لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول


كتابات حول فكر ومواقف الحركة الجمهورية

مقال د. خالد المبارك يكشف عن حقائق مؤسفة (٣ من ٣)
ثورة رفاعة غيرت وسائل الحركة السياسية وقصَّرت أجل الاستعمار

طه إسماعيل أبو قرجة

٢٩ ديسمبر ٢٠٠٢

وقفنا في الجزء الأول من هذا المقال على تزييف التاريخ السوداني، وعلى الحقيقة المؤسفة المتمثلة في إسقاط جل المؤرخين السودانيين اسم الأستاذ محمود محمد طه، والحزب الجمهوري، وثورة رفاعة. كما حاولت في الجزء الثاني التنبيه إلى حقيقة موات الحركة السياسية السودانية، وقلت بضرورة الانفضاض من حولها وإقامة حركة سياسية جديدة، كما سعيت إلى توضيح أن الدكتور خالد المبارك قد خاض في تقييم ثورة رفاعة دون أن يقف على ما قاله الأستاذ محمود محمد طه والجمهوريون عنها. والحق أن من يجهل حقائق التاريخ لا يمكنه تقويم ثورة ولا أي حدث تاريخي. وقديماً قال الأستاذ محمود محمد طه: (الفكر هو ثمرة لقاء الذاكرة بالخيال). وقد وضح أن الدكتور خالد قد كتب بلا ذاكرة- أي بلا معرفة بالتاريخ. وسأحاول في هذا الجزء أن أعطي مؤشرات عن موقع ثورة رفاعة في التاريخ.

خلفية عن ثورة رفاعة :


للحديث عن ثورة رفاعة لابد من وضعها في إطارها التاريخي. وذلك أمر يقتضي، ضمن أمور أخرى، إبراز الطريقة التي اتبعتها الحركة السياسية السودانية منذ نشأتها في مؤتمر الخريجين للحصول على الاستقلال، والطريقة الأخرى التي سار عليها الحزب الجمهوري في قضية الاستقلال. وليس هناك حيز واسع لذلك، وإنما سأكتفي بالإشارات.

معلوم أن الحركة السياسية الحديثة نشأت في مؤتمر الخريجين العام الذي قام في 1938. وقد اتخذ مؤتمر الخريجين "القومية السودانية" شعاراً له، وبدأ عمله بمجالات الخدمة الاجتماعية وعلى رأسها التعليم، فأنشأ عدداً من المدارس. وفي 1942 أسفر المؤتمر عن وجهه السياسي، وذلك بالمذكرة التي وقعها رئيسه، السيد إبراهيم أحمد، في 3/4/1942، والتي كان أهم مطالبها: (إصدار تصريح مشترك في أقرب فرصة ممكنة من الحكومتين الإنجليزية والمصرية بمنح السودان بحدوده الجغرافية حق تقرير مصيره بعد الحرب مباشرة وإحاطة ذلك الحق بضمانات تكفل التعبير عنه في حرية تامة كما تكفل للسودانيين الحق في تكييف الحقوق الطبيعية مع مصر باتفاق خاص بين الشعبين المصري والسوداني).

بيد أن حكومة الاستعمار قد تعاملت مع مذكرة المؤتمر بقسوة بالغة، إذ رفضتها واعتبرتها خطوة متسرعة وأعادتها إلى المؤتمر. كما اعتبرت أن المؤتمر لا يمثل الشعب السوداني، وقالت أن السودانيين يمثلهم القادة الدينيون والإداريون (أي العشائريون) وبعض الجهات الأخرى التي سمتها. وقد أدى ذلك الموقف الاستعماري إلى دفع الخريجين أكثر إلى أحضان الزعماء الطائفيين، كما أدى إلى نشأة أكبر أحزابنا السياسية بالتحالف بين الطائفية الدينية وبين الزعامات العشائرية. وسنرى لاحقاً أن حزب الأمة مثلاً قد نشأ نتيجة تحالف بين زعيم طائفة الأنصار وبعض الزعماء العشائريين وبعض الخريجين. وبذلك يتضح أن الاستعمار تقع عليه مسئولية في النشأة المعوجة لحركتنا السياسية. بيد أننا مسئولون أكثر من الاستعمار، لأننا لم نقدر على تقويم هذا الاعوجاج لمدة فاقت نصف القرن.

الإصرار على النضال برفع المذكرات :


أعود إلى التاريخ لأذكر أن المؤتمر لم يستبدل أسلوب نضاله بأسلوب آخر، رغم أن رفع المذكرات هو أضعف عمل في النضال، ورغم أن الاستعمار قد أهان المؤتمر حين رفع إليه مذكرات. والحق أن المذكرات نفسها كانت ترفع في تكتم شديد حتى أن لجان المؤتمر الفرعية كانت لا تدري بها. وقد شهدت تلك الفترة نشاطاً متزايداً في الدعوة إلى الاتحاد مع مصر. وفي يوليو 1943 زار السيد إسماعيل الأزهري مصر، ومنذ ذلك لحين أخذت دعوة جماعة الأشقاء إلى الاتحاد مع مصر تتجه نحو الدعوة إلى الاندماج الكامل. وقد اكتسح الأشقاء انتخابات المؤتمر التي جرت في 27 نوفمبر 1944، وقد كان لذلك أثره في تعديل مطلب المؤتمر الوارد في مذكرته المرفوعة في 1942 ليكون مطلباً بوضع السودان تحت التاج المصري. ففي 23/8/1945 رفع المؤتمر مذكرة أخرى إلى الدولتين المستعمرتين، بواسطة حكومة السودان، بتوقيع رئيسه، السيد إسماعيل الأزهري. وقد جاء في هذه المذكرة:- (يا صاحبي الدولة: لما كان السودانيون هم أصحاب الشأن الأول في تقرير مصيرهم فإننا لنتقدم الآن بهذه المطالب راجين وملحين في الطلب أن تصدر على الفور الحكومتان البريطانية والمصرية تصريحاً يتضمن الموافقة على رغباتنا هذه والإسراع في العمل على وضعها موضع التنفيذ. فباسم العدل وباسم الرخاء الذي قاتلت من أجله الديموقراطية يطلب مؤتمر الخريجين العام بالسودان: قيام حكومة سودانية ديموقراطية في اتحاد مع مصر تحت التاج المصري. والله وحده ولي التوفيق).

