وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
أثار هذا النداء الأستاذ حسين رشيد نور، المفتش بوزارة المعارف المصرية والمنتدب مديرا لملجأ القرش.. فنشرت له جريدة الرأي العام تعقيبا مطولا على صفحاتها، مع إنها كانت مقاطعة لآرائنا، ولما بعثنا لها بالرد على التعقيب الذي نشرته رفض السيد إسماعيل العتباني نشره!! فتم نشره بجريدة النيل:
إلى الأستاذ حسن رشيد نور
المفتش بوزارة المعارف
والمنتدب مديرا لمعهد القرش
دبلوم هندسة النسيج من ألمانيا!!
اطلعت على تعقيبكم على نداء الحزب الجمهوري الموجه إلى إخواننا المصريين، ويسرني جدا، ويسر الحزب الجمهوري كذلك، أن نناقش الآراء في هدوء، وفي غير تشويش على صفحات الجرائد مناقشة تعتمد على الحجة والمنطق، حتى يذهب الزبد جفاء ويبقى ما ينفع الناس..
1/ قلتم " لقد انتهى زمن الانفراد الدولي، ولم يعد في الكرة الأرضية غير كتل دولية لا يمكن أن تضع الحرب أوزارها بين أفرادها".. ولعلك قد تحاشيت عن عمد التعرض إلى نوع ذلك التكتل كيلا تصطدم بالحقيقة الواقعة، وهي أن الدول التي تكتلت لم يكن تكتلها على الطريقة التي تطلبها مصر، وبين أيدينا دول الجامعة العربية التي يعارض أغلبها التكتل على الطريقة المصرية، مع إخوانهم في الدين واللغة والجنس والجوار.. فلبنان تعارض التكتل مع سوريا، واليمن ترفض التكتل على الطريقة إياها مع الحجاز.. وتقف مصر والحجاز وسوريا ولبنان في وجه الدولة الهاشمية كيلا يتحقق مشروع سوريا الكبرى ليلم شعث إخوان الدين واللغة والجنس والجوار!!
قل لنا يا أستاذ، لماذا ترفض كل الدول العربية، بما فيها مصر، التكتل على طريقتكم المصرية ونقبله نحن!؟
ألأنكم كلكم لا ترعون حرمة الدين واللغة والجوار والجنس؟ أم لأنكم لا تنخدعون بدموع التماسيح وتريدوننا أن ننخدع بها؟
2/ قلتم " هناك قوتان كبيرتان تتنازعان العالم، أما باقي الدول فهي دول ثانوية تحاول كل من القوتين الكبيرتين تسخيرها والتهامها واستعبادها "..
لعلك قد قصدت من هذا روسيا التي تقود الكتلة الشيوعية، وإنجلترا وأمريكا اللتان تقودان الكتلة المسماة بالديمقراطية.. ولعلك تريد أن تقول إن مصر ترمي من قيام دولة وادي النيل إلى قيام تكتل ثالث يصد عدوان أيٍ من الكتلتين الكبيرتين، أو إلى إيجاد اتحاد يربط بعجلة واحدة من الكتلتين الكبيرتين ويساند إحداهما على الأخرى..
فإن كنت ترمي إلى الأولى، فالواقع يكذب ما ذهبت إليه، لأن دول أوروبا الوسطى جميعها لم تستطع الوقوف مجتمعة، أمام الجيش الألماني.. " ولولا فساد رأي هتلر في خرق اتفاقيته مع الروس " كما قلتم، " لأصبح العالم كله تحت رحمة دولة الرايخ "..
كيف إذن، يتم وقوف دولة وادي النيل أمام جيش أيٍ من الكتلتين الكبيرتين!؟ ألأن عجلة التقدم في كلا الكتلتين سوف تقف حتى يتم استعداد كتلة وادي النيل، وتفوقها عليها أم ماذا !؟
وأما إن كنت تقصد أن مصر ترمي من قيام دولة وادي النيل إلى قيام دولة ثانوية، ترتبط بعجلة أيٍ من الكتلتين، فنقول لك إن اندماج السودان في مصر ليس بضروري في مثل هذه الحالة، لأن كلا من مصر والسودان يمكنهما أن يرتبطا على انفراد بعجلة أيٍ من الكتلتين الكبيرتين أسوة بباقي الدول الثانوية الأخرى..
3/ قلتم " إن القنبلة الذرية جعلت كل حلم في استقلال كامل لا أمل فيه " فكيف إذن، يستطيع جيش وادي النيل الناهض أن يحمينا أو يحمي وطنه!؟
4/ تعرضتم إلى " فطنة كبار الساسة من قديم الزمان إلى مزية التكتل، واستشهدتم بتكتل ألمانيا مع النمسا وإنجلترا مع إسكتلندا الذي تم بالقوة، والولايات الأمريكية والولايات الإيطالية...الخ "
ولو أنصفتم لأوضحتم أن مطامع أولئك الساسة الكبار الاستعمارية هي التي دفعت بهم لأن يقوضوا استقلال تلك الدول التي أرغموها على الاندماج في دولهم، وهي التي تدفع بكم اليوم، شعبا وحكومة، على أن تذرفوا علينا دموع التماسيح..
