ولكن كيف يُمَرِّن الإنسان نفسه بطريقة منظمة على أن يحيا دائما في حالة من الوعي الداخلي واليقظة وضبط النفس؟؟ الجواب قريب: ((أن يقلِّد محمّداً فى منهاج حياته تقليداً واعياً مع الثقة التامّة بأنّه قد أسلم نفسه إلى إرادة هادية ومهتدية، تجعل حياته مطابقة لروح القرآن وشخصيّته متأثّرة بشخصية أعظم رجل وتعيد وحدة الفكر والعمل فى وجوده ووعيه كليهما، وتخلق من ذاته المادية وذاته الروحية كلاً واحداً متسقاً قادراً على التوفيق والتوحيد بين المظاهر المختلفة فى الحياة

كتاب (قل هذه سبيلي)


كتابات حول فكر ومواقف الحركة الجمهورية

محمود محمد طه يكتب عن المرأة

الأستاذ محمود محمد طه

مجلة صوت المرأة - العدد ١١٣ - ديسمبر ١٩٦٨

ان آية الآيات في مستقبل المرأة في القرآن قوله تعالى (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف .. وللرجال عليهن درجة) والمعروف هو العرف الذي تواضع عليه الناس ما لم يتعارض مع مراد الدين من تسيير الخلق الى الله على بصيرة وأما قوله (وللرجال عليهن درجة) فلا يعني أن مطلق رجل أفضل من مطلق أمرأة وانما يعني أن على قمة هرم الكمال البشري رجلا تليه إمرأة هي قرينته تكاد تتخطى بذلك كل من عداه من الرجال.. وأس الرجاء في الآية ان الطريق بها أنفتح للمرأة ليتطور حقها... وحريتها في المجتمع بتطوير مسئولياتها وواجباتها في الحياة العامة والحياة الخاصة وذلك تطور لا يحده حد على الأطلاق.
فتشريع قوامة الرجل على المرأة في الإسلام ليس أصلا وانما الأصل المساواة وتشريع تعدد الزوجات في الاسلام ليس أصلا وانما الأصل الزوجة الواحدة للزوج الواحد ومثل هذا يقال عن المهر في الزواج فانه يمثل ثمن شراء المرأة حين كانت تسبى أو تختطف أو تشترى وانما الأصل في الإسلام التكافؤ بين المرأة والرجل في إنشاء عش الزوجية (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) فهذه إشارة بالغة الرفعة في تصوير التكافؤ بين المرأة والرجل في الشراكة في الحياة الزوجية.
وتشريع الطلاق ليس أصلا في الإسلام وإنما هو تشريع انتقال يسير مجتمعا اسلاميا ناقصا الى مجتمع اسلامي ناضج يكون أختيار الزوجين فيه لبعضهما أختيارا ناضجا وموفقا مما يجعل الطلاق أمرا غير مشروع ولقد أشار المعصوم الى ذلك أبلغ اشارة حين قال (أبغض الحلال الى الله الطلاق) وبلاغة الإشارة في أن ما يبغضه الله لن يلبث أن يزول.
وأمر الحجاب وعزل النساء من الرجال ليس أصلا في الإسلام وانما هو تشريع انتقال والأصل السفور والأصل المجتمع المختلط بين رجال ونساء ثم هو مجتمع صالح نظيف مبرأ من عيوب السلوك جميعها ذلك ان الاسلام لا يريد (العفة) تكون نتيجة للباب المقفول ولا الثوب المسدول وانما بما يقر في الصدور وما الحجاب الا قيد يسير منه المجتمع رجاله ونساؤه بحسن التصرف وقوة الخلق الى حرية السفور والاختلاط.. والحجاب في القرآن عقوبة على سوء التصرف في السفور .. أقرأ ان شئت قوله تعالى (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) وسيجعل الله لهن سبيلا بعصمتهن عن السقوط في الرذيلة مع تمتعهن بحق حرية السفور وحرية الإختلاط وذلك بقوة أخلاقهن وقوة شخصياتهن وقوة عقولهن وهو مراد الاسلام من الرجال والنساء.
وأنت حين تقرأ قوله تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ... وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) تعلم أن السفور والأختلاط هو أصل مراد الدين ثم ضرب الحجاب ومنع الاختلاط ليكون سدا لذريعة الخطيئة ريثما يقوى الرجال والنساء على ممارسة حقهن كاملا في السفور والاختلاط من غير سقطة أو زلة.
ان الاسلام فكر متطور ولا يجمد على صورة واحدة لا في التشريع ولا في الأخلاق الا حين تعجز العقول عن االانطلاق معه وما يقوله بعض الناس الآن من انكار الحقوق السياسية والاجتماعية على المرأة اسوة بالرجل ويعزونه الى الاسلام كأنه الكلمة الأخيرة في أمر المرأة انما هو من كلالة عقولهم والاسلام منه براء.
الى فتياتنا اللائي لا شك مطلقا في أنهن سيكن طليعة نساء العالمين الى منازل كمال العفة وكمال الأنوثة نهدي قول القرآن الخالد ليكون شعارهن في انتزاع حقوقهن (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) الحقوق لقاء الواجبات وأعلى واجبات المرأة (العفة).
محمود محمد طه
الحزب الجمهوري

صورة المقال كما نشرته مجلة صوت المرأة attach_file