((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




كتابات حول فكر ومواقف الحركة الجمهورية

محاولة للتعريف بمساهمة الأستاذ محمود محمد طه
في حركة التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر

عبدالله بولا

أكتوبر ١٩٩٦

يذهب الأستاذ إلى المزيد من التوضيح لثنائية معنى الإسلام فيكتب: "الإسلام فكرٌ يرتقي السالك فيه على درجات سُلَّمٍ سباعي أولها الإسلام، وثانيها الإيمان، و ثالثها الإحسان، ورابعها علم اليقين، وخامسها علم عين اليقين، وسادسها علم حق اليقين، وسابعها الإسلام من جديد، ولكنه في هذه الدرجة يختلف عنه في الدرجة الأولية، إختلاف مقدار *، فهو في الدرجة الأولية انقياد الظاهر فقط، وهو في الدرجة الثانية انقياد الظاهر والباطن معاً .. وهو في الدرجة الأولية قول باللسان وعمل بالجوارح ولكنه في الدرجة النهائية انقياد واستسلام ورضا بالله في السر والعلانية.. وهو في الدرجة الاولية دون الإيمان، ولكنه في الدرجة النهائية أكبر من الإيمان .. وهذا ما لا يقوى العلماء الذين نعرفهم على تمييزه".(17) قد تبدو هذه الفقرة لدى الوهلة الأولى ضعيفة الصلة بموضوعنا الرئيس. إلا أنها في الواقع تقع في صميمه وتترتب عليها إستنتاجات مهمة تتصل بموضوع التجديد ومكانة مساهمة الأستاذ محمود فيه وأصالة منهجه وتماسك بنيته الداخلية وسلامتها من الإنتقائية والإرتجال. فلا مخرج في الواقع من ورطات التعارض بين النصوص في مستويات الخطاب القرآني المتصلة بتعريف الإسلام بالحيل الذهنية الموضعية المجزأة والمحدودة النطاق وإنما يتطلب الأمر إنشاء بنيةٍ مفهوميةٍ كاملةٍ تتجاوز التعارض في صميمه، (أو تقره في صميمه كما يفعل غلاة المتشددين الظاهريين). وإلا فكيف يمكن أن نجمع في بنيةٍ مفهوميةٍ واحدة بين إسلام الأعراب وإسلام النبي دون أن نوجه للمنطق ضربةً قاضية. إننا نملك الحق في الإتفاق مع الأستاذ محمود أو مخالفته إلا أن اقتراحه سيظل يمثل احد المخارج الأصيلة جداً من هذه الورطة. وهو مخرج يؤسس بنية مفهوميةً رصينةً للإستدلال تشكل دعامةً رئيسيةً من دعائم مشروعه التجديدي. ومع ذلك فقد كان جزاؤه على هذا الحل الأصيل الذكي التكفير والقتل (شنقاً عن 76 عاماً)!! يتأسس على ذلك أنه في المستوى الثاني من الإسلام تسقط كل صور الإكراه الواردة في الشريعة الأولى أو، بعبارة أدق، تُنسخ، فيما تُنسخ آيات الفروع المقررة لها، وفيها عدد من الفروض التي اعتبرتها الشريعة السلفية أصولاُ.
فيقول الأستاذ إن الجهاد ليس أصلاً في الإسلام وإنما الأصل الدعوة بالموعظة الحسنة وبالنموذج السلوكي، وذلك لأسباب مبدئية أظنني أوضحتها، فضلاً عن أسباب واقعية منها أن قهر الناس على الإيمان بالعنف (بالسلاح)، هو أمر غير مرغوب فيه أخلاقياً وعرفاً في زماننا، كما أنه غير ممكن عملياً. بالصعود إلى مستوى قيمة السلام، التي أصبحت قيمة أساسية في عصرنا، في مستوى المواثيق والمؤسسات المعرفية والحقوقية التي تبدع القيم السائدة القائدة و المثل العليا على الأقل، والتي هي الأصل في الإسلام، تُنْسخ آية السيف "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ..." الآية، وتُبعث آيات الإسماح من جديد. ذلك أن غلظة القلوب والعقول المفضية إلى سوء التصرف في الحرية هي التي أوجبت أحكام السيف و دخول العنف في وسائل الدعوة كما يقول الأستاذ. إن السيف في استخدام الإسلام له كان "أداة لطب النفوس" ، في رأي الأستاذ،و ليس أداة للعقاب في ذاته. يكتب الأستاذ "وكل ما يقال عن تبرير استعمال الإسلام للسيف هو أنه لم يستعمله كمدية الجزار، وإنما استعمله كمبضع الطبيب".(8 1) ومع دقة هذا الحجاج، فهو يبدو لي غير متسقٍ مع وقائع التاريخ، في مستوى الممارسة الفعلية للمسلمين، على كل حال. وهذه ملاحظة أرجئ تفصيلها إلى مكانها من سياق البحث ضمن ملاحظات نقدية أخرى.

