فإن ثورة أكتوبر لم تمت، ولا تزال نارها تضطرم، ولكن غطى عليها ركام من الرماد.. فنحن نريد أن تتولى رياح الفكر العاصف بعثرة هذا الرماد.. حتى يتسعر ضرام أكتوبر من جديد، فتحرق نارها الفساد، ويهدي نورها خطوات الصلاح..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)


كتابات حول فكر ومواقف الحركة الجمهورية

في الذكرى ٣٣: من هو المثقّف؟!!

د. محمد محمد الأمين عبد الرازق

١٣ يناير ٢٠١٨

الثقافة عند عامة الناس في العالم، تعني المعلومات العامة التي يمتلكها المتعلم، فيثري بها حصيلته من المعرفة.. ولما كان كل بلد يمتلك خصوصية في تكوينه من تاريخه تميزه عن بقية البلدان، اتجه الناس إلى القول: الثقافة العربية، الثقافة الإنجليزية....الخ بناء على تنوع المعارف.. والمثقف على هذا المفهوم هو من يمتلك شذرات من المعرفة هنا وهناك..
ولكن الأستاذ محمود محمود محمد طه، أخرج للثقافة معنى جديدا تربويا معتمدا على مصادر اللغة العربية الأساسية وتاريخ العرب.. فلنتابع ماذا قال حول معنى الثقافة، ومن هو المثقف، من كتابه "الثورة الثقافية":
الثورة الثقافية:
"الثورة الثقافية" هي النتيجة المباشرة "للثورة الفكرية".. الثورة الثقافية هي نقطة التقاء الفكر بالواقع.. والمقصود هنا بالطبع هو الفكر "الثائر".. فإذا التقى الفكر الثائر بالواقع فإن التغيير هو دائما النتيجة.. ولا يمكن إلا أن يكون التغيير سريعاً، ومع ذلك، فإنه يجب أن يكون تغييراً بغير عنف.. "فالثورة الثقافية "، على هذا هي التغيير السريع للأحسن، من غير عنف.. هي تملك "سرعة" الثورة، وتبرأ من "عنف" الثورة.. فالثورة الثقافية، بإيجاز، هي علم، وعمل بمقتضى العلم.. وهذا ما به يحصل التغيير..
ولما كان الفكر الثائر هو الذي يحدث الثورة الثقافية ـ يحدث تغيير الواقع بصورة سلمية، وثورية في آنٍ معاً ـ ولما كان الفكر الثوري فكراً دقيقاً، وأصيلاً، ونفاذاً، وسليماً، فإن تغييره للواقع لا بد أن يبدأ من داخل النفس البشرية.. ذلك بأن أي تغيير يقتصر على الخارج ـ على البيئة البشرية، والبيئة الطبيعية ـ أعني: المجتمع، الطبيعة، لا يكون تغييراً سليماً، ولا مستقيماً، ذلك بأن التغيير الخارجي، إنما هو صورة للداخل، أعني للنفس البشرية، فإذا كانت النفس خربة بالأحقاد، والضغائن، والعداوات الرعناء، في كلمة واحدة، بالجهل، فإن هذا الخراب يطبع بطابعه التغيير الذي يجري في المجتمع وفي البيئة..
لقد كان العرب يعرفون الرجل المثقف بأنه هو الذي يملك محصولاً كبيراً من معرفة تاريخ العرب، وأنسابهم، وعاداتهم، وأشعارهم.. ثم جاء وقت قريب أعتُبر فيه المثقف هو الذي يستطيع أن يفهم حين يقرأ الكتاب العلمي، أو المجلة العلمية، والكتاب الفني أو المجلة الفنية.. ومهما يكن من الأمر فإننا نعيش الآن في عهد ازدهار العلوم، والفنون، والفلسفات البشرية.. وتخرج المطبعة لنا عشرات الآلاف من الكتب الجديدة، في صنوف المعارف، كل يوم.. ويعتبر الرجل المثقف عندنا هو الذي يتابع حركة التأليف، والنشر، في الكتب والمجلات، التي تساير آخر تطور العلوم، والفنون، ثم يكون له في كل مسألة، من هذه المسائل، رأي عتيد.. وآفة الثقافة، بهذا المدلول، إنما هي أن المثقف قد يحمل شذرات كثيرة من المعارف من غير أن تتأثر بها أخلاقه، تأثيراً كبيراً، ومن غير أن يتحرر بها فكره، تحريراً كبيراً.. ثم إن الثقافة، حتى بهذا المدلول الموسوم