لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول


كتابات حول فكر ومواقف الحركة الجمهورية

مقال د. خالد المبارك يكشف عن حقائق مؤسفة (٢ من ٣)
ألم يأن للسودانيين أن ينشئوا حركة سياسية حية ؟؟
فالحركة السياسية الحالية ولدت في الأربعينيات ميتة

طه إسماعيل أبو قرجة

٢٨ ديسمبر ٢٠٠٢

في هذا الجزء من المقال أتعرض إلى بعض النقاط التي أثارها الدكتور خالد المبارك في مقاله. ومثلما اهتممت في الجزء الأول بلفت الأنظار إلى تزييف التاريخ السوداني، يهمني هنا أن أنبه إلى أمرين هامين كشف عنهما مقال الدكتور خالد المبارك. أولهما ذهول المتعلمين السودانيين عن واجبهم في توعية الشعب. وثانيهما عجز السودانيين حتى اليوم عن إدراك حقيقة بسيطة وظاهرة هي موت الحركة السياسية السودانية.

محنة الشعب السوداني في أبنائه المتعلمين :


إن مقال الدكتور خالد المبارك يكشف عن جانب من محنة الشعب السوداني في أبنائه الذين اقتطع من شظف عيشه ليعلمهم، ليعملوا على رفعه من وهدته. وتلك محنة كبرى، ولا ريب. وهي أس داء هذا البلد المنكوب. والجانب الأسوأ من هذه المحنة يمثله المتدثرون بالدين، في حين يمثل المتدثرون بالحداثة الجانب الآخر. فمثلما عاد الدكتور الترابي من السوربورن بلقب الدكتوراه في القانون الدستوري ليسلب الشعب أبسط الحقوق الأساسية وليرتد بالبلاد إلى حقب الإجماع السكوتي وثقافة عصر الشافعي، ومثلما عاد السيد الصادق المهدي من أكسفورد ليتبوأ قيادة أكبر حزب طائفي بالبلاد، كذلك عاد خالد المبارك بالدكتوراه التي لا يبدو لها أي أثر في مقاله هذا العجيب، ليشيع الغيبوبة بين الناس، مثلما يفعل أضراب له، اتخذوا من الحداثة عباءة جديدة بعد أن أبلى أولئك عباءة الدين، يحشرون لفظها حشراً في مقالاتهم، فيما بدا جلياً أنهم يجهلون محتواها كل الجهل. أسمعوه ماذا قال:-
(.. لكن الأستاذ محمود محمد طه ارتكب أيضاً عدة أخطاء تقديرية جسيمة. حدثت انتفاضة رفاعة-التي أشاد بها المتحدث- احتجاجاً على قرار الإدارة الاستعمارية بمنع الخفاض الفرعوني. قيل للعامة: "يريد الإنجليز أن يتدخلوا في كل شيء حتى "...." بناتكم! وفعلاً ثار الناس حماية للشرف الرفيع وكان على رأسهم الأستاذ محمود. كان موقفه ذلك متخلفاً ورجعياً في مواجهة قرار "تحديثي" جريء وسليم. انتفاضة رفاعة المزعومة ليست من مآثرنا في النضال ضد الاستعمار بل هي من مخازينا. ويقع وزرها على كاهل الأستاذ محمود محمد طه. قيل لنا أنها مثل إضرابات الطعام في المدارس وإضرابات زيادة الأجور العمالية، مجرد ظواهر اجتماعية لمضمون سياسي هو رفض الاستعمار. وهذا دفاع واه لأن الأستاذ محمود لم يراجع مواقفه علناً أو يذكر مبرراته بعد نيل الاستقلال..).

