لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول


كتابات حول فكر ومواقف الحركة الجمهورية

مقال د. خالد المبارك يكشف عن حقائق مؤسفة (١ من ٣)
متى يرفع السودانيون أصواتهم استنكاراً لتزييف التاريخ؟

طه اسماعيل أبوقرجة

٢٥ ديسمبر ٢٠٠٢

بتاريخ الأربعاء 11 ديسمبر 2002 أرسلت مقالاً قصيراً إلى صحيفة الرأي العام رداً على مقال الدكتور خالد المبارك الذي نشرته ذات الصحيفة في عددها بتاريخ 18 نوفمبر 2002 تحت عنوان (مفكرة سودانية بريطانية.. محمود محمد طه وأنصاف الحقائق)، والذي تعرض فيه للأستاذ محمود محمد طه، ولثورة رفاعة التي قامت في عام 1946 في مواجهة قانون محاربة الخفاض الفرعوني الذي سنته الإدارة الاستعمارية. لم يحظ مقالي بالنشر، ولعل صحيفة الرأي العام قد اكتفت بنشر الرد الذي تفضل به الدكتور عبد المطلب بلة زهران على مقال الدكتور خالد المبارك. بيد أن بعض الإخوان قد تكرم بنشر مقالي في مواقع عديدة من شبكة الإنترنت.

ولما كنت قد وعدت في ذلك المقال برد أطول على مقال الدكتور خالد المبارك في حيز آخر، فقد كان لزاماً علي أن أفعل. ولقد حرصت أيضاً على الرد المطول لأسباب أخرى، منها أن الحوار حول الموضوع قد اتصل في بعض منابر السودانيين في شبكة الإنترنت، وقد بدت منه الحاجة إلى تسليط مزيد من الضوء على ثورة رفاعة، التي لم يقو جل المؤرخين على ذكرها. ومنها التنبيه إلى أمور خطيرة كشف عنها مقال الدكتور خالد المبارك. من هذه الأمور، احتمال تورط الأستاذ محمود صالح عثمان صالح، راعي مركز عبد الكريم ميرغني، في تزييف التاريخ، باتباع نهج انتقائي يفتقر إلى الأمانة في رصد وتسجيل وقائع التاريخ. ومنها أيضاً ذهول السودانيين حتى في مستوى قامة الدكتور خالد المبارك عن موت ما يسمى بالحركة السياسية السودانية.

هذا المقال يقع في ثلاثة أجزاء، أولها يتناول تزييف التاريخ، والثاني يناقش بعض ما أثاره الدكتور خالد المبارك، والثالث يلقي ضوءاً على ثورة رفاعة، ويعرِّف بقيمتها الحقيقية، باعتبارها الموقف الذي قاد إلى تقصير أجل الاستعمار البريطاني على السودان، وهي القيمة التي من أجلها حرصت جهات عديدة مؤثرة على إسقاط هذه الثورة من التاريخ. وسأحاول جهد الإمكان مناقشة بعض ما أثاره الدكتور خالد المبارك مناقشة موضوعية دون أن أغلظ عليه القول، وذلك لاعتبارات شتى، منها أن الدكتور خالد المبارك هو رغم ما قاله يعد من السودانيين المتعلمين النشطين القلائل، وذلك أمر يجب أن يحفظ له، وأن يشفع له.

خلفية عن مقال الدكتور خالد المبارك :


لمصلحة القراء الذين لم يقفوا على مقال الدكتور خالد المبارك، أفيد بأنه قد أقدم على كتابة مقاله إثر استماعه، على حد تعبيره، إلى تسجيل في شريط فيديو لحفل تقديم مجلدات "الوثائق البريطانية عن السودان" التي حررها الأستاذ محمود صالح عثمان صالح، راعي مركز عبد الكريم ميرغني، الذي أقيم بقاعة الشارقة بجامعة الخرطوم، حيث تحدث أحد أساتذة جامعة أم درمان الأهلية معبراً عن خيبة أمله لأن الوثائق لم تشمل ذكراً لنضال الأستاذ محمود محمد طه ضد الاستعمار رغم أن الإدارة الحاكمة اضطرت إلى إرسال فرقة عسكرية من الخرطوم لإخماد المقاومة التي قادها في رفاعة. وقال الدكتور خالد المبارك أن ذلك المتحدث أطرى على الأستاذ وحزبه الجمهوري بلا تحفظ. ومن هنالك مضى الدكتور ليقول أن ذلك الإطراء هو بسبيل من نظر السودانيين، في الشمال والجنوب، وفي اليمين واليسار، إلى القائد السياسي كشيخ للطريقة الصوفية. ثم مضى ليصف ثورة رفاعة بالرجعية، وبأنها من مخازينا لأنها كانت ضد قرار تحديثي. كما رمى الأستاذ محمود محمد طه بالبذاءة. وهو قد فعل كل ذلك لمقاومة ما أسماه مواصلة "الحديث عن القادة بانتقاء يسلط الضوء على الإيجابيات فحسب ويضلل الشباب لأنه ينطلق من أنصاف الحقائق وأسداس الحقائق ويغذي جينات النزعة الصوفية المتأصلة في أفئدة السودانيين". هذا هو لب المقال، وسأتعرض إلى فقرات منه في هذا الرد.