بالسطحية، أصبحت تتعرض اليوم لآفة التخصص، الذي هو سمة العصر الحاضر.. ذلك بأن كثرة العلوم، وتشعبها في كل فن من فنونها، قد أصبحت تستحوذ على نشاط العلماء كله.. فأنت، من أجل التجويد في الإنتاج، لا بد لك من أن توقف نشاطك العلمي كله على فرع معين من فروع العلوم، تتخصص فيه، ولا تتعداه لغيره.. وأخذت آفات التخصص تظهر، وتلك هي النظرة الجانبية، التي تتوفر على شئ واحد، يستغرقها، وتحاول استغراقه، حتى يصبح الإنسان وكأنه آلة مصممة على انتاج صنف واحد في صناعة واحدة..
جاء في "المنجد" في اللغة قوله (ثقف الرمح: قومه، وسواه.... وثقف الولد فتثقف: هذبه، وعلمه، فتهذب وعلم.. فهو مثقف، وهي مثقفة.. وهذا مستعار من ثقف الرمح.. والثقاف آلة تثقف بها الرماح) قال شاعرهم: ـ
إنا إذا عض الثـقــاف * برأس صعدتنا لوينا
نحمي حقيقتنا وبعض * الناس يسـقط بيـن بينا
والصعدة هي قناة الرمح.. فإذا قطعت من شجرتها وبها إعوجاج ثقفت بالثقاف، لتكون مستوية، ومستقيمة.. فإذا إستوت، واستقامت فهي قناة مثقفة.. وأراد الشاعر بقوله: إنا إذا عض الثقـاف برأس صعدتنا لوينا، أنه هو وقومه شديدو المراس، لا يلينون لتقويم المقومين، لأن في خلقهم، وعورة، وإباء.. وأبان هذا حين قال:
نحمي حقيقتنا وبعض * الناس يسقط بين بينا
فكلمة "الثقافة" في اللغة العربية كلمة طيبة جداً، ذلك بأنها تشير إلى التقويم، والتهذيب.. وهذا أمر يشير إلى الأخلاق.. فلكأن "الثقافة" في اللغة العربية هي "الثقافة"في الدين الإسلامي، "التقويم" و"التهذيب"، فإنه، في الإسلام، قد قال المعصوم: "الدين المعاملة" وقال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".. ومكارم الأخلاق هي: حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة.. والحرية الفردية المطلقة هي حظ الرجل، ذي الفكر الثائر.. الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول.. ثم لا تكون نتيجة عمله الا خيرا، وبرا، بالأحياء والأشياء.. والحرية الفردية المطلقة تبدأ بالقيد، وهي، في مستوى القيد، حظ الرجل الحر، وهو الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول.. ثم يتحمل مسئولية قوله وعمله، وفق قانون دستوري.. وقد أسلفنا تعريف القانون الدستوري.. وحسن التصرف في الحرية، إذا كانت في قاعدتها ـ الحرية المقيدة بالقانون ـ أو في قمتها ـ الحرية المقيدة بالأخلاق ـ لا يتأتى إلا إذا تهذب الداخل، واستقام، فسلم القلب من مذام الأخلاق، وصفا العقل من أوضار الأباطيل، والخرافات.. هذه هي الثقافة.. سلامة القلب، وصفاء الفكر.. وإنما يتم ذلك بتثقيف الباطن.. ومن الممتع حقاً أن نلاحظ أن القامة البشرية تشبه صعدة الرمح ـ قناة الرمح ـ هي تشبهها في ظاهرها، وفي باطنها ـ في ظاهرها "الجسم"وفي باطنها "النفس" ولذلك فإن العرب تقول: فلان صلب القناة، يريدون أنه صعب المراس، قوي الشكيمة، شديد الأسر..
الرجال عندنا ثلاثة: الرجل الذي لا يقول، ولا يعمل، لأنه يخاف من مسئولية قوله، وعمله، وهذا هو العبد.. والرجل الذي يحب أن يقول، وأن يعمل، ولكنه يحاول أن يهرب تحت الظلام، فلا يواجه مسئولية قوله، ولا عمله.. وهذا هو الفوضوي.. والرجل الذي يحب أن يفكر، وأن يقول، وأن يعمل، وهو مستعد دائماً لتحمل مسئولية قوله، وعمله.. وهذا هو الرجل الحر.. والرجل الحر هو الثمرة الطيبة للثورة الفكرية، وللثورة الثقافية.. وهو الإبن الشرعي للمجتمع الكامل..