((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




كتابات حول فكر ومواقف الحركة الجمهورية

محاولة للتعريف بمساهمة الأستاذ محمود محمد طه
في حركة التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر

عبدالله بولا

أكتوبر ١٩٩٦

دراسة نشرتها مجلة رواق عربي التي يصدرها "مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان"، في عددها الرابع الصادر في أكتوبر عام 1996.

ثمة مشكلات عديدة تواجه قضايا التجديد في حركة الفكر الإسلامي في هذا العقد الأخير من القرن العشرين بالذات. وهي مشكلات تتطلب مواجهة حقيقية للنفس وللواقع لكي يكون للفكر الإسلامي المعاصر فرصةٌ للمساهمة في صياغة، أو بالأحرى في إعادة صياغة العالم بالفعل لا بالأوهام الذاتية. والمواجهة الحقيقية للنفس وللواقع المعاصر التي تمكن الفكر الإسلامي من الإرتقاء إلى مستوى "عالمية جديدة" وتؤهله لدورٍ فاعلٍ فيها ليست من قبيل الإحتيال الإيدولوجي السفسطائي على المفاهيم والمناهج والنصوص والوقائع التاريخية التي تشكل نسيج هذا الفكر، كما أنها ليست في تجميد تراثه وقسره على الإجابة على أسئلةٍ وإشكالياتٍ لم تكن ضمن مشاغله في زمانه التاريخي المحدد، مما هو اليوم شأن الغالبية العظمى من اجتهادات المفكرين الذين يسمون أنفسهم بـ"الإسلاميين". إن المدخل "الوحيد الممكن"* لأي ثقافةٍ تطمح إلى المشاركة في صياغة العصر هو تجديد بنياتها، أي مفاهيمها وآلياتها لإنتاج المعرفة وقيمها الأساسية ومناهج تعبيرها وإدراكها لذاتها وللآخرين "من حولها" بغرض أن تستوعب حركة هذا الواقع ومستجداته وتستشرف آفاقها الممكنة. ولا سبيل، في اعتقادنا، إلى تجديد بنيات الثقافة إلا بمواجهةٍ نقدية لإنجازها التاريخي ومسلماتها المستقرة. وليس معنى المواجهة النقدية بالطبع الرفض أو التخلي والطرد، وإنما تعني النظر الفاحص للعناصر المكونة لإبداعية الثقافة في إطارها التاريخي وفهم فاعليتها وضروريتها وغائيتها في السلب والإيجاب، لإعادة إنطلاقها، بإكمال هدم ما انهدم أصلاً من بنياتها وأصبح حجر عثرة في حركة جدلها الداخلي وجدلها مع الواقع المحيط. وهذا أمر يمكن أن يجر إلى الموت، ضمن ما يجر من عواقب أخرى على المجدد. بهذا الثمن وحده، أعني بامتلاك هذا الوعي بفداحة العبء الذي ينبغي على دعاة التجديد أن يحملوه، وبامتلاك الإستعداد النفسي والأخلاقي لتحمله، يمكن الحديث عن فتح أفق حقيقي لحركة للتنوير في الثقافة الإسلامية المعاصرة عموماً، وفي حركة الفكر منها على وجه التخصيص. في هذا الإطار، تشكل مساهمة المفكر الإسلامي السوداني الشهيد الأستاذ محمود محمد طه (1909ـ1985) نموذجاً أصيلاً من عدة وجوه سنعرض لها في سياق هذه الورقة.

