وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

مذكرات سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩

الأستاذ أمين محمد صديق


أمين محمد صديق - سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩

عريضة المزارعين لمدير مديرية النيل الأزرق
يصوغها الحزب الجمهوري


صاحب السعادة مدير مديرية الجزيرة .... المحترم
يا صاحب السعادة: إن المزارعين الذين أعيتهم الحيلة، وأقعدتهم الفاقة عن الحصول على لقمة العيش يسكتون بها أطفالهم، وثوب "وزن عشرة" يسترون به عوراتهم وعورات نسائهم، قد اتجهوا إلى سعادتكم بآمالهم وآلامهم في هذا الوقت العصيب، وهم قد عرفوا أنكم تنطوون على قلب رءوف رحيم، وتتحلون بعدالة ومكارم هي الضمان لاستجابة مطالبهم..
يا صاحب السعادة: يرفع مزارعو الجزيرة هذه الظلامة السوداء في هذا الوقت الأسود، وهي ظلامة مزمنة طالما تعالت بها الصيحات ورفعت بها الشكايات، ولكن يا للأسف، لم تجد من يصغى إليها أو يلتفت.. إنها ظلامة المزارع البائس الفقير الذي أجهده الفقر، وأضناه المرض وأفناه الجهل.. أجهده الفقر، وهو الذي يكد ليله ونهاره، ليخرج للشركة الذهب الأبيض، وأنتج إنتاجا لم نسمع بأن بلدا أنتج خيرا منه صنفا ولا كمية، غير أن مزارع الجزيرة كان أشقى مزارع في العالم نتيجة لغفلته وإغفاله.. هذا المزارع الذي لم يحسب حسابه يوم أبرم العقد مع الشركة، وفرض عليه أن يقوم بكل أعمال الحواشة، ويتكبد مصاريفها، فإذا ما احتاج طلب سلفة من الشركة كان عليه أن يدفع فوائد هذه السلفة التي ما أخذت إلا لتصرف على الحواشة التي للشركة فيها نصيب موفور!!
لقد سمعنا، يا سعادة المدير، أن الحكومة والشركة قد التزمتا برعاية المزارعين والعناية بصحتهم وتعليمهم وإسعادهم، ولقد رأينا بأعيننا كيف أن الحمى الراجعة تحصد الناس حصدا، وكيف أن الملاريا تسحق قوى المزارعين وتضعفها، وكيف فعلت وتفعل البلهارسيا بنا ما لم يعلنه أو يسمع به بلد من بلاد السودان.. ولم نر أو نسمع أن الحكومة أو الشركة، قد كافحتا في سبيل صحة المزارعين إلا بهذه الوسائل العادية الضعيفة التي لا تسـتأصل الداء ولا تحول دون انتشاره.. والجهل، يا صاحب السعادة، وأنت سيد العارفين هو داء الشعوب وغول الأمم وبلاء البلاد، فهل وجدت بلدا تنتج ما تنتجه الجزيرة من الغلال والمحاصيل، وحرمت من التعليم المفيد ما حرمت منه الجزيرة!؟ فإن فتحت فيها مدرسة كانت إما نصفية أو خلوة حتى إن المدرسة النموذجية اقترح فتحها في بركات، وعُدّت من وسائل الترفيه.. ولقد عرفتم أسباب هذه الشكاوى وهي لا تعدو من أن الناس نفروا من برنامج الترفيه لأنهم في حاجة ماسة إلى لقمة العيش يسدون بها الرمق، وإلى قطعة القماش يسترون بها العورة.. هم في حاجة ماسة وضرورة ملحة، فلا معنى للترفيه الذي تعنيه الحكومة وكل اعتماده 12 ألف جنيه تصرف على المزارعين في جميع الجزيرة.. وسبب آخر، يا سعادة المدير، هو الجهل، فإن مداركهم لم ترفع ولم يعن بها وبرفعتها حتى يعرف معنى الترفيه، وما هو مدلوله وإن ذوقه لم يهذب بعد، حتى يستسيغه، ولذلك نفروا واستنفروا..
