وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

مذكرات سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩

الأستاذ أمين محمد صديق


أمين محمد صديق - سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩

المحادثة بين الرئيس محمود محمد طه والدكتور التيجاني الماحي


طلب الحكمدار دكتور تيجاني وأرسل لي ولكنه لم يحضر الحديث، فدار الآتي:
" يا أستاذ: إنت متخوف من الأودة لماذا !؟"..
قلت: لأن بها عدوى السل..
فقال: ولكننا طهرناها جيدا..
فقلت: لا أعتقد ذلك، فقد ذهب فيها مسجون قبلي وذهبت فيها بنصيحة منك بأنها طاهرة مع إن المرضى بالقرب مني، ويتفُّون في باب الزنزانة في الصباح والمساء ثم يكنس الحوش فيدخل العفار الأودة ونستنشقه، فهل يمكن أن يكون هذا صحيحا !؟
فقال: ولكنا معطوهم أواني ليتفوا فيها، فهل رأيت المرضى في الإسبتالية موضوعين بالقرب من المرضى الاعتياديين؟
قلت: هناك المراقبة تامة ولا يتف أحد منهم إلا في الإناء وأنت هنا بمعيتك مساجين لا يشعرون بمسئولية أدبية ولا مادية، ثم إنهم يقفلون من الساعة الثانية ويترك المرضى على حريتهم فيفعلون ما يشاءون!!
فقال: يا أستاذ، العدوى بالسل ليست سهلة وخاصة في حالة هذين المريضين، وأن أحدهما بمرض صدري والآخر عدوى بسيطة ولا يعدي إلا بالمباشرة في سن الطفولة..
فقلت: أنا لا أريد أن أتدخل في الناحية الفنية، ولكن من هذا الحديث، يتضح لي أني لا أستطيع أن أثق بهذا الكلام الفني مع احترامي لمقدرتك، بل أعتقد أني الآن قد أخذت العدوى..
فقال ضاحكا: ولكن هل أنت تكح!؟
فقلت: ليس هذا بشيء وربما تغلبت العدوى بعد مدة من الزمن..
قال: هل عندك ثقة فيما أقول ؟
قلت: آسف لا ..
قال: لماذا ؟
قلت: لأني أرى شيئا من الإهمال في هذه الناحية فأنت حدثتني من الأول غير حديثك في الآخر، وقد قلت للمأمور، والمأمور حاضر، إنكم إذا أردتم استعمال هذه الأودة فيجب أن تفهمونا لنخرج المريضين ونطهرها من ذلك، وأنت الآن في آخر حديثك تزعم ألا عدوى!!
قال: وما هذا الإهمال؟
قلت: لولا أنك تحرجني لما ذكرته لك وعندي أمثلة كثيرة ولكن هل تعرف محمد جمال؟
قال: نعم..
قلت: هذا المريض عنده نزيف من دبره كثير جدا.. وأنتم لا تعالجونه ولا تسألون عنه، وعندما حضرت يومها وسألته سبّك، فقلت أقفلوه في الزنزانة لأنه مريض خطر!!
قال: يا أستاذ هذا مريض بعقله وما عندوش Civil Right مثلكم..
فقلت: مؤكد عنده، بل يجب أن تشفق عليه أكثر مما تشفق على الأصحاء بوصفك طبيب، وبوصفه على الأقل "إنسان" !!
فقال: ناحيتي أنا أن أفهمك أن الأودة قد تطهرت فقط وسلم وانصرف.. وخرجت أنا فألفيته يتحدث مع الحكمدار..
وأفيدكم في السجن من تيجاني مخاز كثيرة..
نصر الله الحق والمظلومين..
أعذرني لرداءة الخط لأني كتبته واقفا..
المخلص
محمود محمد طه