إنني أزعم أن الأستاذ محمود هو بين المفكرين الإسلاميين المجددين المعاصرين أكثرهم وأعمقهم إدراكاً لمأزق الفكر الإسلامي السلفي في مواجهة متغيرات الواقع المعاصر وما تطرحه من إشكالياتٍ متواترةٍ ومعقدة. و لقد كان عميق الإدراك بنفس القدر لقصور محاولات الكثيرين من دعاة التجديد و"بؤس" مفاهيمهم و قراءاتهم ( بل تأهيلهم واستعدادهم أصلاً، وليس المقصود بالطبع تأهيلهم المعرفي الأكاديمي أو مواهبهم الشخصية) عن التصدي لمثل هذه المسئولية الجسيمة. فالدعوة للتجديد الجذري لبنياتٍ فكريةٍ قائمةٍ على سلفٍ مقدسٍ وتقاليدٍ مقدسةٍ أيضاً، قداسة تحميها وتحتمي بها سلطة دولةٍ إستقر فيها الإستبداد نحواٍ من ألفٍ وثلاثمائة عام ونيف، (حتى أصبح الإستبداد بذاته واجباً مقدساً عند نفرٍ ممن يظنون أنهم حماتها وورثتها الوحيدون) أقول إن الدعوة للتجديد الجذري في مثل هذه الشروط ليست نزهة سعيدة. ولم يكن غريباً في هذه الحال أن يتراجع معظم دعاة التجديد عن جوهر مشروعاتهم في مواجهة سيف الإرهاب السلفي المشرع فوق الرقاب، تراجع طه حسين و تراجع علي عبد الرازق، وتراجع خالد محمد خالد، وآخرون كثر غيرهم، وقد سبقني إلى ملاحظة ظاهرة التراجع هذه الصديق الدكتور نصر حامد أبو زيد (وهو من الذين رفضوا أن يتراجعوا). تراجعوا بدرجاتٍ متفاوتة عن جوهر مشروعهم التنويري: النقد الجذري لسلطة التراث وسلطة السلف واقتراح قراءةٍ جديدةٍ، أو بالأحري فتح أفق بلا حدود لقراءات أخرى نقدية للمناهج والمفاهيم للنصوص و المؤسسات و المأثور من نماذج السلوك و المناقب. ولعل أهم مستويات هذا التراجع ومظاهره لجوء الغالبية العظمى من دعاة التجديد إلى الإمساك بالعصا من منتصفها كنايةً عن المنحى التوفيقي. وهو توفيق لا ينبني على أساسٍ مفهوميٍ صلب ولا بنيةٍ إستنباطيةٍ يعتد بها، وقد أقول أن هذه أصلاً صفة كل منهجٍ توفيقي. وما أظنني بغير حاجة إلى التأكيد لمرةٍ أخرى بأن نقد سلطة التراث وسلطة السلف وسلطة النصوص شيءٌ مخالف تماماً للقول بالتحقير والزراية والطرد للتراث و للسلف من مشهد التجديد ومطلبه. بيد أن النوايا السيئة والقراءة السيئة كانت ولا تزال تتربص الدوائر بالخطاب المجدد وتجهد وتصر على إنطاقه بما لم ينطق به ولم يرد عنده حتى في الخواطر الخفية. ولعل في النماذج الحديثة جداً من القراءات الخبيثة المغرضة مما أورده نصر حامد أبو زيد في معرض توضيحه لبراءة خطابه المجدد من شبهة الرغبة في هدم التراث والإساءة إلى السلف ما يبرر إلحاحي هذا في التوضيح.(1) فتقدير السلف و التراث شيء وتنصيبهما سلطةً مطلقةً وأزليةً على الحاضر والمستقبل شيء آخر. وأظن أن هذا يكفي لدرء كل التباس لو أن أمر القراءة السيئة كان أمر التباسٍ وحسب.

ولنذهب مباشرةً إلى موضوعنا الرئيسي. ما الجديد في مساهمة الأستاذ محمود محمد طه؟ وفيم هو هام و جذري إلى هذا الحد الذي زعمته له؟