د. خالد المبارك لا يعلم الحقائق الأولية :


دعونا من تقويم الدكتور خالد المبارك لثورة رفاعة حتى نمتحن إلمامه بالحقائق الأولية. فهو إن كان له حظ من الإلمام بالحقائق الأولية، كانت فيه مظنة قدرة على تقويم تلك الثورة. أما إن كان منذور الحظ من المعرفة بالحقائق الأولية، فقد انقطع الظن فيه.
هل صحيح أن الأستاذ محمود لم يقل شيئاً عن الخفاض وعن ثورة رفاعة بعد الاستقلال؟ لقد اصدر الإخوان الجمهوريون كتاباً باسم "الخفاض الفرعوني" في عام 1981، تعرضوا فيه لعادة الخفاض ولملابسات ثورة رفاعة وهدفها. كما أن بموقع الفكرة الجمهورية بشبكة الإنترنت أكثر من كتاب يتعرض لثورة رفاعة، منها كتاب (معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية خلال ثلاثين عاماً 1945-1975). ثم أن معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية كان في سعيه خلال عام 1975 لتوثيق تاريخ الحركة الوطنية قد أجرى مقابلة مع الأستاذ محمود ورد فيها حديث مفصل عن ثورة رفاعة. والتسجيل الصوتي لهذه المقابلة موجود بموقع الفكرة بشبكة الإنترنت. ومن الأفضل للدكتور خالد المبارك أن يرجع، ليقرأ، ويسمع، قبل أن يكتب. ثم إن عليه أن يبحث في الأسباب التي ساقته إلى هذا التقرير الخاطئ، ولينظر ماذا يمكنه أن يفعل لتدارك أمره. ذلك أمر متروك له.

الدكتور خالد يرمي الأستاذ بعدم عفة اللسان !!


هذا يسوقني لإبراز أمر آخر شديد الدلالة على أن الدكتور خالد المبارك قد كتب بمجافاة تامة للنهج العلمي. فقد جاء في مقاله العجيب:- (قيل للعامة: [يريد الإنجليز أن يتدخلوا في كل شيء حتى "…" بناتكم]). إن عبارة الدكتور هذه لا تعطي غير فهم واحد، هو أن الأستاذ محمود محمد طه هو الذي قال ذلك. وتلك حالقة للدكتور. فهو يوحي إلى الناس بأن الأستاذ محمود قال عبارة يعف قلمه هو عن إيرادها. هل رأيتم هذا الإدعاء؟!
من أين للدكتور خالد المبارك بهذه العبارة؟ إن نص الخطبة التي ألقاها الأستاذ محمود في مسجد رفاعة، والتي تحرك الناس بعد سماعها إلى السجن، موجود، وقد تم نشره. كما أن ما كتبه الحزب الجمهوري في معارضة قانون الخفاض مرصود، وبعضه منشور بالإنترنت. فهل يظن الدكتور خالد المبارك أنه يحترم القراء حين يشيع عليهم لغواً مثل هذا عن رجل مواقفه موثقة بالكلمة المقروءة والمسموعة؟ بل هل يظن أنه يحترم قلمه ونفسه حين يجترح ذلك؟ إن الأستاذ محمود محمد طه إن كان يتفوه بمثل هذه العبارات الساقطة لما ثار للعفة والعرض، ولما نهضت مدينته التي تعرف خلقه بأسرها من ورائه. إن ما قاله الدكتور خالد لا يعلق بالأستاذ محمود. ولقد يكفي أن أقول أن الأستاذ محمود محمد طه قد كتب في عام 1951 موضحاً أن الحزب الجمهوري عارض الطريقة التي شرع بها الإنجليز في محاربة عادة الخفاض لأنها "طريقة تعرض حياء المرأة السودانية للابتذال، وعلى الحياء تقوم الأخلاق كلها، والأخلاق هي الدين".
إن الدكتور خالد المبارك لا يعرف عن من يكتب، ولا عن ماذا يكتب، ولا لمن يكتب. بل ظهر أنه يكتب في أخطر الأمور بناء على السماع ممن ليس بذي شأن. أعتقد أن عليه أن يراجع أمره، لأنه بهذا لا يفعل أكثر من تسويد الصفحات بغثاثة منكرة، ومن الإساءة إلى الدرجة العلمية التي يحملها، بل وربما إلى المؤسسة العلمية التي منحته هذه الدرجة.

