وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
نحن موقنون بأن المدنية الغربية فاشلة، وبأن الإسلام هو طريق النجاة للعالم أجمع، وبأن الإنجليز إذ يريدوننا على أساليبهم في نهضتنا ما يزيدوننا غير تخسير، وأنه لمن الخطر الموبق أن نذعن لقيادة هؤلاء، وعندنا كتاب الله وسنة رسول الله..
ونحن لا نريد فترة الانتقال، التي يراها سوانا من مواطنينا معقولة ومقبولة، لأنا مؤمنون بأننا نستحق الاستقلال اليوم، ولأننا نعرف أن هذه الفترة إن هي إلا فرصة للمستعمر لتخسيس الروح العارم، وتزييف الخلق الأصيل، وتدليل الطبع الشموس، تلك التي لا يكون السودانيين بدونها رجالا أحرارا.. ولأنا نعلم أن هذا الانتقال إن هو إلا انتقال من أهل إلى غربة، ومن دين إلى وثنية، ومن هدى إلى ضلال..
ونحن لا نريد الحكم الذاتي لأنه في حسابنا، إن هو إلا الحكومة، التي يكون لك فيها كل شيء، وليس لك فيها أي شيء، وما نظن أحدا أوتي القدرة على حسن الفهم تجوز عليه ألاعيب الاستعمار فيستغني بالألفاظ عن المعاني..
ما كان لنا أن نتصدى إذن، لمناقشة هذا الخطاب وهو ردٌّ، ومرفوض لدينا شكلا وموضوعا، لولا ما نرى من اهتمام بعض الناس به، وخشينا أن يفلح فيما قصد به إليه من صرف بعض الجهود عن مواصلة الكفاح لنيل الاستقلال الأصيل..
مستقبل السودان:
قال معالي الحاكم العام للمجلس الاستشاري لشمال السودان: "أؤكد لكم مرة ثانية إن مسألة مستقبلكم سوف لا يبت فيها قبل أن يؤخذ رأيكم".. وفي موضع آخر من الخطاب يقول معاليه: "طلب بعضكم أن يعطوا فرصة منذ الآن لمناقشة مستقبل السودان بصفة رسمية، فنظرت أنا ومستشاري في الطلب بكل عناية، وقررت أن الوقت لم يحن بعد لمثل هذه المناقشة الرسمية"!!
فالحاكم العام ومستشاروه إذن، هم الذين يملكون تقرير الوقت الصالح لمطالبة المطالبين بحرية بلادهم، وهم بالطبع سيقررونه حين يستوثقون من تنشئة جيل سوداني إنجليزي لا يرى غضاضة في أن يضع تقرير مصير البلاد في حقيبة إنجليزية لا تفض محتوياتها إلا في لندن، بلد الحريات!!
ولكن هذا ليس بشيء، أليس معالي الحاكم العام قد وعد أعضاء المجلس الاستشاري الموقرين "إن مسألة مستقبلكم سوف لا يبت فيها قبل أن يؤخذ رأيكم"!؟
الحكم الذاتي:
غريب أمر الاستعمار، فإن شر ما فيه، وكله شر، أن يعمي العيون عن بينات التاريخ وعبر الماضي، وإلا، فمتى كان ما يسمونه الحكم الذاتي إرهاصا للاستقلال، وأي بلاد الله تركها الإنجليز ثم لم تكن عوّالة عليهم، إلى حد يجعل استقلالها شبحا من الأشباح!؟
ونحن بلد عربي مسلم ونريد استقلالنا على أن يحفظ علينا خصائصنا ومميزاتنا، فهل يستطيع الاستعمار بأسلوب الحكم الذاتي وفترة الانتقال أن يحقق لنا هذا؟؟
فإن زعم له أنصاره أنه سيفعل، فإنا نريد أن نعرف، هل هو مستعد، منذ اليوم، إلى جعل اللغة العربية محل الصدارة من أعمال دواوينه؟؟
وهل سيعترف بالكفاءات التي لا تعرف غير لغة الرسول أم هل سيقف اعترافه على تلك التي تجيد لغة جون بول؟؟
وهل سيجعل مجال الترقي الإخلاص لمصلحة البلاد، أم سيجعله وقفا على الذين يقبلون الأيدي التي تحيك لحريات البلاد الشباك!؟ وهل عندما ينفض المستعمرون أيديهم منا في المستقبل القريب أو البعيد، إن صح أنهم سيفعلون، سنكون يومئذ من أصائل العرب أم من مشايخ الإنجليز؟ وهل سنسمى غربيين أم شرقيين وهل سنصير وثنيين أم مسلمين؟؟
الجواب واضح وضوح الصبح لذي عينين، ولن يضير الحق أن تعمى عنه الأبصار ولا البصائر..