وبطبيعة الحال فإن هذا المطلب ليس للاستقلال، وإنما لإدارة محلية تابعة للتاج المصري. وكانت الجماعات الاستقلالية قد انزعجت من اتجاه المؤتمر إلى الاندماج مع مصر منذ اكتساح الأشقاء لانتخابات المؤتمر في نوفمبر 1944. وفي 31 مارس 1945 أعلن عن قيام حزب الأمة. ويحدثنا الدكتور فيصل عبد الرحمن على طه في كتابه القيم "الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني بشأن السودان 1936-1953" في ص 203 قائلاً:- (نشأ حزب الأمة كتحالف بين ثلاثة عناصر هي طائفة الأنصار وزعماء العشائر ونفر من الخريجين الذين ينادون باستقلال السودان على أساس شعار "السودان للسودانيين". وقد بدأت الاجتماعات التأسيسية لحزب الأمة في ديسمبر 1944 أي بعد انتخابات المؤتمر التي أجريت في 27 نوفمبر 1944 وانتهت بفوز جماعة الأشقاء وسيطرتهم على هيئة المؤتمر الستينية ولجنته التنفيذية). انتهى

ومثلما كان للأشقاء تعاون مع مصر ساقهم إلى المناداة بالاندماج معها، كان لحزب الأمة تعاون مع الإنجليز. وقد تمثل هذا التعاون في ولوج الحزب المؤسسات الضعيفة التي أنشأها الإنجليز لإيهام السودانيين بأنهم يساهمون في حكم بلادهم، كالمجلس الاستشاري لشمال السودان الذي تأسس في 1943، والجمعية التشريعية 1947. كما تمثل ذلك التعاون في ربط حزب الأمة مطلب الاستقلال بالتحالف مع بريطانيا. ولقد أدى هذا التعاون إلى إثارة تهم في وجه حزب الأمة بأنه صنيعة بريطانية، بالإضافة إلى التهمة الموجهة إليه بأنه كان يسعى لتنصيب السيد عبد الرحمن ملكاً محلياً تحت السيطرة البريطانية. وكان حزب الأمة يرى أن دخول تلك المؤسسات هو سبيل لتحقيق الاستقلال في نهاية المطاف عبر التطور الدستوري.

وثيقة الأحزاب المؤتلفة وبعدها عن خدمة قضية الاستقلال :
وبسبب تقاسم الأحزاب الولاء بين مصر وبريطانيا، شرع بعض النفر (على رأسهم الأستاذ أحمد خير) في 10 مايو 1945 في محاولة للتوفيق بين الجهتين الاتحادية والاستقلالية، فانعقدت اجتماعات لتنظر في أمرين، أولهما فيما يحدثنا الدكتور فيصل عبد الرحمن: (إمكانية توحيد مبادئ الأحزاب المختلفة فيما يتعلق بمستقبل السودان السياسي)، وثانيهما: (مناقشة الخطوات الأولى التي يجب اتخاذها لتحقيق المطالب القومية على ضوء الاتفاق الذي سيتم التوصل إليه بين الأطراف).

وقد تمخض هذا الجهد عن ائتلاف هش بين القوى الاتحادية والاستقلالية. وبعد جهد جهيد تمكنت الأحزاب المؤتلفة من توقيع وثيقة في 25 أغسطس 1945 أصبحت تعرف فيما بعد بوثيقة الأحزاب المؤتلفة. بيد أن الائتلاف لم يزد عن العمل بالسنة التي سنها مؤتمر الخريجين من قبل، والمتمثل في محاولة نيل الاستقلال عن طريق رفع المذكرات إلى الدولتين المستعمرتين. وقد تبنى مؤتمر الخريجين وثيقة الأحزاب المؤتلفة، ورفع مذكرة في 15 أكتوبر 1945 تضمنت مطالب الوثيقة. ومن المهم أن نقف على محتوى المطلب الأول والأساسي في المذكرة (الوثيقة). فقد كان كما يلي:- (قيام حكومة سودانية ديموقراطية حرة في اتحاد مع مصر وتحالف مع بريطاني). (المرجع السابق ، ص 229). ويمكن أن نلاحظ أن هذا المطلب تضمن بقاء السيطرتين المصرية والإنجليزية، الأولى بالاتحاد، والثانية بالتحالف.

قيام الحزب الجمهوري :


في هذا الوقت كان الأستاذ محمود محمد طه متحركاً وحده. وكان من ضمن وجوه نشاطه كتابة المقالات في الصحف في مواجهة الاستعمار، ونقد القوى السياسية على مهادنتها الاستعمار، وانقسامها بين الدولتين المستعمرتين. وقد كان عنوان أحد المقالات: (لماذا مصر ولماذا بريطانيا؟!) ومن هنا نشأت فكرة إقامة الحزب الجمهوري، وأسندت رئاسته منذ أول وهلة للأستاذ محمود محمد طه. وقد قام الحزب في 26 أكتوبر 1945.