غثاثة لا تليق :


لقد شط الدكتور خالد المبارك عن النهج العلمي ولجَّ في الغثاثة. أسمعوه يقول:- (ولعل دعوة الأستاذ محمود للاعتراف بإسرائيل هي السبب المباشر في الرعاية الحميمة التي ينالها أتباعه في الغرب، حيثما حلوا). هل رأيتم هذه الغثاثة؟ هل لدى الدكتور خالد المبارك إحصائيات عن أعداد الجمهوريين في الغرب أو مقارنة لأعدادهم بأعداد الفرق السياسية الأخرى؟ أم انه يكتب بالطريقة التي يتحدث بها بعضنا في المقاهي؟ ثم ما هي الرعاية الحميمة التي ينالها الجمهوريون في الغرب؟ هل هي حق اللجوء السياسي أم أكثر؟ وإن كانت أكثر من ذلك، فما هي؟
إن منح الجمهوريين حق اللجوء السياسي قائم على أساس أنهم أهل فكر في بلد ليس للفكر فيه كرامة، بل يتضافر فيه حتى أصحاب الدرجات العلمية الرفيعة على سلبهم مجرد حق اشتمال مصادر التاريخ على الوقائع المتصلة بهم، كما فعل الدكتور خالد المبارك في مقاله هذا العجيب، عن قصد أو عن غفلة. ألا يرى الدكتور أن الجمهوريين بإزاء هذا كله يستحقون منحهم حق اللجوء، بل وأكثر من حق اللجوء؟
إن ما قاله الدكتور خالد المبارك في هذا الشأن لا يجوز على السودانيين في المهاجر المختلفة لأنهم يعرفون كيف يعيش الجمهوريون، ويعرفون إن كانوا يلقون رعاية خاصة. ولكن هذا الكلام قد يجوز على بعض قراء الرأي العام في الداخل. فهل قصد الدكتور خالد المبارك أنه يسخر قلمه للتضليل والكتابة غير المسئولة التي تتسقط رضاء الهالكين؟ أم انه تورط في ذلك غافلاً؟
بيد أني يجب أن أقول للدكتور أنه بهذا القول قد أظهر تخلفه عن جهلاء المعارضة السلفية بنحو أربعين سنة. فقد كانوا يشيعون أن الجمهوريين يتلقون أموالاً من إسرائيل لتمويل نشاطهم، حتى إذا ما هرعوا إلى البنوك وسجلات الأراضي في يناير 1985 لمصادرة أموال الأستاذ محمود محمد طه لم يجدوا حتى حساباً مصرفياً واحداً، ولا عقاراً سوى منزل الحكر المبني بالجالوص في تلك الحارة الشعبية. وهاأنت يا دكتور تحاول تسويق تلك التهم الساذجة القديمة تحت مزاعم جديدة، هي الرعاية التي يجدها الجمهوريون في الغرب. وأنت رجل تحمل درجة الدكتوراه، وتصور نفسك كرجل عليم بالغرب، وتلصق "مفكراتك" ببريطانيا دون ما سبب واضح، وتكتب زاعماً محاربة أنصاف الحقائق، فما بقي غير أن يصدق الناس ترهاتك هذه؟ إنني أقول لك ذلك لأن المرء قد ينزلق بالغفلة فينحط في طرفة عين عن مستوى أجهل الجاهلين. ألم يقل النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يرى بها بأساً فيهوي بها في النار سبعين خريفاً)؟ بلى قد قال، وعلينا أن ننتبه.

لا يقرأ أم لا يفهم ؟!