جل المؤرخين السودانيين لم يقووا على ذكر اسم الأستاذ محمود ولا الحزب الجمهوري :


قال الدكتور خالد المبارك في مقاله عن ثورة رفاعة:- (قيل لنا أنها مثل إضرابات الطعام في المدارس وإضرابات زيادة الأجور العمالية، مجرد ظواهر اجتماعية لمضمون سياسي هو رفض الاستعمار..)!!

ولابد أن أقول هنا للدكتور أن الكتابة بطريقة "قيل لنا" لا تليق به، خصوصاً في موضوع بهذه الأهمية والحساسية. وأنا أعفيه من أن يذكر لنا من قال ذلك، ولمن، ومتى، وأين.

ولما كان الدكتور خالد المبارك قد زعم في مقاله أن الأستاذ محمود محمد طه لم يدافع عن ثورة رفاعة بعد الاستقلال (وهو زعم خاطئ)، فإن عبارته هذه تفيد أن المشتغلين بالتاريخ السوداني هم الذين برروا ثورة رفاعة على ذلك النحو. وذلك إيحاء مضلل، لأن جل المؤرخين السودانيين قد فاتهم شرف ذكر هذه الثورة في كتبهم، بل صعب عليهم أن يوردوا اسم الأستاذ محمود محمد طه رغم أنه كان أول سجين سياسي في تاريخ الحركة الوطنية الحديثة وأصلب من قاوم الإرهاب الاستعماري، كما صعب عليهم أن يذكروا الحزب الجمهوري كأحد الأحزاب السودانية رغم أنهم ذكروا كبيرها وصغيرها، ورغم أنه أول حزب دعا إلى قيام جمهورية سودانية، ورغم أنه الحزب الوحيد الذي قام على مذهبية سودانية المنبت.

والحق أن تلك مؤامرة اغتيال معنوي قديمة ومخزية تضافرت على حياكتها أيد كثيرة. وما الاغتيال الحسي في يناير 1985 إلا فصل متأخر من فصولها التي ما برحت تتوالى. هذه المؤامرة هي التي ساقت أستاذ جامعة أم درمان الأهلية إلى التعبير عن خيبة أمله من إسقاط نضال الأستاذ محمود محمد طه ضد الاستعمار من الوثائق التي قال الدكتور خالد المبارك أنها حررها الأستاذ محمود صالح عثمان صالح.

إن التاريخ يجب أن يسجل بأمانة. ومن يدري، فلعل الله قد قضى بأن يجيء قريباً اليوم الذي يعلم فيه السودانيون بأن حركتهم الوطنية لم يكن فيها أنصع ولا أشرف من مواقف الأستاذ محمود، وعندئذ قد يهرع بعض المؤرخين لإصدار طبعات منقحة ومزيدة من كتبهم، يذكرون فيها اسم الأستاذ محمود، ونضاله، وثورة رفاعة، ويوردون اسم الحزب الجمهوري كأحد الأحزاب السياسية السودانية. إن اليوم الذي يعرف فيه السودانيون تاريخهم لآت، فلابد لليل التضليل والمضللين أن ينجلي. ويومها سيحاسب كل من أسهم في تزييف التاريخ، مثلما سيحاسب كل من كاد لهذا الشعب. وذلك حساب مخزي حتى وإن لم يلحقه عقاب. والحق أن مزيفي التاريخ هم بعض أدوات السياسيين الكائدين لهذا الشعب.

