في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

تنظيمات الهوس الديني
ونموذج الأخوان المسلمين (١)

د. أحمد المصطفى دالي


الفساد والفوضى في دولة الأخوان المسلمين


قال الأخوان المسلمون يوم إنقلابهم على النظام الديمقراطي في السودان في عام 1989 أن سبب قيامهم بالإنقلاب ما يلي:
1- تهاون الأحزاب السياسية السودانية في موضوع الدفاع عن وحدة السودان حيث جاء في بيان البشير الأول:
"مواطني الأوفياء.. إن عداوة القائمين على الأمر في البلاد في الفترة المنصرمة ضد القوات المسلحة جعلتهم عن قصد يهملون اعدادها لكي تقوم بواجبها في حماية البلاد، ظلت قواتكم المسلحة تقدم أرتالا من الشهداء كل يوم دون أن تجد من هؤلاء المسئولين الاهتمام بالاحتياجات أو حتى الدعم المعنوي لتضحياتها مما أدى الى فقدان العديد من المواقع والأرواح حتى أضحت البلاد عرضة للاختراقات والانفلات من اطرافها العزيزة هذا في الوقت الذي نشهد فيه اهتماما ملحوظا بالمليشيات الحزبية."
2- فشل الحكومة الديمقراطية الاقتصادي الذي أدى إلى ارتفاع سعر الجنيه السوداني بإزاء الدولار الأمريكي حيث بلغ يومها 12 جنيها للدولار.. فخشي البشير ومن ورائه الأخوان المسلمين من أن يصل سعر الدولار إلى 20 جنيها فتصير فضيحة عالمية..
قال البشير في بيانه الأول: "لقد تدهور الوضع الاقتصادي بصورة مزرية وفشلت كل السياسات الرعناء في ايقاف هذا التدهور ناهيك عن تحقيق أي قدر من التنمية، فازدادت حدة التضخم وارتفعت الأسعار بصورة لم يسبق لها مثيل واستحال على المواطنين الحصول على ضرورياتهم اما لانعدامها أو لارتفاع أسعارها مما جعل كثيرا من أبناء الوطن يعيشون على حافة المجاعة، وقد أدى هذا التدهور الاقتصادي إلى خراب المؤسسات العامة وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية وتعطل الإنتاج.. وبعد أن كنا نطمح أن نكون بلادا سلة غذاء العالم أصبحنا أمة متسولة وتستجدي غذائها وضرورياتها من خارج الحدود وانشغل المسئولين بجمع المال الحرام حتى عم الفساد كل مرافق الدولة وكل هذا مع استشراء الفساد والتهريب والسوق الأسود مما جعل الطبقات الاجتماعية من الطفيليين تزداد ثراء يوما بعد يوم بسبب فساد المسئولين وتهاونهم في ضبط الحياة والنظام."
أنظر إلى هذا التوصيف لحال السودان الاقتصادي تحت حكم الأحزاب، كما ورد في خطاب رئيس انقلاب الإنقاذ، وقارنه بسودان اليوم المحاصر اقتصاديا، والمثقل بالديون التي بلغت ما يقارب الخمسين مليارا من الدولارات الأمريكية.. سودان اليوم الذي بلغ سعر الدولار فيه في السوق السوداء أكثر من 24000 جنيهاً، وخسر فيه خيرة أبنائه وبناته من أهل الخبرة والدراية لبلدان المهجر، بحثا عن عيش كريم، أو خوفا من عنف واضطهاد، ليحل محلهم أنصاف المتعلمين، العاطلين عن القيم الرفيعة، وخريجي الجامعات السعودية الغير معتمدة، وغير المعترف بها، أمثال عصام البشير، ومحمد عبد الكريم، وعبد الحي يوسف، ويوسف الكودة وغيرهم من المتلهفين للثراء من أموال الشعب، من أهل الولاء لجماعة الأخوان المسلمين المفلسة. وهل هناك انهيار في الخدمات والتعليمية والصحية والإنتاج أكثر مما هو واقع اليوم.