وأما التكتل وحماية الظهر التي توافق عليها، حضرتكم، أولئك المستعمرين فلا تعدو أن تكون من نوع تلك المبررات الواهية التي يبرر بها ذئاب الشعوب أعمالهم الشيطانية..
وهل من المنطق أن تعتدي على حريتي أنت خوفا من أن يعتدي عليها غيرك!؟ وهل فات حضرتكم أن زمام تلك الدول المغلوبة على أمرها، ما زال بيد الدول التي أرغمتها على الاندماج فيها!؟
وهل فاتكم ما أصاب النمسا من جراء السياسة التي سيرتها عليها حاميتها ألمانيا؟ وهل فاتكم أن إسكتلندا ما زالت تتوجع وتحن إلى حريتها المسلوبة، وأن هناك حزبا قويا يطالب بالانفصال من انجلترا؟ وهل فاتكم كيف وقف التكتل على الطريقة المصرية، حجر عثرة في تقدم ايرلندة فجاهدت جهاد الأبطال حتى استعادت حريتها من أختها في اللغة والدين والجنس والجوار، فتفادت بذلك، ما يمكن أن يصيبها من أخطار!؟
هذه هي أهم النقاط التي تسند بها مطلب قومك، في وحدة وادي النيل، ولعلك الآن ترى مثلي أنها نقاط ليس لها سند من المنطق والواقع.. ولعله من الخير أن أوضح لك لماذا يرفض الحزب الجمهوري وحدة وادي النيل:
يعتقد الحزب الجمهوري أن المدنية الغربية قد بلغت نهاية المطاف، وآذنت شمسها بزوال.. ذلك بأن النظام الاقتصادي الذي هو دعامتها الأولى والأخيرة قد أعلن إفلاسه بلسان الحديد والنار في هذه الحروب الطواحن.. وأن هذه المدنية قد عجزت عن إسعاد الإنسان لأنها كفرت بالله وبالإنسان.. وأن السير على هداها ضلال ما بعده ضلال، ولا بد لدنيا الناس وأخراهم، من الإسلام، ولن تنجو الإنسانية بمفازتها إلا باتخاذ الإسلام دينا والقرآن دستورا..
هذا ما اقتنع به الحزب الجمهوري، وكل ما أتى به ويأتي به فهو متطور فيه إلى هذا الفهم وهذا الاقتناع.. يضاف إليه، إيمان أكيد بأن السودان أقرب البلاد العربية الإسلامية إلى الإنابة إلى الله ورسوله.. وهو حقيق بأن يتربى بتربية القرآن، وأن يتخلق بأخلاقه، وقد سلمت له حتى الآن أصالة عروبته وتوفرت لديه أسباب الخلق الرصين.. فالحزب الجمهوري إذن، يحارب الذين يدعون إلى الوحدة مع مصر للأسباب الآتية:
1/ لأن هذه الدعوة دعوة إلى العنصرية، أو الإقليمية وليست إلى الإسلام.. ولو لم تكن كذلك لكانت كل البلاد مسلمة ككل، تعمل على رد المعتدي عن بلادنا، وتدعو إلى حظيرة الدين أممنا كلٌ في رقعته..
2/ ولأن مصر قد بعد ما بينها وبين الخصائص العربية بقدر ما قرب بينها وبين الحضارة الأوربية، فهي بذلك حقيقة بأن تكون حربا على أخلاق شعبنا لا سلما له، وهي ستذهب خصائصنا هذه بما تعرض علينا من زيف هذه المدنية الخلوب..
3/ ولأن اتحاد الضعاف ضعف، لأنهم لن يتحدوا اتحادا يدفع ويجلب، وإنما هم يجتمعون اجتماع تدابر وشنآن يمكن العدو من الكيد لهم..
ولو انصرف كل بلد عربي ومسلم إلى تنظيم بيته حتى يفيء إلى تعاليم الدين لقويت نفسه قوة تدفع العدو وتستبقي الصديق.. ولكانت الوحدة يومئذ وحدة إسلامية تتجمع في الله وتتفرق عليه وتلك غاية الغايات..
4/ ولأن الحقيقة الواقعة إن مصر بما غلب عليها من تعاليم المدنية الغربية، تسعى إلى التوسع المادي شأنها شان أساتذتها من مستعمري الغرب، فهي لا تطلب السودان إلا لما يكفل لها من منادح التوسع والاستغلال..
5/ ولأن الشعب المصري ليست نكبته من الإنجليز فحسب، بل نكبته من حكامه من أبناء جلدته، ومن فسدت أعاليه لا تستقيم أسافله..
6/ ولأن العلاقات القديمة التي يتغنى بها الغافلون في مصر والسودان كانت علاقات غزو واستعمار..
7/ من مصلحة مصر والسودان والعالم الإسلامي أجمع، أن نواجه الحقائق بعيون تقوى على النور، وأن تبنى العلاقات على فهم لا يفسده اجترار العواطف النواضب..
8/ ولأن طريقنا أقرب إذا اعتمدنا على أنفسنا، بل إنه ليس للذي لا يعتمد على نفسه حظ ولا قلامة ظفر..
أمين محمد صديق
سكرتير الحزب الجمهوري