لقد أبى خالد المبارك إلا أن يفيدنا بأنه لم يقرأ شيئاً للأستاذ محمود محمد طه، أو أنه لم يفهم. أسمعه يتحدث عن الأستاذ: (أصاب حينما لم يوصد باب الاجتهاد)!! فهل كانت قضية الأستاذ هي الاجتهاد وفتح أو وصد بابه؟ وماذا كان رأي الأستاذ في الاجتهاد كسبيل لحل مشاكل عصرنا؟ إن الدكتور خالد المبارك لا يعرف شيئاً من هذا، ولكنه يحب أن يوحي إلى القارئ أنه يعرف، تماماً مثلما هو يحب أن يوحي إلى القارئ بأنه يعرف مضامين الحداثة، فحشر المفردة حشراً في مقاله. الظاهر عندي أن الدكتور خالد المبارك يحسن الظن بنفسه إلى الحد الذي يزدري به الناس ويرى أنه يمكنه نقد مواقفهم التاريخية والفكرية دون أن يكلف نفسه مشقة الوقوف عليها.

حركتنا السياسية ولدت ميتة :


قال الدكتور خالد المبارك:- (وقد أخطأ الأستاذ محمود أيضاً كقائد سياسي حينما جعل الحزب الجمهوري "حزب فرد" تلف حوله كل اللوالب الإدارية والفكرية، فلما قتل مات معه الحزب). هذا لعمري حديث العوام. ولذا لن أخوض في طبيعة علاقة الأستاذ بالحزب الجمهوري، ولا بما أسماه الدكتور باللوالب الفكرية والإدارية. لن أخوض في هذا معه، وإنما أسأله عن مظاهر حياة الأحزاب الأخرى إن كان يحسب أن الحزب الجمهوري قد مات وأنها حية. وقبل أن يجيبني إجابة سطحية، أرده إلى رأي الحزب الجمهوري الوارد في "السفر الأول" الصادر في أكتوبر 1945 بأن الحركة السياسية السودانية ولدت ميتة.
إن الأمر المؤسف هو أن السودانيين في جملتهم لا يزالون يجتمعون حول حركتهم السياسية على نحو مما ظلوا يفعلون منذ قيام الحركة السياسية الحديثة في مستهل الأربعينات، وينتظرون منها خيراً. بل إن ما يدعو لمزيد من الأسى هو أن السودانيين المتعلمين، في مهاجرهم المختلفة، يظنون أن ليس عليهم من واجب سوى دعم هذه الحركة ممثلة فيما يسمى بالتجمع الوطني الديموقراطي وتكوين فروع له تكون بمثابة مكاتب خلفية.
لقد كان للحزب الجمهوري شرف التنبيه منذ عام 1945 إلى حقيقة أن الحركة السياسية ولدت ميتة. بيد أن الشعب السوداني ظل يتعهد هذه الجثة طيلة العقود السوالف دون أن يدرك حقيقة ما يتعهد، حتى هذا اليوم وقد زحم عفنها الأفق. ورغم أن هذه الحقيقة ظلت تتكشف يوماً بعد يوم وتتزايد أعداد مدركيها، إلا أن الوقت قد أنى ليدرك الشعب في جملته هذه الحقيقة الضرورية. فهو إن لم يدركها سيظل يدور في هذه الحلقة المفرغة. لقد أنى لشعبنا أن يدرك هذه الحقيقة، فيقبر هذه الجثة المنتنة، وينشئ بدلاً عنها حركة سياسية جديدة، حية، مقتدرة، كريمة.
إن المتعلمين على وجه الخصوص مرجوون لأن ينهضوا لهذا الدور. ولقد كان الدكتور خالد المبارك جديراً بالانتباه إلى موت الحركة السياسية، ولكنه لم يحب أن يفكر تفكيراً جديداً، وإنما أحب أن يسير في الطريق المطروق. فهو قد انتبه إلى أن رأي الأستاذ في مشكلة الشرق الأوسط كان متقدماً على نحو أسطوري، ولكنه لم ينتبه إلى أن رأيه في الحركة السياسية السودانية كان كذلك. والدكتور خالد المبارك مرجو لأن يتدبر ذلك، وأن يبزم على الإسهام في ميلاد حركة سياسية جديدة تعوضنا عن هذه الجثة.
ثم إني أعود وأقول للدكتور خالد المبارك أن الجمهوريين يعرفون بعض قصورهم، وما يفصل بينهم وبين الشعب، وهم من أجل ذلك توقفوا عن الحركة، وهم يسعون لتلافي قصورهم. وهم ربما كانوا أعلم بعمق الأزمة، وأصدق مع أنفسهم، من الأحزاب الأخرى التي تصم آذان الشعب بجعجعة بلا طحن، وتصرف الشعب عن حقيقة مشكلته وعن حلها. هذا أمر قد تكشف عنه الأيام. لكن الذي يهم الدكتور خالد المبارك هو موقفه هو، ومسئوليته كمتلق عن الجمهوريين حين ينظمون أنفسهم ويكتبون أو يتكلمون. فهو لا يحق له أن يتطرق لحراك أو موات الجمهوريين بينما لم يكلف نفسه عناء قراءة ما كتبوا ولا سماع ما قالوا. إن مستوى المتلقين، لا علم المتكلم وحده، يحدد أيضاً مستوى الخطاب. ومستوى الخطاب قد يكون الصمت. والصمت، والتولي عن المدعوين إلى حين، معروف في تاريخ الأديان والدعوات، والكلام فيه يطول. ويكفي أن من الرسل من صمت ثلاثين عاماً قبل معاودة الكلام. فليكف الدكتور خالد المبارك عن رمي الأستاذ محمود بقبض اللوالب الفكرية والإدارية للحزب الجمهوري، وليعكف على قراءة ما كتب، وعلى سماع ما قال. ذلك أجدى له وللناس مما يشيعه باسم الحداثة. إن من لم يقرأ ما كتبه الجمهوريون ولم يسمع ما قالوا، لا يحق له الحديث عن حراكهم أو مواتهم. لأنه في حقيقة الأمر أولى له أن يظن الموات بنفسه لا بالناس.