ألم يدافع خالد المبارك عن إسقاط نضال الأستاذ؟


بيد أن الدكتور خالد المبارك قد ورط نفسه، دون أن يقصد أو أن يدري، في تلك المؤامرة الرخيصة المزمنة التي تستهدف إسقاط اسم الأستاذ محمود محمد طه كلياً من تاريخ هذا البلد، إذ ذهب شوطاً بعيداً في مجافاة النهج العلمي حين رد على ذلك التعبير عن خيبة العمل قائلاً أن تلك الثورة كانت رجعية ومن مخازي السودانيين. وهو قد فعل ذلك دون يستنكر تغييب هذا التاريخ، أو يأسف لوقوعه، أو يستعلم عن دوافعه، أو يستقصى أمره. بل أنه أسرف على نفسه فتجرأ على رمي الأستاذ محمود محمد طه بالبذاءة، كما بينت في المقال السابق وكما سأبين في الجزء الثاني من هذا المقال. وهو بذلك كأنما يقول أن ثورة رفاعة وغيرها مما يتصل بالأستاذ محمود محمد طه ليس جديراً بالتسجيل والتأريخ. وهو بذلك قد دافع عن إسقاط هذه الثورة من التاريخ، قصد ذلك أم لم يقصد.

هذا أمر جد مؤسف، فالدكتور لابد يعلم بأن التاريخ يجب أن يسجل تسجيلاً أميناً وكاملاً، بصرف النظر عن رأينا فيه.

ولو أن أستاذ جامعة أم درمان الأهلية طالب بالإشادة بنضال الأستاذ محمود، لكان للدكتور خالد المبارك حق الاعتراض على تلك المناشدة مبدياً رأيه في ثورة رفاعة. ولكن الدكتور خالد لم يقل في مقاله أن أستاذ جامعة أم درمان الأهلية طلب الإشادة بنضال الأستاذ محمود محمد طه، وإنما قال أنه عبَّر عن خيبة أمله من إسقاط التاريخ المتصل به. ألا يحق له ذلك التعبير؟ بل ألا يجب عليه ذلك التعبير وسط هذا الجحود الكبير الذي أبى الدكتور خالد المبارك إلا أن يضم نفسه إلى طوابيره؟ وهل يصح وصف هذا التعبير عن خيبة الأمل من الانتقائية في تسجيل التاريخ، وما تقتضيه من إشادة بالأستاذ محمود، بأنه تعامل مع القائد السياسي كشيخ للطريقة "ومواصلة للحديث عن القادة بانتقاء يسلط الضوء على الإيجابيات فحسب ويضلل الشباب لأنه ينطلق من أنصاف الحقائق وأسداس الحقائق ويغذي جينات النزعة الصوفية المتأصلة في أفئدة السودانيين"؟

إن وجوب رصد التاريخ بأمانة أمر لا يعيي ذا لب. لكنه بكل أسف أعيا الدكتور خالد المبارك. والحق أني لم استغرب ذلك، لأن الدكتور في مقاله لم يغفل حقائق التاريخ فحسب وإنما طمرها تحت الأباطيل التي سال بها مداده دون عناء ولا حذر، وكأنه لا يسأل عما يفعل. وذلك ما بينته في المقال الذي أرسلته إلى صحيفة الرأي العام، وما سأورده في الجزء الثاني من هذا المقال. وبطبيعة الحال فإن من يطمر الحقائق على نحو ما فعل الدكتور خالد المبارك لا تنتظر له حساسية نحو انتقائية رصد التاريخ. بيد أني أؤمن بأن الدكتور خالد لم يفعل ذلك عن سوء نية، وإنما عن غفلة. وقد كان يليق به أن يأبى انتقائية التاريخ، وأن يرفع صوته بذلك. وهو لا يزال مرجواً أن يفعل ذلك.

انتقائية التاريخ عند القائمين على مركز عبد الكريم ميرغني ؟!


ويهمني هنا أن أتساءل عن قيمة الوثائق التاريخية التي أعدها الأستاذ محمود صالح عثمان صالح، راعي مركز عبد الكريم ميرغني. ما هي طبيعة هذه الوثائق؟ فقد أشار الدكتور خالد المبارك في مقاله إلى مجلداتها بعبارة (مجلدات "الوثائق البريطانية عن السودان"). فهل هي كل الوثائق البريطانية عن السودان؟ أم أنها وثائق منتقاة؟ وهل هناك إفادة واضحة للقراء بأنها وثائق منتقاة؟ أم أنها تركت لتوحي إلى الناس بأنها كل الوثائق البريطانية عن السودان؟ وإذا أسقطت هذه الوثائق نضال الأستاذ محمود محمد طه، فماذا أسقطت غير ذلك؟ وماذا ذكرت؟ هل على سبيل المثال أوردت واقعة إهداء السيد عبد الرحمن المهدي سيف أبيه لملك بريطانيا، وتعفف الأخير عن الاحتفاظ به؟ أم أنها أسقطت هذه الواقعة التاريخية ذات الدلالة المؤسفة؟ ولماذا؟

مسئولية المثقفين القائمين على مركز عبد الكريم ميرغني :