ويحدثنا الدكتور فيصل عبد الرحمن قائلاً:- (ورفض الحزب الجمهوري الوثيقة التي ائتلفت عليها الأحزاب الأخرى في 25 أغسطس 1945 وتبناها المؤتمر في أكتوبر 1945 لأنها تختلف في جوهرها عن دستور الحزب. وقد سبقت الإشارة إلى أن أحد بنود الوثيقة ينص على قيام حكومة سودانية ديموقراطية حرة في اتحاد مع مصر وتحالف مع بريطانيا. وفي معرض تعليقه على هذا البند قال الحزب الجمهوري: "إننا لا نفهم لماذا نتقيد باتحاد وتحالف فنضع بذلك حق البلاد الطبيعي في الحرية موضع المساومة بأن ندفع ثمن الحرية اتحاداً مع هذه أو تحالفاً مع تلك"). ص 237.

ويمضي الدكتور فيصل ليقول أن الحزب الجمهوري كان يتفق مع حزب الأمة على استقلال السودان وعلى أن يكون السودان للسودانيين. (ولكنه كان يختلف عن حزب الأمة في أمرين: أولهما أن الحزب الجمهوري أعلن في بيانه الأول في 4 نوفمبر 1945 تفضيله للجمهورية نظاماً للحكم بينما لم يعلن حزب الأمة قبوله للجمهورية نظاماً للحكم إلا في 21 أغسطس 1953. وأما الأمر الثاني فقد كان أن الحزب الجمهوري يرفض التعاون مع إدارة السودان البريطانية لتحقيق الاستقلال ويرى أن السبيل لتحقيق الاستقلال هو الجهاد).

ولقد يحسن أن أذكر بهذه المناسبة أن المذكرة التفسيرية لبيان إنشاء الحزب الجمهوري ورد فيها: (أن النظام الجمهوري هو أرقى ما وصل إليه اجتهاد العقل البشري في بحثه عن الحكم المثالي لأنه لا يجعل لمواطن فضلاً على آخر إلا بقدر صلاحيته وكفاءته للاضطلاع بالأعباء المنوطة به، هذا بالإضافة إلى أنه لا يقيد الناس بضروب من الولاء والتقديس اللذين لا مصلحة للإنسانية فيهما). (المرجع السابق، ص 235) ورغم هذه المناداة المبكرة بالمساواة بين المواطنين إلا أن السيد الصادق المهدي طابت له نفسه في عام 1999 أن يدعي أنه أول من دعا للمساواة بين المواطنين، ونسي حتى أنه أيد محكمة الردة عام 1968 على صفحات الجرائد.

ومما يعين على فهم مواقف الحزب الجمهوري يومئذ، معرفة رأيه في الحركة السياسية. فقد عاب عليها أمرين: خواءها من المذهبية والبرامج، وقعودها عن تنوير الشعب وتحريكه ليناضل من أجل الاستقلال والحرية والرضا بدلاً عن ذلك بحرب المذكرات. ولعل الفقرة التالية من كتاب "السفر الأول" الصادر في أكتوبر 1946 تعطي فكرة معقولة عن رأي الحزب يومئذ:- (.. هذه صورة سريعة جداً، مقتضبة جداً، لنشاط المؤتمر في السياسة، وفي الإصلاح. ولسائل أن يسأل لماذا لم يسر المؤتمر في التعليم على هدى سياسة تعليمية موضوعة، منظور فيها إلى حاجة البلاد كلها في المستقبل القريب والبعيد؟ ولماذا لم يعن المؤتمر بمناهج الدراسة كما عني بإنشاء المدارس؟ وله أن يسأل لماذا عندما وُلِدت الحركة السياسية في المؤتمر اتجهت إلى الحكومة تقدم لها المذكرات تلو المذكرات، ولم تتجه إلى الشعب تجمعه وتثيره لقضيته؟؟ ولماذا قامت عندنا الأحزاب أولاً ثم جاءت مبادؤها أخيراً). ويمضي السفر الأول ليقول: (نعم، لسائل أن يسأل عن منشأ كل هذا. والجواب قريب، هو انعدام الذهن الحر المفكر تفكيراً دقيقاً في كل هذه الأمور. فلو كان المؤتمر موجهاً توجيهاً فاهماً لعلم أن ترك العناية بنوع التعليم خطأ لا يدانيه إلا ترك العناية بالتعليم نفسه، ولأيقن أن سياسة "سر كما تشاء" هذه المتبعة في التعليم الأهلي سيكون لها سوء العواقب في مستقبل هذه البلاد. فإن نوع التعليم الذي نراه اليوم لن يفلح إلا في خلق البطالة، وتنفير النشء من الأرياف، وتحقير العمل الشاق في نفوسهم. وانعدام الذهن المفكر تفكيراً حراً دقيقاً هو الذي طوع للمؤتمر يوم ولدت فيه الحركة السياسية-وهي قد ولدت ميتة- أن تعتقد أن كتابة مذكرة للحكومة تكفي لكسب الحرية، حتى لكأن الحرية بضاعة تطلب من الخارج ويعلن بها الزبائن بعد وصولها، حتى تكون مفاجأة ودهشة. ولو أن جميع الأحزاب القائمة الآن استطاعت أن تفكر تفكيراً دقيقاً لأقلعت عن هذه الألاعيب الصبيانية، التي جعلت الجهاد في سبيل الحرية ضرباً من العبث المزري).