والرق ليس أصلاً في الإسلام. (وأقول إستطراداً أن التفسير الذي يعطيه الأستاذ محمود لوضعية الرق في الإسلام الأول يبدو لي "أقل نصوعاً و إقناعاً" في كثيرٍ من جوانبه، بالمقارنة مع وضوح رؤيته النقدية في القضايا الأخرى المتصلة بمفهوم الحرية، ومن ثم فإنني سأورده كاملا بقدر ما يسمح الحيز، من باب الحفاظ على نفس مبدأ القراءة النقدية والإخلاص في تصوير حقائق الواقع وحقائق النصوص وهي عين الصفات التي حمدتها له). يكتب الأستاذ في هذا الموضوع الدقيق: "فالأصل في الإسلام الحرية، ولكنه نزل في مجتمعٍ الرق فيه جزء من النظام الاجتماعي والاقتصادي. وهو مجتمع قد ظهر عملياً أنه لا يحسن التصرف في الحرية، مما أدى إلى نزع قيام أفراده بأمر أنفسهم، وجعل ذلك إلى وصيٍ عليهم، وقد رأينا أن هذا أدى إلى شرعية الجهاد، ومن أصول الجهاد في سبيل الله أن يعرض المسلمون على الكفار أن يدخلوا في الدين الجديد، فإن هم قبلوه، وإلا فأن يعطوهم الجزية، ويعيشوا تحت حكومتهم، مبقين على دينهم الأصلي، آمنين على أنفسهم. فإن هم أبوا عليهم هذه الخطة أيضاً، حاربوهم، فإذا هزموهم اتخذوا منهم سبايا، فزاد هؤلاء في عدد الرقيق السابق للدعوة الجديدة. والحكمة في الاسترقاق تقوم على قانون المعاوضة. فكأن الانسان عندما دعي ليكون عبداً لله فأعرض، دل إعراضه هذا على جهلٍ يحتاج إلى فترة مرانة، يستعد أثناءها للدخول، عن طواعية، في العبودية لله، فجُعل في هذه الفترة عبداً للمخلوق ليتمرس على الطاعة التي هي واجب العبد. والمعاوضة هنا هي أنه حين رفض أن يكون عبداً للرب، وهو طليق، ومكنت الهزيمة منه، جُعل عبداً للعبد، جزاءً وفاقا. "ومن يعمل، مثقال ذرة، شراً، يره". (19) من الأفضل أن نؤجل التعليق على هذا حفاظا على وحدة السياق، وأستميح القارئ عذرا في مواصلة هذا الإستشهاد الطويل الذي سأستثمره لاحقاً، ضمن مآخذ أخرى في نقدي لهذه المساهمة التجديدية التي أجلها كثيراً مع ذلك. يواصل الأستاذ: "وهكذا أضاف أسلوب الدعوة إلى الإسلام، الذي اقتضته ملابسة الوقت، والمستوى البشري، إلى الرق الموروث من عهود الجاهلية الأولى، رقاً جديداً، ولم يكن من الممكن، ولا من الحكمة، أن يبطل التشريع نظام الرق، بجرة قلم، تمشياً مع الأصل المطلوب في الدين، وإنما تقتضي حاجة الأفراد المسترقين، ثم حاجة المجتمع، الاجتماعية، والاقتصادية، بالإبقاء على هذا النظام، مع العمل المستمر على تطويره، حتى يخرج كل مسترق، من ربقة الرق، إلى باحة الحرية. وفترة التطوير هي فترة انتقالٍ، يقوى أثناءها الرقيق على القيام على رجليه ليكسب قوته من الكدح المشروع، وسط مجتمع تمرن أيضاٍ، أثناء فترة الانتقال، على تنظيم نفسه بصورة لا تعتمد على استغلال الرقيق، ذلك الاستغلال البشع الذي يهدر كرامتهم، ويضطهد آدميتهم، والذي كان حظهم التعس إبان الجاهلية. وهكذا شرع الإسلام في الرق، فجعل للرقيق حقوقاً وواجبات، بعد أن كانت عليهم واجبات، وليست لهم حقوق. ثم جعل الكفارات، والقربات، بعتق الرقاب المؤمنة، السليمة، النافعة. وأوجب مكاتبة العبد الصالح الذي يستطيع أن يفدي نفسه، وأن يعيش عيشة المواطن الصالح. وهو في أثناء ذلك يدعو إلى حسن معاملتهم فيقول المعصوم "خولكم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تطعمون، وأكسوهم مما تلبسون". (20)