ثرثرة لا معنى لها :


إن مقال الدكتور خالد برمته ثرثرة لا معنى لها. فهو قد حاول أن يصور لنا أنه يكتب ليوزن الإعجاب الواقع بالأستاذ حتى لا يغفل الناس عن أخطائه. أسمعوه ماذا قال:- (ولا ينبغي أن تحول الرغبة في ذكر محاسن الأموات ولا المناداة الموضوعية بحق الأستاذ محمود في الاجتهاد دون نقده. كما أن الاعتراض على مقتله وحرق كتبه بطريقة دعائية مرتجلة لا ينبغي أن يتخذ ذريعة للنظر إليه بعين الرضا وحدها. فقد كان آدمياً ابن أنثى وقائداً سياسياً أخطأ وأصاب).
هل رأيتم مساهمة الدكتور خالد المبارك في هذا الوقت الذي تحذِّر فيه الحكومة الصحف من نشر مقالات يرد فيها ذكر الأستاذ أو فكره بخير؟ وهل يا ترى يعلم الدكتور أن الحكومة قد منعت في يناير الماضي الاحتفال الذي ازمعته اللجنة القومية للاحتفال بالذكرى السنوية لاستشهاد الأستاذ؟ هل يعلم الدكتور ذلك أم أنه يجهل الحاضر كما يجهل الماضي فيبدو وكأنما يكتب من صندوق مغلق؟ وإن كان يعلم، فهل يرى أن كفة الإعجاب بالأستاذ والإطراء عليه راجحة بحيث يتوجب عليه كتابة مثل هذا المقال المخالف لكل أسس العلم والموضوعية؟ أم هل عساه يرى أن الزمان قد لا يجود بمن هو في مثل قدرته الذهنية ليرد الأمور إلى نصابها في الوقت المناسب فآل على نفسه أن يقوم بالواجب قبل أوانه؟

كلمات للدكتور :