مهزلة "وفد السودان" إلى مصر :


منذ يونيو 1945 وحتى مارس 1946 انشغل مؤتمر الخريجين والأحزاب المؤتلفة بالإعداد لتكوين وفد لحضور مفاوضات دولتي الاستعمار الرامية لإعادة النظر في اتفاقية 1936. وكان الصراع على أشده بين المؤتمر والأحزاب الاتحادية من جهة والاستقلاليين من الجهة الأخرى، حول تمثيل السودان، وحول مطالب السودانيين. وكان المؤتمر والاتحاديون يريدون أن يمثل المؤتمر السودان وتكون مطالب السودانيين هي محتوى مذكرة المؤتمر المرفوعة في 23/8/1945 التي أشرت إليها أعلاه، والتي تطالب بوضع السودان تحت التاج المصري. هذا في حين كان يحرص الاستقلاليون على أن يمثل السودان بواسطة الأحزاب السياسية وأن تكون مطالب وثيقة الأحزاب الموقعة في 25/8/1945 هي مطالب السودانيين. وقد انشغلت الأحزاب وقتاً للوصول إلى صيغة وسط تجد قبول الاتحاديين والاستقلاليين.

قام الفوج الأول من الوفد في 22 مارس 1946. بيد أن حكومتي الاستعمار قد استخفتا بالوفد (الذي اشتهر باسم وفد السودان). وقد أصدرت حكومة الاستعمار بياناً أعلنت فيه أنها لا توافق "على إرسال وفد غير مكفول برعاية يبعث آمالاً لا يحتمل تحقيقها". وقالت الحكومة أن الوفد لا يمثل ولا يمكن أن يمثل السودان بوجه عام. كما شككت في إمكانية أن يقابل المفاوضون الوفد لأنهم لم يطلبوه ولأنه لا يمثل سوى جزء من المجموعة. (المرجع السابق ، ص 249-250). كما أن الأحزاب والهيئات المصرية لم ترض بمهمة الوفد، ومارست عليه ضغوطاً ليترك مصر تتحدث عن الجلاء من وادي النيل، مصر والسودان. ونتيجة للضغوط التي مارسها المصريون على الوفد تم إبعاد حزب الأمة من الوفد وانتهى الوفد إلى أن يكون ضيفاً مقيماً بمصر.

ولم يقف هوان الوفد عند ذلك الحد، بل إن بياناته كشفت عن ضعف مؤلم وضع الشعب السوداني موضعاً يوجب الإشفاق. فعلى سبيل المثال، لم يكشف بيان الوفد الذي نشره في 2 يونيو 1946 عن أي إنجاز غير حصوله على مواثيق والتزامات وعهود من الأحزاب والهيئات الشعبية المصرية تؤكد أن قضية وادي النيل "مصره وسودانه" قضية واحدة سيتم الفصل فيها في وقت واحد. وذلك يعني شيئاً واحداً، هو أن الوفد قد رضخ لضغوط المصريين وترك لهم قضية السودان، ليفعلوا فيها ما يشاءون. ويحدثنا الدكتور فيصل عبد الرحمن قائلاً:- (وكشف الوفد في بيانه أنه التقى إسماعيل صدقي رئيس الوزراء ورئيس وفد المفاوضة المصرية في 11 مايو 1946 وأوضح له أن المطالب التي يحملها وفد السودان باعتباره ممثلاً لأبنائه متفقة تماماً مع مطالب أبناء مصر وهي الجلاء عن وادي النيل ووحدته "تلك الوحدة التي فسرها وفد السودان بأنها وحدة وادي النيل مصره وسودانه تحت التاج المصري مع وحدة الجيش ووحدة التمثيل السياسي –السياسة الخارجية- على أن يتولى السودانيون إدارة شئونهم الداخلية بحكومة تقوم على أسس ديموقراطية). (ص 265). بهذا يمكننا أن نرى بؤس حصيلة وفد السودان، كما يمكننا أن نرى طبيعة الدولة التي أرادتها بقية الوفد حين نرى التفسير الذي أعطته لشعار وحدة وادي النيل. والجدير بالذكر أن أعضاء "وفد السودان" من الاتحاديين، بعد أن سلموا قضية السودان إلى مصر، أقاموا عموماً في الفنادق الفخمة، في مصر، على نفقة الحكومة المصرية، ولم يعودوا إلى السودان إلا في عام 1948، بيد أن بعضهم نشأت لهم مصالح تجارية ومصالح وظيفية بمصر فلم يعودوا عندئذ.

الحزب الجمهوري يرفض مهادنة الأحزاب للاستعمار :


رأينا من قبل أن الحزب الجمهوري، في بيانه الأول، رفض وثيقة الأحزاب المؤتلفة الموقعة في أغسطس 1945 ونعى على الحركة السياسية مهادنة الاستعمار. وحين انشغلت الأحزاب والمؤتمر بتشكيل وفد السودان ومحاولة الاتفاق على صيغة للمطالب ترضي كل أطراف الوفد، كان الحزب الجمهوري يعارض الاستعمار بالمنشورات والخطب السياسية في الأماكن العامة. وقد استمر في محاولة حشد الحركة السياسية في خط مواجهة الاستعمار. فعلى سبيل المثال أصدر الحزب الجمهوري بياناً في 18/2/1946، أجتزئ منه بالتالي:-

((هذا نذير من النذر الأولى

يا جماعة الأشقاء ويا جماعة الأمة.. أيها القاسمون البلاد باسم الخدمة الوطنية.. أيها القادحون قادحات الإحن بين أبناء الأمة.. أيها المذكون ثائرات الشر والتفرقة والقطيعة.. أيها المرددون النغمة المشئومة-نغمة الطائفية البغيضة.. إنكم لتوقرون أمتكم وقراً يؤودها.