و الرأسمالية ليست أصلا ًفي الإسلام عند الأستاذ، و "الأصل في الإسلام شيوع المال بين عباد الله، ليأخذ كل حاجته: و هي زاد المسافر، و ذلك أمر يلتمس تطبيقه في حياة المسلم الوحيد في تلك الفترة، و هو النبي. ولكن الإسلام نزل على قوم لا قبل لهم به، فلا يعرفون إلا أن المال مالهم. وهم لم تكن عليهم حكومة تجعل على مالهم وظيفة يؤدونها، و لذلك فقد شقت على نفوسهم الزكاة التي جُعلت على أموالهم و كانت لدى إلتحاق النبي بالرفيق الأعلى، السبب المباشر في الردة. (...) و هذا هو السبب الذي جعل تشريع الإسلام في المال دون حقيقة مراده، وذلك تخفيفاً على الناس، و تدريجاً لهم، ودرءاً للمشقة عن نفوس أضمرت الشح. وهكذا جاءت الزكاة ذات المقادير وجعلت ركنا تعبديا في حقهم، وذلك بمحض اللطف. يضاف إلى هذا الاعتبار الفردي اعتبارٌ آخر، هو أن شمس الاشتراكية لم تكن قد أشرقت بعد".(21) وربما كان من الإنصاف أن نوضح هنا أن الرجل كان كثير النقد لنماذج "الإشتراكية" التي كانت "قائمة"، وقد أخذ عليها، ضمن أشياء أخرى، غياب الديمقراطية عنها، وإن كان يحمد لها إرادة المساواة وإن لم توفق فيها.
"وعدم المساواة بين الرجال والنساء ليس أصلاً في الإسلام والأصل في الإسلام المساواة التامة بين الرجال والنساء"(22) وهذه في الواقع أصعب القضايا التي تواجه دعاة التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر وهم طالما تلجلجوا فيها و احتالوا لها أفانين الحيل دون جدوى. و يبدو لي أن موقف الأستاذ محمود فيها قاطع و جذري ومتجاوز لكل المعالجات التوفيقية المطروحة الآن. وموطن جذريتها في منهج الأستاذ نفسه الداعي إلى نسخ النصوص المؤسسة للتمييز و العمل بالنصوص المؤسسة للمساواة باعتبارها الأصول والمقاصد النهائية للدين. وشتان بين هذا وبين من يريدون الإحتفاظ بالنصوص القائلة بدونية المرأة مع إثبات مبدأ المساواة!! ومع ذلك فسيكون لي بعض الملاحظات النقدية على رأي الأستاذ في هذا الشأن. يواصل الأستاذ: "ويلتمس ذلك في المسئولية الفردية أمام الله، يوم الدين، حين تنصب موازين الأعمال. قال تعالى في ذلك "ولا تزر وازرة وزر أخرى، وإن تدع ُمثقلة إلى حملها لا يحمل منه شئ، ولو كان ذا قربى، إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب، وأقاموا الصلاة، ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه، وإلى الله المصير"، وقال تعالى "اليوم تجزى كل نفس بما كسبت، لا ظلم اليوم، إن الله سريع الحساب"، وقال تعالى "كل نفس بما كسبت رهينة" ولكن الإسلام نزل، حين نزل، على قوم يدفنون البنت حية خوف العار الذي تجره عليهم إذا عجزوا عن حمايتها فسبيت، أو فراراً من مؤونتها إذا أجدبت الأرض، وضاق الرزق: قال تعالى عنهم "إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بُشر به، أيمسكه على هون، أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون" ومن هنا لم يكن المجتمع مستعداً، ولا كانت المرأة مستعدة ليشرع الإسلام لحقوقها في مستوى ما يريد بها من الخير، وكان لا بد من فترة انتقال أيضاً يتطور في أثنائها الرجال والنساء، أفراداً، ويتطور المجتمع أيضاً. وهكذا جاء التشريع ليجعل المرأة على النصف من الرجل في الميراث، وعلى النصف منه في الشهادة. وعلى المرأة الخضوع للرجل، أباً وأخاً وزوجاً.. "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم" والحق، أن في هذا التشريع قفزة بالمرأة كبيرة بالمقارنة إلى حظها سابقا، ولكنه، مع ذلك دون مراد الدين بها."