إن مزارع الجزيرة، يا صاحب السعادة، هو أحق الناس بعطفكم وأنتم تعلمون أنه صبر طوال مدة الحرب، يقاسي المتاعب والحرمان، ليساهم في هموم العالم، وليحقق النصر لقضية العدل.. زرع القطن وسلمه للشركة لتبيعه كما تشاء، وهو لم يدر الثمن الذي بيع به القطن.. ولقد سمع أن قنطار الإكلاريدس ووزنه 315 رطلا يباع بمبلغ يتراوح بين الثلاثة والأربعة جنيهات، وهو يعلم أن أسعار القطن في جميع العالم تزيد أضعاف ذلك، فرضي.. ولم يرض بذلك بهذا فقط، بل رضي أن يشتري ذراع الدمورية وزن عشرة، وهو أردأ نوع بسبعة قروش، ورضي حينما زرع الذرة وزرع القمح ووضعت الحكومة يدها على محاصيله واشترتها بثمن بخس، ورضي عندما باعت له نفس محصوله من القمح ومن الذرة بأثمان عالية لا تتناسب مع قيمة الشراء!!
هذا ما فعله المزارع عن طيب خاطر، ولكن نجد المزارع الذي قدم كل هذه التضحيات يحترق كالشمعة ليضيء بيوت الآخرين.. هذا المزارع، الذي صبر على تصرف الشركة وقسوتها، وصبر على تعسف مفتشي الشركة ومتاعبهم حينما جاء يطالب بحقه من مال الاحتياطي بعد أن اجتمعت عليه جميع عوامل الجهل والفقر والمرض، عُدّ طلبه سفاهة وإلحاحه بطرا وتمردا!!
وهم لما طالبوا لم يشكّوا في أنهم أصحاب حق، ولكن ظهر بما سمعنا، ونسمعه، أن مطلبهم غير قانوني نتيجة لما أمضوه من عقد مع الشركة وما أمضته الشركة مع الحكومة من اتفاقات..
وضح لنا أن الأمر أصبح يهدد كيان المزارع في حاضره ومستقبله، وأصبح لا مناص من معالجة الأمور على أسس صحيحة حتى توضع في نصابها..
لذلك نتقدم لسعادتكم بالمطالب الآتية:
1/ أن تصرف لنا حقوقنا من المال الاحتياطي لأن الموقف صعب، ولقد بلغ منا التعب وضيق العيش وضيق ذات اليد مبلغا، ولا ننتظر سنة أسوأ من هذه السنة ولا حاجة أمس من هذه الحاجة.. وإن السبب الذي برر للحكومة أن تصرف من أرباح مال الاحتياطي، على الترفيه، هذه الأسباب نفسها نعتمد عليها في مطالبنا ولكن لا للترفيه بل لإزالة الضرورة..
2/ نطالب بتعديل نصيب المزارع ورفع حصته من 40% إلى ما لا يقل عن 50% سواء كانت هذه الزيادة على حساب الشركة أم من نصيب الحكومة..
3/ نطالب الشركة بأن تقدم للمزارعين في نهاية كل موسم حسابات واضحة ليعرفوا موقفهم من قطنهم إذ لا شك أن المزارع طرف من أطراف العقد..
4/ نطالب الشركة والحكومة أن تأخذ نصيبها من مصاريف الحواشة جميعها..
5/ أن يكون للمزارع الحق في أن ينتدب من ينوب عنه في مراجعة الحسابات..
6/ أن تسمح الحكومة للمزارعين بتشكيل هيئة ينتخبونها في كل عام تكون لسانهم الرسمي، ويسهل عن طريقها الاتصال بالمزارعين لتعرف رغباتهم..
هذا ما نرجوه ونطالب به، يا صاحب السعادة، وأملنا وطيد في تحقيقه، لأننا نتفاءل خيرا إذ أن المزارع عندما هبّ للمطالبة بحقه، كان على رأس المديرية رجل نزيه يتمتع باحترام الجميع وحاز ثقتهم أخيرا..
نرجو أن تتفضلوا بقبول فائق الاحترام..

رفاعة 4/8/1946م