما عندهم كاسب غيرك، وبالصورة دي أنت ما بتستطيع إن تجمع بين العمل والصيام، عندك الرخصة في الفطور.. عندك الرخصة في إن تفطر، وإن تأجّلها لوقت آخر.. إذا كان عملك ده باستمرار هو طريق كسبك وما عندك غيره، وما عندك فرصة غيره، يمكن الحكاية تنسحب إلى إن تطعم مسكين عن كل يوم، حتى لو ما عندك يمكن إن يسقط عنك.. لكن إذا كان في فرصة أن تترك العمل ده لغيره، بتنتقل الفضيلة إلى أن تتركه لتعمل غيره، لتواصل الفريضة العليك.
الآداب فيهو في حقيقته كثيرة، وكلها يمكن تتلخص في الإقبال عليه بانشراح له، وبمحبة.. ونحن ما بنستطيع إن نحبه إذا كان بيحرمنا.. فإذا كانت حياتنا بتكون قريبة من الاعتدال دائمًا، ما بيحرمنا.. بل بيكون في فايدة منّه كبيرة لنا، والنفس تشعر بها، ومن هنا تميل له.
ــ