(23) وهذه أيضاً قفزة كبيرة، في طرح المشكلة على الأقل، تتجاوز، بما لا يقاس، مستويات الثأثأة و اللجاج التي تسعى إلى إقناعنا بأن حظ المرأة موفور على تمامه في الشريعة السلفية على الرغم من وضوح النصوص القائمة على دونيتها. و هو لجاج لم تنج منه حتى أقلام مستنيرة جداً. و في نفس السياق يذهب الأستاذ إلى أن "الحجاب ليس أصلاً في الإسلام والأصل في الإسلام السفور.. لأن مراد الإسلام العفة.. وهو يريدها عفة تقوم في صدور النساء والرجال، لا عفة مضروبة بالباب المقفول، والثوب المسدول. ولكن ليس الى هذه العفة الغالية من سبيل إلا عن طريق التربية والتقويم. وهذه تحتاج إلى فترة انتقال لا تتحقق أثناءها العفة إلا عن طريق الحجاب، وكذلك شرع الحجاب. فكأن الأصل ما كان عليه آدم وحواء قبل أن يزلا (...) و السفور في الإسلام أصل لأنه حرية".(24)
و هو يقدم تعليلاتٍ و شروحا مطولة فيماً يراه من ذلك أسقطتها هنا نزولاً إلى مقتضيات الحيز، ويمكن إجمالها في أن الأستاذ يميز تمييزاً دقيقاً بين السفور والتهتك والإبتذال الذي يجعل من جسد المرأة مجرد حليةٍ وأداةٍ للإمتاع مما نشهده في ذلك الفيض الهائل من موضوعات الدعاية والإعلان الصادرة عن مفهوم "المرأة الشيء" و "المرأة السلعة" في أفق الحضارة الرأسمالية السائدة.
"والمجتمع المنعزل رجاله عن نسائه ليس أصلاً في الإسلام، وتعدد الزوجات ليس أصلاً في الإسلام، و الطلاق ليس أصلاً في الإسلام".(25) كل ذلك في سياقٍ من التعليلات و الشروح أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها ذكية جداً وتخبر عن منهجية نقدية تحليلية تركيبية فذة، وعن عقلٍ مفكرٍ و مثقفٍ من الطراز الأول سواء اتفقنا معه أو خالفناه.
تمثل آلية التجديد وضوابطه المنهجية إشكاليةً عويصةً في الفكر الإسلامي المعاصر. فبالإضافة إلى هالة القداسة المخيفة التي أحيطت بها المنهجية التي حددها السلف من الفقهاء المؤسسين (وليس للسلف فيها من يد بالطبع)، والسطوة الخفية لمقولة قفل باب الإجتهاد، وربما أيضاً بسبب من ذلك، فإن أجندة المجددين الإسلاميين قد خلت من منهجٍ متكاملٍ لإجرائية التجديد. في هذا الإطار أيضاً تمثل مساهمة الأستاذ محمود، التي هي جزء لا يتجزأ من جهازه المفاهيمي، إضافة فريدة. يمثل المنحى الإجرائي عند الأستاذ محمود عنصراً من بنية فكره العامة مقولاته الأساسية. فوجود مستويين من التشريع في الإسلام، مستوى الفروع ومستوى الأصول، والذي لا يناقض مبدأ واحدية الإسلام بقدر ما يؤكده، إنما هو عنده معنىً يتصل برسالة الإسلام التاريخية المحددة التي بلغها النبي محمد مجملةً في مستوىً ومفصلةً في مستوى آخر كما أوضحنا، أو كما أوضح الأستاذ بعبارة أدق. و يبقى المعنى العام للإسلام أوسع من ذلك. وهذا الفهم متصل بمشروعية التجديد وإجرائيته عند الأستاذ. وهو يكتب موضحاً ذلك: "الإسلام دين واحد.. وهو دين الله الذي لا يرضى غيره.. قال تعالى فيه: "أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السموات، والأرض، طوعا وكرها، وإليه يرجعون" (...) وبالإسلام جاء جميع الأنبياء من لدن آدم وإلى محمد.. قال تعالى في ذلك: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً، والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى، أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه.. كبر على المشركين ما تدعوهم إليه.. الله يجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب..". "شرع لكم من الدين" هنا لا تعني الشرائع وإنما تعني "لا إله إلا الله".. ذلك بأن شرائع الأمم ليست واحدة، وإنما " لا إله إلا الله" هي الثابتة، وإن كان ثباتها في مبناها فقط، وليس في معناها.. وإنما يختلف معناها باختلاف مستويات الرسل.. وهو اختلاف مقدار أيضاً.. قال المعصوم في ثبات مبنى "لا إله إلا الله".. "خير ما جئت به أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله.."