وزعم قادة الانقلاب أنهم وبعد توفير الرخاء الاقتصادي واستتباب الأمن، سيعيدون الأخلاق الإسلامية للمجتمع السوداني، ويجعلون من الشعب السوداني نموذجاً لمشروع حضاري ينشروه في العالم أجمع.. ومن أجل هذا قاموا بوعيد أمريكا والاتحاد السوفيتي، القوتين الأعظم، إن هما وقفتا في وجه هذا النظام الحضاري الجديد.. ووعدوهم بالويل والثبور وعظائم الأمور وأنذروهم أن عذابهم قد دنا إلى آخر ما عرفة الشعب السوداني يومها من خطرفات وهوس.
تحدث البشير قائد الانقلاب، رئيس الجمهورية، لاحقا، في بيانه المشهور عن عزلة السودان التي تسببت فيها الأحزاب التي أنقلب عليها، وهو الذي أيد غزو صدام حسين للكويت فانتهي بمقاطعة دول الخليج له وحصاره. وهو الذي سعى لاغتيال الرئيس المصري السابق، حسني مبارك، في أثيوبيا فانتهي بتوتير علاقات السودان مع مصر وأثيوبيا معا مما أدى لاحتلال حلايب وشلاتين في الشمال، والفشقة وما جاورها في الشرق، إلى يومنا هذا., وهو الذي دعا كل التنظيمات الإرهابية الإسلامية على وجه الأرض إلى الخرطوم وقدم لها التسهيلات في الاستثمار وغسيل الأموال فانتهى به ذلك الصنيع إلى مقاطعة أمريكا وكندا والدول الاوربية له.. وأحتضن كل الجماعات المقاتلة في دول الجوار فأنتهى إلى عداوة كينيا ويوغندا وتشاد.. واستمر بعضهم في النظر إليه بعين الريبة حتى بعد مصالحته.. ولم يبق من مساند للسودان الإسلامي السني تحت حكم الأخوان المسلمين غير روسيا والصين الشيوعيتين وإيران الشيعية..
فالبشير، المشير الذي لم يحارب طيلة عمله العسكري غير أبناء جلدته، مطلوب الآن للمحكمة الجنائية الدولية في جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، مارسها ضد شعبه في غرب السودان، وجنوب النيل الأزرق، مما أنتهي إلى غياب السودان على مستوي رئاسة الجمهورية من المحافل الدولية، خاصة المتواجدة منها في أمريكا وكندا وأستراليا ونيوزيلاندا وأوروبا الغربية، فأصبح بذلك حبيسا داخل السودان ما عدا بعض الزيارات الخارجية المحدودة التي غالبا ما يقطعها ويعود منها خائفا من الاعتقال.
هل أحتاج هنا أن أذكر أن الجيش الأمريكي الذي يمتلك الأقمار الصناعية والسفن حاملات الطائرات التي تعمل بالطاقة النووية، وأحدث الطائرات المقاتلة والسفن الحربية والسيارات المعدة لكل أنواع الطبوغرافيا والمعدة بكل أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة ليس به مشير واحد، بينما أنعم البشير على نفسه برتبة المشير، بعد أن أتخم الجيش بالفرقاء واللواءات والعمداء، الذين أثقلت مرتباتهم وامتيازاتهم، سواء في الخدمة أو بعد التقاعد، كاهل دافع الجمارك والضرائب السوداني المغلوب على أمره.
ومن أبلغ الأوصاف لنظام الأخوان المسلمين المتهالك في السودان هو قول زعيم الأخوان يسن عمر الإمام حيث قال:
"والحركة الإسلامية دخلت السلطة وخرجت مضعضعة وفيها فساد شديد وفيها ظلم وأدت مفاهيم معاكسة للقيم التي تحملها للناس، وزارني بعض الأخوان بالمنزل وكان من ضمنهم حسن الترابي وقلت لهم بأنني أخجل أن أحدث الناس عن الإسلام في المسجد الذي يجاورني بسبب الظلم والفساد الذي أراه وقلت لهم بأنني لا أستطيع أن أقول لأحفادي انضموا للأخوان المسلمين لأنهم يرون الظلم الواقع على أهلهم “فلذلك الواحد بيخجل يدعو زول للإسلام في السودان، أنا غايتو بخجل"
والتجارة الآن امتلكتها الحكومة عبر شركاتها الخاصة واليوم الذي تنهار فيه الحكومة ستنكشف عورات كثيرة. أعتقد أن تجربة السودان جعلت المواطن العادي لديه ظن سيئ في شعار الإسلام ولا عشم له حوله، والمعاملة سيئة حتى مع أخوان الحركة الإسلامية بإذلالهم وسجنهم وقتلهم مما جعل بعضهم يذهب لدارفور ليقاتل ضد الحكومة.