لقد وزع الدكتور خالد المبارك تهم الولاء الطائفي يمنة ويسرة، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً. وهو قد فعل ذلك بتهكم غير خاف. وفي خضم ذلك حدثنا عن المثل الإنجليزي (ثمة سمك كثير في البحر)، وعن استشهاد السير دوقلاس هيوم به وهو يجيب على سؤال السائلين عمن عساه سيخلفه في وزارة الخارجية البريطانية. ويهمني هنا أن أهمس في أذن الدكتور خالد بكلمات.
أولها، أنه من ضمن سمك البحر، لا اعتراض لدينا في ذلك، لكن عليه أن يعرف مياهه.
وثانيها، أنه من الأجدى له أن يستغل تواجده ببريطانيا لينقب في مصادر التاريخ السوداني هنالك قبل أن يكتب بشأنه. والقارئ السوداني يهمه هذا التاريخ بأكثر مما تهمه كلمات دوقلاس هيوم ومعارك حزب العمل مع اللوردات.
وثالثها، أني لا أرى معنى لاستعراض معايشة الدكتور أحداث السياسة الإنجليزية الداخلية، ولا لتصدير مقاله بعبارة (مفكرة سودانية-بريطانية)، أم يا ترى أن صحيفة الرأي العام هي التي اختارت ذلك؟
ورابعها، أنه كان يمكن لمقاله أن يكون عميقاً ومفيداً. فما أسماه بالنزعة الصوفية المتأصلة في جينات السودانيين هي أس الرجاء فيهم وفي وحدة ترابهم. وهي هي التي تجمع بينهم في حقيقة الأمر، وليس الحدود السياسية الطارئة. وهو قد لاحظ أن هذه النزعة متأصلة في الجنوب والشمال. وأقول له أنه ليس هناك ما يمنع أن يكون رجل قبيلة النوير الذي أشار إليه "عارفاً" وليس مجرد "عراف". إن ما يعاب ليس النزعة الصوفية، وإنما الميول الطائفية. والطائفية هي اتباع رجل بدل اتباع فكر. هي إلغاء العقل. وليس هناك من جماعة ناهضت الطائفية أكثر من الجمهوريين، ولذلك فإن ما يمكن أن يقال عن الطائفية لا يقال لهم.
وخامسها، إن الدكتور يحتاج ضبط عبارته. فعلى سبيل المثال، لا معنى لقوله بأن أهل بلاد السودان دخلوا الإسلام "قبل وأثناء وبعد المرحلة المسيحية"!! فالناس يعلمون أن السودانيين دخلوا الإسلام أثناء وبعد المرحلة المسيحية، كما يعلمون بأن المرحلة المسيحية قد بدأت في منتصف القرن السادس الميلادي- أي قبل ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم بمكة. ومن أجل ذلك لم استطع أن أفهم كيف دخل أهل السودان الإسلام قبل المرحلة المسيحية!! أم أنه جريان القلم بغير فكر؟ إن ضبط العبارة من ضبط الفكر. أعانني الله وإياك على ضبط الفكر والعبارة.
ثم إن الدكتور خالد المبارك غير متهم عندي بمعاداة الفكر الجمهوري. بل أني أقبل ما ذكره من مواقف في مواجهة المؤامرة التي استهدفت الفكر الجمهوري وحياة الأستاذ محمود محمد طه. كما أني أحمد له نشاطه الجم في الكتابة، وأشعر أن الخطأ الذي ارتكبه في مقاله هو خطأ من يعمل ويكتب، وهو حتى إن كان خطأ جسيماً فأفضل من الصمت الذي يلف مجاميع المتعلمين السودانيين. لقد حاولت جاهداً أن لا أتحامل عليه وآمل أن لا تكون الشدة التي تظهر في بعض جوانب هذا المقال قد فاقت الجرعة اللازمة.
هذا وسيتوفر الجزء الثالث على إلقاء بعض الضوء على ثورة رفاعة.

طه إسماعيل أبو قرجة
28 ديسمبر 2002