(26) لا أحسبني بحاجة إلى جهد كثير في إثبات قوة النَفَس النظري لهذا التلخيص والإستخلاص البارع للفكرة من عناصر النص ومعطيات الواقع. هذا الاستخلاص البارع للقاعدة النظرية لتطوير التشريع وتجديده، في مستوى مشروعيته وتاريخيته وضرورته ومناهج إجرائيته معا، استخلاصاً مبرأً من الإرتجال والتقحم. أقول هذا في إطار المنطق الداخلي للفكرة الدينية بالطبع. يتابع الأستاذ : "واختلاف شرائع الأنبياء الناتج عن اختلاف مستويات أممهم لا يحتاج إلى طويل نظر.. ويكفي أن نذكر باختلاف شريعة التزويج بين آدم ومحمد. فقد كان تزويج الأخ من أخته شريعة إسلامية لدى آدم.. وعندما جاء محمد أصبح الحلال في هذه الشريعة حراماً.. أكثر من ذلك أصبح التحريم ينسحب على دوائر أبعد من دائرة الأخت.. قال تعالى في ذلك: "حرمت عليكم أمهاتكم، وبناتكم، وأخواتكم، وعماتكم، وخالاتكم، وبنات الأخ، وبنات الأخت، وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة، وأمهات نسائكم، وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، وإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم.. وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم.. وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف.. إن الله كان غفوراً رحيما."(27) فتطوير التشريع الإسلامي يجد مشروعيته في تطور الشرائع الإلهية (الإسلامية) من لدن آدم وليس هو بدعةً إبتدعها مجددو اليوم. وليس من قاعدةٍ أصلب من هذه لمشروعية التجديد. بعد إرساء هذه القاعدة المتينة للإستنباط، والتي لم أورد إلا نذراً يسيراً من وجوهها المركبة في تحليل الأستاذ محمود الإستقرائي، أذهب إلى عرض وجوهٍ أخرى من تأسيسه لمشروعية التجديد وتحديد آلياته وضوابطه، فلنستمع: "فإذا كان هذا الاختلاف الشاسع بين الشريعتين سببه اختلاف مستويات الأمم، وهو من غير أدنى ريب كذلك، فإنه من الخطأ الشنيع أن يظن إنسانٌ أن الشريعة الإسلامية في القرن السابع تصلح، بكل تفاصيلها، للتطبيق في القرن العشرين، ذلك بأن اختلاف مستوى مجتمع القرن السابع عن مستوى مجتمع القرن العشرين أمر لا يقبل المقارنة، ولا يحتاج العارف ليفصل فيه تفصيلاً، وإنما هو يتحدث عن نفسه.. فيصبح الأمر عندنا أمام إحدى خصلتين: إما أن يكون الإسلام، كما جاء به المعصوم بين دفتي المصحف، قادراً على استيعاب طاقات مجتمع القرن العشرين فيتولى توجيهه في مضمار التشريع، ومضمار الأخلاق، وإما أن تكون قدرته قد نفدت وتوقفت عند حد تنظيم مجتمع القرن السابع، والمجتمعات التي تلته مما هو مثله، فيكون على بشرية القرن العشرين أن تخرج عنه، وأن تلتمس حل مشاكلها في فلسفات أخريات، وهذا ما لا يقول به مسلم.. ومع ذلك فإن المسلمين غير مؤمنين بضرورة تطوير الشريعة. وهم يظنون أن مشاكل القرن العشرين يمكن أن يستوعبها، وينهض بحلها، نفس التشريع الذي استوعب، ونهض بحل مشاكل القرن السابع، وذلك جهلٌ مفضوح.