يا هؤلاء وهؤلاء: أنتم تلتمسون الحرية بالانتماء إلى المصريين فتتمسكون بأسباب رمام، وأنتم تلتمسون الملك بالبقاء تحت الإنجليز فتتهيأون لدور الهر الذي يحكي بانتفاخه صولة الضرغام. أنتم تريدون إبقاء المصريين، وأنتم تريدون إبقاء الإنجليز، فإذا اجتمعت كلمتكم فإنما تجتمع على إبقاء المصريين والإنجليز معاً.

يا هؤلاء وهؤلاء: أنتم تتمسحون بأعتاب المصريين لأنكم لا تقوون على مواقف الرجال الأشداء، وأنتم تتمسحون بأعتاب الإنجليز لأنكم صورتم المجد في أخلادكم صوراً شوهاء. أنتم تريدون السلامة، وانتم تريدون الملك. أنتم تضيعون البلاد لما تجبنون، وأنتم تضيعون البلاد لما تطمعون..).


وقد مضى هذا المنشور في محاولة استنهاض القوى السياسية للمواجهة، فورد فيه:- (يا هؤلاء وهؤلاء: كونوا ليوثاً غضاباً، أو فكونوا قردة خاسئين؛ وارحموا شباب هذا الوادي المسكين، فقد أوسعتموه غثاثة وحقارة وهوانا.. الخ.).

وقد كانت المادة الأساسية للجمهوريين في منشوراتهم وخطبهم هي قضية الاستقلال. وقد ركز الحزب الجمهوري في محاولة لف الشعب حول قضية الاستقلال على قضايا المستضعفين: الجنوب، والمرأة. ركز الحزب على الجنوب وإهماله وعزله، وانتقد المجلس الاستشاري لشمال السودان لمسائل منها استبعاد الجنوب منه، كما استغل قانون الخفاض الذي صدر في ديسمبر 1945. وحين ضاق الاستعمار بنشاط الجمهوريين، طلب من الأستاذ محمود محمد طه في يونيو 1946 توقيع تعهد بعدم الاشتغال السياسة أو توزيع منشورات. ولكن الأستاذ رفض، فصدر بحقه حكم بالسجن لمدة عام. بيد أن التهاب الشعور الوطني أجبر الإنجليز على الإفراج عنه بعد خمسين يوماً من سجنه.

وكمثال لمواجهة الجمهوريين للاستعمار يومئذ، أورد خبرين من الرأي العام، أولهما في يوليو 1946: (ألقى الأستاذ أمين محمد صديق سكرتير الحزب الجمهوري خطاباً عاماً أمس الأول عن الجنوب في الخرطوم بحري في جمهور كبير أمام السينما الوطنية، وأعاد إلقاءه مرة أخرى في نفس الليلة في مكان آخر في الخرطوم بحري، وقد استدعاه البوليس هذا الصباح وحقق معه فاعترف بكل ما حصل وزاد بأن هذا جزء من خطط كبيرة ينفذها الحزب الجمهوري). والخبر الثاني من الرأي العام في27/9/1946:- (اعتقل بوليس الخرطوم بحري مساء أمس ذا النون جبارة وعبد المنعم عبد الماجد، عندما ألقيا خطابين أمام السينما الوطنية بالخرطوم بحري، نددا فيها بالمجلس الاستشاري وقانون الخفاض وكبت حرية الرأي والخطابة).

قانون محاربة الخفاض :


في ديسمبر 1945 سن الإنجليز قانون محاربة الخفاض. والقانون يعاقب بالسجن كل أم أو شخص يخفض بنتاً، وكذلك كل من أجرى خفاضاً، كما يلزم القانون الناس بالإبلاغ عن أي حالة خفاض نمت إلى علمهم. وقد انتقد الجمهوريون القانون بعد صدوره مباشرة.

ومن المهم أن اذكر هنا أن الجمهوريين قد نبهوا منذ أول بيان لهم ضد قانون محاربة الخفاض، في ديسمبر 1945، إلى أنهم لا يدافعون عن عادة الخفاض، وإنما يعارضون المرامي السياسية من وراء القانون، كما يعارضون طريقة محاربة عادة الخفاض بالقانون. فقد جاء في البيان الأول ضد القانون ما يلي:- (لا نريد بكتابنا هذا أن نقف موقف المدافع عن الخفاض الفرعوني، ولا نريد أن نتعرض بالتحليل للظروف التي أوحت به لأهل السودان، والضرورة التي أبقته بين ظهرانيهم إلى يومنا هذا. ولكننا نريد أن نتعرض لمعاملات خاصة، وأساليب خاصة، وسنن خاصة، سنتها حكومة السودان، أو قل ابتدعتها ابتداعاً، وأرادتنا أن ننزل على حكم ابتداعها إرغاما).. (ومن الآيات الدالة على سوء القصد، في هذه الأساليب، إثارة مسألة الخفاض الفرعوني في هذا الظرف، وأساليب الدعاية التي طرقتها له، والطرق التي ارتأتها مناسبة لإبطاله، والقضاء عليه، ولقد جاءت هذه الآيات دليلاً واضحاً على التضليل المقرون بسبق الإصرار). ومضى البيان ليقول:- (قل لي بربك!! أي رجل يرضى بأن يشتهر بالتجسس على عرض جاره؟؟ وأي كريم يرضى أن يكون سبباً في إرسال بنات جاره أو صديقه أو عشيره للطبيب للكشف عليهن؟؟ عجباً لكم يا واضعي القانون- أمن العدل والقانون أن تستذلونا باسم القانون؟؟ أومن الرأفة بالفتاة أن تلقوا بكاسيها في أعماق السجون). وقد مضى الحزب الجمهوري في بياناته وخطبه ليقول أن الاستعمار لم يقدم للمرأة السودانية أي خدمات تجيز له إدعاء الحرص عليها على نحو ما يفعل قانون محاربة الخفاض. وفيما بعد، حين جاء الاستعمار لمحاكمة الأستاذ محمود محمد طه في ود مدني عن دوره في ثورة رفاعة، رفض الأستاذ أن يدلي بأقواله في التحقيق أو أن يمثله محام إلا على أساس مناقشة قانون الخفاض. ولم تكن القوانين وقتها تجيز ذلك، علماً بأن قوانين السودان قد أتاحت فيما بعد وقف المحاكمات لمنح المتضرر من القانون فرصة للطعن فيه بعدم دستوريته أو نحو ذلك.