لقد كشف مقال الدكتور خالد المبارك عن أن الأستاذ محمود صالح عثمان صالح، راعي مركز عبد الكريم ميرغني، ربما تورط في تزييف التاريخ السوداني باتباع النهج القديم الذي درج عليه جل المؤرخين السودانيين. هذا النهج المؤسف يجب أن يقابل من كل السودانيين بالرفض الحاسم، ورفع الصوت، والمساءلة الأدبية، إلى أن يجيء وقت المساءلة القانونية. لقد كان حرياً بالدكتور خالد المبارك أن يبدأ بذلك، وأن يكون عوناً للدكتور عبد المطلب زهران، أستاذ جامعة أم درمان الأهلية، الذي أثار هذا الأمر، بدلاً عن ممالأة راعي مركز عبد الكريم ميرغني. ذلك كان أولى للدكتور خالد المبارك، فليسرع إلى تدارك أمره، وليهنأ الدكتور عبد المطلب بمقامه الذي لم يجد فيه على الخير أعوانا.

إنني لم أطلع على هذه المجلدات، ولذلك لست في وضع أجزم فيه بأنها انتقائية ومضللة على نحو ما يشير مقال الدكتور خالد المبارك، بيد أني سأعمل على الوقوف على حقيقة هذه المجلدات ومعرفة ملابسات إعدادها. كما أني لا أعرف شيئاً عن الأستاذ محمود صالح عثمان صالح، وكل ما سمعته عنه أنه من أسرة المرحوم عثمان صالح، الكريمة، المعروفة، وأنه يمارس الأعمال التجارية، ولست على يقين من ذلك. ومهما يكن، فإن عدداً من المثقفين والأكاديميين السودانيين يرتبطون بمركز عبد الكريم ميرغني. وأعتقد أن عليهم واجب التأكد من طبيعة هذه المجلدات التي ربطت بهذا المركز. فسيكون صمتهم عاراً إن كانت هذه المجلدات تضلل الشعب عن حقيقة ما يراد بتاريخه من تزييف.

الثورة تبدأ من ذواتنا ومن قعور بيوتنا :


يظن أكثر السودانيين أن مشكلة بلادنا هي النظام السياسي القائم، وأننا لو أطحنا به ستنتهي المعاناة. والحق أن الشعب قد جرب الإطاحة بالأنظمة الفاسدة مراراً دون أن تنتهي المعاناة. وما ذاك إلا لأن الأنظمة السياسية ليست سبب الأزمة، وإنما هي نتيجة الأزمة. الأنظمة السياسية مهما كان حظها من السوء هي ثمرة الأزمة لا بذرتها. والأزمة إنما هي فينا كلنا، وفي حياتنا كلها، ومن مظاهرها تهاوننا مع العظائم التي نعدها صغائر. يجب أن لا نستهين بأي أمر. وفي هذا المقام أقول أننا يجب أن لا نستهين بتزييف التاريخ. فالذين يزيفون التاريخ هم أنفسهم الذين يسممون الحاضر، ويئدون المستقبل. ومشكلة بلادنا ليست فقط في العسكريين وضعاف العقول الذين يقفزون إلى السلطة بحد السلاح، وإنما هي فوق ذلك وقبل ذلك في الذين يتقحمون مجالات التاريخ والفكر والسياسة بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير. إن الثورة يجب أن لا تختزل في الإطاحة بالأنظمة السياسية الفاسدة. فهي إن اختزلت في ذلك، ظل حظنا هو العجز عن بناء نظام سياسي صالح. إن ثورتنا هذه المرة يجب أن تكون جذرية وعميقة وشاملة. وهي يجب أن تبدأ داخل كل منا، على غفلتنا وتراخينا وتهاوننا. يجب أن نغير أنفسنا، فبيوتنا، ومدارسنا، وشوارعنا، وأنديتنا، ومراكزنا. بذلك، وبذلك وحده، نضع الفأس على أصل الشجرة. وبذلك لن يملك النظام السياسي الفاسد إلا أن يسقط، لأنه إنما يقف على دعامة الفساد المستشري في حياتنا.

لقد رفع مقال الدكتور خالد المبارك قضية تزييف التاريخ السوداني إلى السطح من جديد. وإني لآمل أن نستيقظ هذه المرة من سباتنا، فنواجه الأمر بما يستحق من الحزم والصرامة. فإذا استيقظنا، كان ذلك ثمن المغفرة للدكتور خالد المبارك عن الإسفاف الذي تورط فيه. أما إذا لم نستيقظ، فما الدكتور إلا من غزية غوت.
(يتبع الجزء الثاني والثالث)

طه إسماعيل أبو قرجة
25 ديسمبر 2002