وهناك مسألة حيوية أهملها معالي الحاكم العام وهو يتحدث إلى المجلس الاستشاري لشمال السودان، فلم يذكرها بخير أو شر، وتلك هي مسألة الجنوب.. الجنوب.. الجنوب!!
هبة المليون جنيه:
قال صاحب المعالي: "إن اهتمام الحكومة البريطانية بالسودان قد اتخذ شكل هبة مليوني جنيه" ولو شاء معاليه لعلم أن للسودان فضلا على بريطانيا في هذه الحرب لعل من الخير للطرفين، أن تعترف به بريطانيا، وتقدره، ولو قد فعلت لعلمت أن أي مبلغ من المال لا يساوي شيئا من تلك الدماء السودانية الزكية، التي روت صحراء الشمال، وخضبت جبال الشرق، وسالت في مجاهيل الحبشة.. كل أولئك في حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، ثم أين المحاصيل السودانية التي كانت تشترى بأبخس الأثمان محليا لتصدّر لحساب بريطانيا طوال سني الحرب، مما جعل ميزانيات بلاد الله تتضاعف، وميزانية السودان ثابتة جامدة..
أما لو كان الأمر لنا اليوم، لرددنا لبريطانيا هذه الهبة التي تتيه بها وتستطيل، ولقلنا لها "لا والله ولا كرامة" ونحن الجمهوريين على كل حال، لا نعترف بهذه الهبة في أي وقت..
التقدم الاقتصادي:
قال صاحب المعالي: "وستسمعون في تقرير السكرتير الإداري عن الخطوات الكثيرة التي اتخذت نحو تقدم البلاد الاقتصادي، وإني أخص بالذكر مشروع اللية للزراعة الآلية، ومشروع ري أبو حبل، وسيكون لكل من المشروعين فائدة كبرى في زيادة الإنتاج للحبوب"..
كذلك يقول معاليه: "وليس في ذينك المشروعين محصول نقدي وإنما هما إجراء لتوفير الخبز الغفار"..
فهل حسب الناس من تقدم البلاد الاقتصادي في ظل الاستعمار ألا يموتوا جوعا؟ وكذلك مشروع الخمس سنوات الذي نشرت عنه قبل حين، فهو مثل مضحك من ألاعيب الاستعمار بتسمية الأشياء بغير أسمائها..
قلنا إنا موقنون بأن المدنية الغربية فاشلة، وبأن طريق النجاة للعالم أجمع هو الإسلام، فسواء كانت طوية المستعمر سليمة أم مدخولة فهو لن يستطيع أن يهدينا سبيلا إلا سبيل الضلال، وليس أمامنا إذن، إلا العمل على إنعاش ديننا وتنقيته من الأكدار التي رانت على معينه ولن يكون شيء من هذا مكفول إلا بالتحرير من النير الدخيل تحريرا أصيلا..
وأما الحكم الذاتي وفترة الانتقال وسودنة الإدارة، فإنما هي أحاييل ما ينبغي أن ينخدع لها رجل يعرف لعقله كرامة..
نحن لا نريد غير الاستقلال التام الناجز، ولا نرضى إلا أن نكون أحرارا لنا خير بلادنا وعلينا شرها..
هذا هو ما تريده البلاد فإن وجدت الحكومة منا من يوافقها على السودنة وفترة الانتقال والحكم الذاتي ويتعاون معها، فلا تغتبط فإن هؤلاء مأفونو الرأي، مشئومو الطلعة، متهمو النصيحة، مزورون في الكلام..
الحزب الجمهوري