وبالنظر إلى ما اقتطفته أعلاه من البيان الأول للحزب الجمهوري، يتبين أنه لا سبيل لأحد أن يزعم أن الحزب الجمهوري دافع عن عادة الخفاض.. اللهم إلا إذا كان يروق لأحد أن يوزع التهم دون تمحيص، ودون اعتبار للحق.

لماذا سن الإنجليز القانون ؟


الظن بأن الإنجليز قد أصدروا قانون محاربة الخفاض لمحاربة هذه العادة، ظن ممعن في الغفلة. وهو ظن يجب أن لا يجوز على أحد. فأهل العالم الثالث يجب أن لا تنطلي عليهم خدع الاستعماريين الذين درجوا في كل مكان على تصوير أنفسهم بأنهم لم يهدفون من الاستعمار ولا من سياساته المختلفة إلا خدمة الشعوب المستعمرة وتطويرها وتوصيلها بأسباب الحداثة. ويكفي أن أيرنست بيفن وزير خارجية بريطانيا قال في خطاب ألقاه أمام مجلس العموم في 26 مارس 1946 أنه: (ليس للحكومة البريطانية من غرض في السودان سوى رفاهية السودانيين الحقيقية. وقد أعلنت الحكومة المصرية هذا المبدأ أيضاً في معاهدة سنة 1936. ولا يمكن تحقيق رفاهية السودانيين إلا إذا احْتُفِظ في السودان بإدارة ثابتة). (المرجع السابق ص 250) والعبارة الأخيرة تعني عملياً أنه لا يمكن تحقيق الرفاهية للسودانيين إلا إذا استمر الاستعمار.

أدرك الحزب الجمهوري أن الإنجليز قصدوا بالقانون إيجاد مبرر لإطالة أمد الاستعمار، بإيجاد ذريعة تسمح لهم بالتنصل عن التزامهم الناشئ بموجب وثيقة الأطلنطي الموقعة في 14 أغسطس 1941، التي التزمت فيها بريطانيا بمنح الشعوب المستعمرة حق تقرير المصير عند انتهاء الحرب لمصلحة الحلفاء إن دعمت تلك الشعوب مجهود الحلفاء الحربي. ومعلوم أن الشعب السوداني وقوة دفاع السودان قد حاربوا بجانب الحلفاء، فاستحقوا بذلك منحهم حق تقرير المصير عند نهاية الحرب. ولكن بريطانيا كانت تحرص على الاستمرار في حكم السودان ونهب ثرواته، فاهتدت إلى حيلة مفادها تصوير الشعب السوداني في نظر الرأي العام العالمي بأنه شعب همجي يمارس عادة بهذه الهمجية والتخلف. ومن أجل ذلك أثير قانون الخفاض في بريطانيا بتغطية إعلامية واسعة استهدفت الرأي العام الغربي على وجه الخصوص لإقناعه بضرورة استمرار الحكم البريطاني على السودان ليخرج شعبه من دياجير الظلمات. وقد كان هذا الإقناع ضرورياً، لأن أمريكا كانت حريصة على خروج دولتي الاستعمار التقليدي–بريطانيا وفرنسا- من مستعمراتهما.

الإنجليز قرروا إطالة الاستعمار عشرين سنة حتى 1966 :


وقد استغل الإنجليز ضعف الحركة السياسية السودانية، فتجرأ هدلستون، الحاكم العام، على أن يعلن في الخرطوم عن نيتهم لإطالة أمد الاستعمار في السودان، وذلك في الخطاب الذي ألقاه في 17 إبريل 1946عند افتتاح الدورة الخامسة للمجلس الاستشاري لشمال السودان. يحدثنا الدكتور فيصل عبد الرحمن أن هدلستون قال في مستهل خطابه (أن بعض أعضاء المجلس طلبوا مناقشة وضع السودان ولكنه قرر أن الوقت لم يحن بعد لإجراء هذه المناقشة). ويمضي الدكتور فيصل ليحدثنا قائلاً: (وعبَّر الحاكم العام عن ثقته بأنه في فترة عشرين عاماً سيحكم السودانيون أنفسهم. ولكنه قال أن هذه المدة تقريبية وأعرب عن أمله في الوصول إلى تاريخ ثابت عندما يبحث المجلس لاحقاً توصيات المؤتمر المرتقب). والمؤتمر المقصود هو الذي أعلن عنه هدلستون في ذات الخطاب، وقال أنه سينعقد في نهاية دورة المجلس، برئاسة السكرتير الإداري، ليدرس الخطوات اللازمة لإشراك السودانيين بشكل أوسع في إدارة بلادهم، وأن توصيات المؤتمر ستعرض على المجلس الاستشاري لمناقشتها. (المرجع السابق 257-258). وقد كان ذلك المؤتمر هو مؤتمر الإدارة، المشهور، الذي عقد في 1947، وهو رغم صلة موضوعه بقضية الاستقلال إلا أنه لم يتناولها على نحو مباشر، وإنما تناول أمر إشراك السودانيين في الإدارة.