المسلمون يقولون أن الشريعة الإسلامية شريعة كاملة.. وهذا صحيح.. ولكن كمالها إنما هو في مقدرتها على التطور، وعلى استيعاب طاقات الحياة الفردية، والاجتماعية، وعلى توجيه تلك الحياة في مدارج الرقي المستمر، بالغةً ما بلغت تلك الحياة الاجتماعية، والفردية من النشاط، والحيوية، والتجديد.. هم يقولون، عندما يسمعوننا نتحدث عن تطوير الشريعة: الشريعة الإسلامية كاملة، فهي ليست في حاجة إلى التطوير، فإنما يتطور الناقص.. وهذا قول بعكس الحق تماماً، فإنه إنما يتطور الكامل..(...) فالعشبة الضئيلة التي تنبت في سفح الجبل، فتخضر، وتورق، وتزهر، وتثمر، ثم تلقي ببذرتها في تربتها، ثم تصير غثاءً تذروه الرياح، أكمل من الجبل الذي يقف فوقها عاليا متشامخاً، يتحدى هوج العواصف.. ذلك بأن تلك العشبة الضئيلة قد دخلت في مرحلة متقدمة من مراحل التطور ـ مرحلة الحياة والموت مما لم يتشرف الجبل بدخولها ـ- (...) وبالمثل، فإن كمال الشريعة الإسلامية إنما هو في كونها جسماً حياً، نامياً، متطوراً، يواكب تطور الحياة الحية، النامية، المتطورة، ويوجه خطاها، ويرسم خط سيرها في منازل القرب من الله، منزلة، منزلة.. ولن تنفك الحياة سائرة إلى الله في طريق رجعاها، فما من ذلك بد.. "يا أيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحاً فملاقيه".. وإنما تتم الملاقاة بفضل الله، ثم بفضل إرشاد الشريعة الإسلامية في مستوياتها الثلاث: الشريعة، والطريقة، والحقيقة.. وتطور الشريعة، كما أسلفنا القول، إنما هو انتقال من نصٍ إلى نص.. من نص كان هو صاحب الوقت في القرن السابع فأحكم إلى نصٍ اعتُبر يومئذ أكبر من الوقت فنسخ..(...) فكأن الآيات التي نسخت إنما نسخت لحكم الوقت، فهي مرجأةً إلى أن يحين حينها.. فإذا حان حينها فقد أصبحت هي صاحبة الوقت، ويكون لها الحكم، وتصبح، بذلك هي الآية المحكمة، وتصير الآية التي كانت محكمة في القرن السابع منسوخةً الآن.. هذا هو معنى حكم الوقت.. للقرن السابع آيات الفروع، وللقرن العشرين آيات الأصول.. وهذه هي الحكمة وراء النسخ.. فليس النسخ، إذن، إلغاءً تاماً، وإنما هو إرجاءٌ يتحين الحين، ويتوقت الوقت.. ونحن في تطويرنا هذا إنما ننظر إلى الحكمة من وراء النص(...) فالتطوير، إذن، ليس قفزاً عبر الفضاء، ولا هو قولٌ بالرأي الفج، وإنما هو انتقالٌ من نص إلى نص." (8 2) كان لا بد من إيراد هذه الإستشهادات الطويلة لعدة أسباب: منها درء سوء الفهم الذي قد يتولد من الإبتسار الشديد، وهو "سوء فهم" كلف الرجل حياته، ومنها إكمال سياق الفكرة تحسباً من قراءة متحيزة من جانبنا.. ومنها عرض منهجية بناء المفهوم عند الأستاذ وهي منهجيةٌ قلت بتميزها مما لزمني إثباته أو عرضه بوضوح على الأقل. هذا، في تقديري، منهج مكتمل الأدوات، ممسك بخيوط نسيج منطقه الداخلي إمساكاً شديد الإنتباه لامجال فيه للخاطرة المرتجلة التي تستر إرتجالها بالإستدراك المتراجع المسكون بالوساوس والحسابات والترضيات التاكتيكية الحسيرة الأفق. وأحسب أن هذا هو الأمر الرئيس الذي يخص الباحث المجدد، بصرف النظر عن مسائل الإتفاق والإختلاف أو "الخطأ" و "الصواب": أن يتأسس الخطاب التجديدي على منهجية متكاملة. و لست بحاجةٍ حقيقيةٍ لأن أستدرك فيما أعنيه باكتمال القكرة وتكامل المنهجية فقد أغنت عن ذلك كلمة الأستاذ "إنما يتطور الكامل"، و فيما يليني، فإن منهجية هذا البحث والمفاهيم و المصطلحات التي يتأسس عليها تفصح بنفسها عما أعنيه بالتكامل والإكتمال في الفكرة و المنهج.

* لا يقر الأستاذ اختلاف النوع أصلاً ويعتبره مناقضاً للتوحيد. وبهذا المعنى ينبغي أن تُفهم إشاراته لاختلاف المقدار حيثما وردت.