وإستمر يسن عمر الإمام ليقول: -"السودان (شلت عليه الفاتحة) .. بكل أمانة بعتبر السودان مات.. فلا حدود جغرافية كما كانت ولا نسيجه الإجتماعي كما كان.. فإثيوبيا ذهبت بالفشقة ومصر بحلايب وحتى مياه النيل المصريون لا يرضون بنسبة السودان فيها ولا أن يسقى منها مشروع سندس الزراعي. السودان تناقص من أطرافه فولاية الجزيرة بدأ أهلها ينتظمون فى كيان ويطالبون بحقوقهم، وأنظر لما يحدث في شمال السودان وفى جنوبه وغربه."
هذا ولقد أوردنا من قبل فساد هذا التنظيم الذي يضحي بعضويته من المجاهدين حين ذكرنا أن الترابي قد قال إن التنظيم ناقش تصفية الناجين العائدين بعد محاولة اغتيال حسني مبارك. ونضيف هنا حديث كمال عمر القيادي في تنظيم الترابي (المؤتمر الشعبي) حيث قال: "كل ملفات الكبار سلمني لها الترابي.. من قتل ومن خان ومن سرق". (حوار مع جريدة المجهر السياسي)..
فليعلم الناس إذن، أن قادة هذا التنظيم يقتلون، ويسرقون، ويخونون، وأن هذا الرجل القانوني (كمال عمر عبد السلام) يعلم كل أولئك القتلة، والخائنين، والسارقين، ويتستر عليهم، تماما كما فعل كبيرهم الترابي من قبله.. هذا بالطبع قليل من كثير مما دعا القيادي على الحاج إلى كتمانه حيث قالها لزملائه في سياق آخر "خلوها مستورة"... وهي مقولة يعمل بها التنظيم في التستر على الفساد الذي يقوم بتوثيقه المراجع العام كل نهاية سنة مالية وهو فساد طال ديوان الزكاة، وهيئة الحج والعمرة، وغيرهما من المؤسسات الحكومية التي أدخلت مصطلح "تجنيب الدخل" لكيلا يتم تسجيله في اورنيك 15 للإيرادات المالية الحكومية فلا يستطيع بذلك حتى المراجع العام الاطلاع عليه. بل أكثر من ذلك حينما يكتشف المراجع العام أي فساد مالي لقادة التنظيم في الإيرادات المتحصلة بأورنيك 15 يقوم التنظيم بتبرئتهم مستعملاُ فقه (التحلل). فأنت إذن يمكنك أن تسرق المال العام، فإذا لم تكتشف كان وبها، وإذا تم اكتشافك فيمكنك استعمال فقه التحلل للخروج من المأزق.
فهل رأى الناس مثل هذه الأخلاق التي يرفع دعاتها أنفسهم نموذجا لمشروع إسلامي حضاري؟! هؤلاء الإسلاميون الذين يجدون المخرج، بهذه الأساليب الملتوية، لسارقي المال العام، يضيقون على بائعات الشاي ويجلدون النساء بدعوى مفارقة الشريعة الإسلامية. هذا ويمكن الاستفاضة في الاستدلال على فساد تنظيم الأخوان المسلمين الذي ملأ أرض السودان بما قاله دكتور الطيب زين العابدين، ودكتور التجاني عبد القادر، والأستاذ عثمان ميرغني، ودكتور حسن مكي، ودكتور محمد محي الدين الجميعابي، ودكتور عبد الوهاب الأفندي، وقياديو حركة "سائحون"، وأمثالهم من العالمين ببواطن هذا التنظيم الأخطبوطي العجيب.