وهكذا، فبدلاً من إتاحة الفرصة للشعب السوداني لتقرير مصيره فوراً بمجرد نهاية الحرب في أغسطس 1945، أراد الإنجليز التنصل من وثيقة الأطلنطي، وسعوا إلى مد أجل الاستعمار عشرين سنة أخرى أو أكثر. وكان قانون محاربة الخفاض هو ذريعتهم لاستمرار الاستعمار. ولما كانت الحركة السياسية لم تقو آنئذ على نضال يتعدى رفع المذكرات، فقد نهض الحزب الجمهوري ليقاوم قانون محاربة الخفاض.

قد يتضح مما تقدم أن السبب الهام الذي جعل الحزب الجمهوري هو الحزب الوحيد الذي ظهر بمقاومة قانون محاربة الخفاض، هو أنه الحزب الوحيد الذي كان يرفع وسيلة الجهاد كوسيلة لطرد الاستعمار. ولو كان الأمر يتعلق بتقدم المفاهيم النظرية، بمعزل عن الظرف السياسي والوسيلة التي ابتدعها الإنجليز لمحاربة عادة الخفاض، لربما كان هو الحزب الوحيد الذي يعمل على إيقاف عادة الخفاض على نحو علمي ناجع. والحق أنه لا يصح لأحد أن يظن أن الحزب الجمهوري، الذي عرف بمواقفه المتقدمة في القضايا المحلية والإقليمية والدولية، وقف مدافعاً عن عادة الخفاض.

ثورة رفاعة تحدث تحولاً في أساليب القوى السياسية :


لا سبيل هنا للحديث عن تفاصيل أحداث ثورة رفاعة التي جرت في النصف الثاني من سبتمبر 1946. ويكفي القول بأن مواطني رفاعة قد استطاعوا بها إخراج المرأة المسجونة عنوة من السجن، وبقوا بدلاً عنها بالسجن حتى فاض بهم، معطين بذلك درساً قيماً في المسئولية. وقد اضطرت الإدارة الاستعمارية أن تطلب منهم مغادرة السجن. كما اضطرت أن تعمل على إنقاذ هيبتها، وعلى تهدئة الخواطر الثائرة، فنقضت جهات قضائية عليا حكم السجن على امرأة رفاعة. بيد أن هوان السلطة الاستعمارية قد بلغ بتلك الثورة حداً جعلها تنقض حكم السجن بينما كانت المرأة في بيتها، حتى أن نقض الحكم لم يكن من الناحية العملية إلا محاولة من الاستعمار لحفظ ماء وجهه. وكانت تلك أول مرة يتجرع فيها الاستعمار الثنائي مرارة الهوان في السودان. وقد دخل كثير من سكان رفاعة السجن، كما لحقت بآخرين منهم عقوبات مختلفة، منها الجلد، وكان نصيب الأستاذ محمود محمد طه السجن سنتين.

لقد ساقت ثورة رفاعة القوى السياسية إلى إعادة النظر في أسلوب المذكرات والمهادنة، وكذلك أسلوب البقاء في مصر في انتظار المصريين لتحقيق الجلاء عن "وادي النيل" على نحو ما كان يفعل قادة الاتحاديين. ولا أقول أن زعماء الحركة السياسية قد أعادوا النظر في أساليبهم خشية أن يسوق الحزب الجمهوري الشعب في خط الثورة دونهم، وإنما لأنهم قد اتضحت لهم على نحو عملي فعالية المواجهة وضرورتها.

وللوقوف على تغيير القوى السياسية أساليبها بعد ثورة رفاعة، أشير إلى ما ذكره الدكتور فيصل عبد الرحمن في ص 237 من كتابه من أن حزب الأمة "أوقف التعاون مع حكومة السودان وأعلن الجهاد" في أكتوبر 1946 إثر الأزمة التي فجرها بروتوكول صدقي-بيفن. وقال أن الحزب الجمهوري تعاون عندئذ "مع حزب الأمة وأحزاب استقلالية أخرى في إطار الجبهة الاستقلالية". وقال أن الحزب الجمهوري عبَّر عن ذلك بقوله: "كانت هناك حواجز بيننا وبين حزب الأمة، ولكن عندما أعلن الجهاد ورفض التعاون مع الإنجليز سقطت تلك الحواجز، واشتركنا في الجبهة الاستقلالية".

أما الأحزاب الاتحادية فقد عدلت عن خطها هي الأخرى، فكونت في يوليو 1948 "جبهة الكفاح الداخلي" التي شرعت في معارضة المجلس التنفيذي والجمعية التشريعية، وسيرت المظاهرات في العاصمة وعطبرة ومدن أخرى. وفي نوفمبر 1948 حكم على قيادات اتحادية عديدة في الخرطوم ومدني وعطبرة لتسيير المظاهرات. وفي ديسمبر 1948 اشترك إسماعيل الأزهري في مظاهرة بأم درمان فحكم عليه بالسجن لمدة شهرين.

كان ذلك اتجاهاً جديداً في الحركة السياسية. فقد استبدلت المذكرات بالخطابة السياسية والمظاهرات وغيرها من أساليب النضال. عندئذ رأى الحزب الجمهوري أن فراغ الحماس قد امتلأ، فعزم على أن يملأ فراغ الفكر. وقد دخل الحزب مرحلة بيات في الفترة من نهاية 1948 وحتى نهاية 1951 تقريباً، حيث طرح الأستاذ الفكرة الجمهورية على النحو المعروف.