يمكن القول أن مفهوم قيام الإسلام على رسالتين، رسالة أولى قامت على فروع القرآن، ورسالة ثانية تقوم على أصوله، هو المفهوم الرئيسي المؤسس في فكر الأستاذ محمود. وكلا الرسالتين مما بلغ النبي(ص)، بيد أنه فصل الأولى تفصيلاً بينما أجمل الثانية إجمالاً. ومناط تفصيل الأولى وإجمال الثانية أن الأولى إنما جاءت على قدر حاجة وطاقة مجتمع القرن السابع وما تلاه من مجتمعات لا تختلف عنه اختلافاً مؤثراً في مستويات تطور وعيها ومؤسساتها الحقوقية والثقافية والإنتاجية والسياسية. بينما أرجئت الثانية إلى أن يجيء زمانها ورجالها ونساؤها(2). وهذا المفهوم الذي سنفصل القول فيه لاحقاً، إنما هو نتاج ونموذج لما أسميته آنفاً بالمواجهة الحقيقية للذات وللإشكاليات التي يطرحها الواقع المعاصر على الفكر الإسلامي، وعلى الفكر الإسلامي المتصدي لقضايا التجديد بالذات. فمن أرضية النظر النقدي الأمين والمخلص لحقائق الواقع المعاصر والقائم على احترامٍ عميقٍ لمقام الإنسان ولجهده المبدع وحقوقه الأساسية، وصل الأستاذ محمود إلى قناعةٍ رصينة بأن المنجز الإنساني الحضاري المعاصر في وجوهه المتصلة بحقوق الإنسان وضمان تفتحه وازدهاره وارتقائه قد فاق بما لا يقاس ما هو متضمن فيما لدى المسلمين المعاصرين من فهمٍ لدينهم، وفيما لديهم من تراث فكري وحقوقي وثقافي وسياسي، وفي ما استقر عندهم من ممارسات ومؤسسات تشكل مرجعيتهم في هذا الخصوص. فخرج على الناس بعد خلوة دامت عدداً من السنين، راض فيها نفسه رياضةً قاسيةً بالعبادة والتأمل الفاحص والإطلاع الواسع العميق، بمقولات جريئة وشجاعة فحواها أن "الإسلام برسالته الأولى لا يصلح لإنسانية القرن العشرين"(3)، وأن للإسلام "رسالةً ثانية" هي في مستوى حاجة القرن العشرين وطاقته، بل هي تتجاوز ذلك إلى مستوى قيادة التطور الإنساني في مراقيه التي لا نهاية لها، مراقيه في الواقع التاريخي، في ما يتحقق له به من مستويات الرفاه والحرية في هذه الحياة، ثم في الإطلاق، عند الله "حيث لا حيث" و"عند لا عند". و أظنني بحاجة إلى وقفةٍ هنا أوضح فيها أنه ليس من أغراض هذه الورقة التشيع لهذه المقولات أو معارضتها وإنما إبانة أصالتها وجدارتها بالإعتبار والمناقشة الجادة من وجهة نظر منطق التجديد ومنهجيته. لم يغالط الأستاذ* الشهيد حقائق العصر، كما أنه لم يراوغ واقع تخلف الفكر الإسلامي وقصور تراثه من المناهج والنصوص والوقائع عن الإرتفاع إلى قامة إشكاليات العصر وطموحاته وتحدياته. وهذا في حد ذاته أمرٌ جديد على مشهد محاولات التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، من جيل الأستاذ، على أقل تقدير، وفي داخل دائرة الدعاة الذين ينطلقون من مرجعية دينية "صرفة". (وأعتقد أن تقديري في هذه النقطة متواضع جداً وهو مما تفرضه عليّ التقاليد الأكاديمية من تحفظ). هذه نقطةٌ منهجيةٌ هامة تتصل أساساً بطرح المشكل. وكما نعلم أنه ليس من الصعب دائما أن نحل المشكلات ولكنه من الصعب أيضاً في كثيرٍ من الأحيان أن نطرحها طرحاً سليماً وشجاعاً، وبصفةٍ خاصة عندما يتعلق الأمر بموضوع الدين المخيف. فحاجة الفكر الإسلامي، في نظر الأستاذ محمود، ليست في مستوى معالجات موضعية وإنما هي في مستوى بعث الأصول، في مستوى إعادة تعريف الأصول والعمل بها. وهذا مشهدٌ آخر من مشاهد أصالة مساهمة الأستاذ محمود. فبينما اكتفى معظم المجددين (و أنا أتحفظ مرة أخرى من أن أقول كلهم)، بالدعوة إلى بعث الأصول، من موقع التسليم بأن تعريف الأصول ناجزٌ أصلاً، إنطلق الأستاذ من أن تعريف الأصول الذي بين أيدينا هو في الواقع ليس من أصول الإسلام في شيء. فأصول الإسلام عنده لا تلتمس في المفاهيم والشروط وطرائق الإستدلال وتحديد القضايا، التي وضعها السلف الصالح من الفقهاء المؤسسين، على جلال إنجازهم وضرورته في حدود حاجة وقتهم و طاقته، و التي اصطلح على تسميتها بالشريعة بإطلاق من باب الوهم أو سوء الفهم، و إنما تلتمس في مقاصد الدين النهائية: الحرية الفردية المطلقة و الكرامة الإنسانية المطلقة، بل الكرامة المطلقة لجميع الخلق. كما أن الذي يحدد الحاجة إليها وضرورة بعثها و إمكانه ليس الرأي العارض المزاجي وإنما تهيؤ المكان والزمان موضوعياً لاستقبالها. ولقد تهيأت الأرض في زماننا لاستقبالها بما بلغه المجتمع الإنساني المعاصر من مراقي التقدم الهائلة في المعارف والتقنية وسبل الإتصال، وهو في المقابل يحتاجها لما يضرب عليه من "الحيرة و الفقر الروحي"، يكتب الأستاذ في معنى الإستعداد:"الإسلام عائدٌ بعون الله وبتوفيقه ... هو عائدٌ، لأن البشرية قد تهيأت له بالحاجة إليه وبالطاقة به ... وهو سيعود نوراً بلا نار لأن ناره بفضل الله ثم بفضل الإستعداد البشري المعاصر قد أصبحت كنار إبراهيم برداً و سلاما".(4) و يكتب في معنى الحاجة :"فإذا كانت الأرض اليوم بكل هذه الطاقة المادية الهائلة ثم بكل هذه الحيرة المطبقة على عقول الناس وقلوبهم. فقد أصبح لزاماً على ورثة الإسلام – على ورثة القرآن – أن يدعوا إلى الرسالة الثانية ...".(5) وعن الداعية أو "المأذون له" بالحديث في أمر الرسالة الثانية، فإن أمره لا يتقرر بالرأي المتقحم المرتجل وإنما هو في تعريف الأستاذ محمود "رجلٌ أتاه الله الفهم عنه من القرآن و أذن له في الكلام". وضوابطه تجويد العبادة واستقامة السيرة والسريرة وهي ثمارٌ تظهر للناس واضحة ملموسة. ويضرب الأستاذ مثلا لذلك قول المسيح (ع س) "أحذروا الأنبياء الكذبة" قالوا "كيف نعرفهم؟" قال" بثمارهم تعرفونهم". (6)

