وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
في جلسة يوم الاثنين 11/2/1946م، رأى الحزب الجمهوري أن يكتب للسكرتير الإداري استجوابا عن مشروع الزاندي، قبل إصدار سفر الزاندي.. وكلف الأستاذ محمود بتحضير الاستجواب، وفي جلسة 14 فبراير من نفس العام تلا الأستاذ محمود صيغة الاستجواب، وطلب من أمين محمد صديق إرساله إلى السكرتير الإداري.. ولما لم يتلق الحزب ردا على استجوابه، أذاعه على الرأي العام السوداني في المنشور أدناه:
سعادة السكرتير الإداري
بعد التحية
الحزب الجمهوري الذي يسعى إلى تحقيق وحدة السودان، أولا وقبل كل شيء، يقف الآن أمام مسألة الجنوب.. ومسألة الجنوب هذه، هي مصدر قلق لا ينقضي لهذا الحزب، كلما فكر في وحدة السودان.. وذلك لأن السياسة الإنجليزية في الجنوب، تلك التي قضت بقفله أمام سكان الشمال، لا يمكن أن تكون سليمة دواعي الصدر.. ومهما يكن من أمرها، فإنا لا نطيق عليها صبرا، وليس هذا ما كتبنا لنقوله وإنما كتبنا لنستبين بعض المسائل، وبواعث النشاط الذي تبديه هذه السياسة منذ العام، فيما أسمته مشروع الزاندي.. هذا المشروع الذي سيكلف الخزينة العامة بضع ملايين، هو فيما نزعم، اتجاه جديد لنفس السياسة القديمة.. اتجاه يتخذ قناعا غير قناع الدين، ولكنه سيفضي إلى جعل الجنوب مزرعة بريطانية ومهجرا بريطانيا على غرار كينيا ويوغندا..
نحن نريد أن نعرف: أين نقف نحن من الجنوب؟
ولما كان من غير الميسور أن نعرف اليقين بمجهودنا الشخصي، نظرا للتكتم الرصين الذي يحيط بمسائل الجنوب، كبيرها وصغيرها، فقد آثرنا أن نسأل الجهة الرسمية المسئولة..
نحن نريد أن نعرف:
1/ البواعث وراء مشروع الزاندي؟
2/ كم مليونا من الجنيهات سيكلف؟ وفي كم سنة نفرغ منه؟
3/ ما هي منشآته؟
4/ إلى متى تستمر الحكومة مقفلة الجنوب في وجه الشمال؟
5/ ما هو السر في قفل أماكن كتم والرصيرص؟
هذا ما كتبنا نستوضحه..
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام..
أمين محمد صديق
سكرتير الحزب الجمهوري
19/2/1946م