هذا قول موجز هدفت به إلى وضع ثورة رفاعة في إطارها التاريخي، وإلى تبيين قيمتها التاريخية العظيمة. ومن المؤسف أن المؤرخين السودانيين لم ينتبهوا إلى التحول الذي أحدثته هذه الثورة في أساليب الحركة السياسية السودانية الحديثة، وهو التحول الذي قصر به أجل الاستعمار. بل إن من المؤسف أن المؤرخين السودانيين ثقل عليهم اسم الأستاذ، فلم يقووا على ذكره، بل خضعوا لرغبات السياسيين القاصرة وأطاعوها. ويكفي الدكتور فيصل عبد الرحمن على طه فخراً، وهو القانوني الذي لا يحتاج إلى تقريظ، أنه كتب في التاريخ بأفضل مما كتب أي مؤرخ سوداني حتى هذه اللحظة. ويكفيه فخراً انه كتب بأمانة تليق به. ويكفيه فخراً أنه لم يذكر الحزب الجمهوري كأحد الأحزاب السودانية فحسب، بل أفرد له فصلاً مستقلاً. وما ذاك إلا لأنه قويَ حين ضعف الناس.

إن مما يشحن المرء بالأسى أن يعجز بعض المتعلمين البارزين عن فهم ثورة رفاعة وموقف الحزب الجمهوري من قانون محاربة الخفاض. وهم قد كانوا في مأمن من التورط في ظنونهم هذه لو تساءلوا بينهم وبين أنفسهم لماذا بقي الإنجليز بالسودان منذ 1898 وحتى انتهاء الحرب العالمية الثانية دون التعرض لعادة الخفاض. ولكنهم مسكونون بالشكل. هم مسكونون بأن القانون إنجليزي، صاغه أهل الحضارة المعاصرة، ضد عادة شرقية من الزمان الغابر. ومن أجل ذلك يقرر أحدهم في يسر بالغ أن موقف الأستاذ محمود كان (متخلفاً ورجعياً في مواجهة قرار "تحديثي" جريء وسليم). فهل للحداثة صلة بمحاربة العادات المتأصلة بوسيلة القوانين؟ وماذا كان إسهام الإنجليز في إشاعة الوعي كسبيل لمحاربة هذه العادة؟ إن ثورة رفاعة كانت ثورة على المرامي السياسية البريطانية الخفية، المقصودة أولاً وآخراً من وراء قانون الخفاض، كما أنها كانت ثورة على طريقة محاربة عادة الخفاض لأنها طريقة غير ناجعة وضارة وتعرض حياء المرأة السودانية للابتذال، وهي لم تكن دفاعاً عن الخفاض، وقد بين المنشور الأول ضد قانون الخفاض ذلك الأمر. فهل لا يزال يستعصي على عقولنا فهم أمر بهذا الوضوح؟ وهل لا نزال نعتقد أننا ندخل في عداد المثقفين حين نتورط في مثل هذه السطحية المؤسفة؟

إن الغربيين أنفسهم يعلمون أن العادات لا تحارب بالقوانين، ولكن الأغراض الاستعمارية أذهلتهم عن ذلك يومئذ. وقبل وقت وجيز كتبت البروفيسورة إيلين قرونبوم (Ellen Gruenbaum) كتاباً عن الخفاض يتناوله من منظور أنثروبولوجي، بعد خمس سنوات من البحث الميداني في السودان، قالت فيه أن أكثر الغربيين فشلوا في التعامل مع كثير من عادات المجتمعات الشرقية بما في ذلك عادة الخفاض حين أغفلوا تأثير الأديان والعادات ومعايير الأخلاق التي ساهمت في تكوين المجتمعات الشرقية، فحاولوا التعامل معها بالقوانين دون أدنى اعتبار للعوامل الأنثروبولوجية. إن هذه الكاتبة لأجدر بالحداثة من بعض كتابنا الذين لا يزيدون عن استغلال لفظ الحداثة لتسويق مضامين متخلفة، على نحو ما يفعل أدعياء الدين بالدين، حتى لكأن أدعياء الحداثة هم الوجه الآخر لعملة أدعياء الدين. بل هم كذلك. وهنا يكمن خطرهم.

الأميون أصحاب البصائر أدركوا ، وبعض المتعلمين عجزوا:


إن ثورة رفاعة لتشهد بدقة فكر الأستاذ محمود ويقظته وحنكته السياسية. فهو قد فوت بها مؤامرة بريطانيا لإطالة استعمارها السودان. ولولاه ربما قضي على السودان أن يستقل في نهاية الستينات. ولقد أدرك ذلك وقتها رجال بسطاء ذوي بصيرة. ففي منتصف السبعينات زار العمدة عبد الهادي- عمدة منطقة جديد (غرب كوستي)- زار الأستاذ محمود في بيته بمدينة المهدية، وقال له أن أول مرة سمع فيها اسم الأستاذ كان في خريف 1946 حين جاءتهم أنباء ثورة رفاعة. وقال أنه أدرك يومئذ أن تمكُّن الثوار من اقتحام السجن وإخراج المرأة منه يعني أن "جبارة الإنجليز انفكَّت وسلطتهم انتهت". وقد كان الأمر كذلك، بيد أننا نحتاج أحياناً بصيرة الأميين البسطاء.

أرجو أن يكون في هذا إضافة في التعريف بثورة رفاعة التي تآمر عليها المؤرخون، وجهد بعض الكتاب مؤخراً للانضمام إلى ركبهم.

طه إسماعيل أبو قرجة
29 ديسمبر 2002