فما الأصول إذن وبأي منهجيةٍ ومعيارٍ نعرفها و نحددها ؟ الأصول هي معاني الحرية الكبرى في القرآن، "الحرية المطلقة" فيما يعبر الأستاذ، وفي ذلك يكتب: "الأصل في الإسلام أن كل إنسانٍ حر، إلى أن يظهر، عملياً، عجزه عن التزام واجب الحرية، ذلك بأن الحرية حق طبيعي، يقابله واجب الأداء، وهو حسن التصرف في الحرية، فإذا ظهر عجز الحر عن إلتزام واجب الحرية صودرت حريته، عندئذ بقانون دستوري، والقانون الدستوري، كما سلفت الإشارة إلى ذلك، هو القانون الذي يوفق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة وحاجة الجماعة إلى العدالة الإجتماعية الشاملة،(...) هذا الأصل هو أصل الأصول، وللوفاء به بدأت الدعوة إلى الإسلام بآيات الإسماح، وذلك في مكة، حيث نزلت "وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين" إخواتها، وهن كثيرات."(7) وتشريع الرسالة الثانية كله مبني على مقصد الوفاء بغاية الحرية وتأسيسها مما جاء فيما يسميه الأستاذ بآيات الأصول، وهي الآيات التي ترسي القواعد الأساسية للوفاء بغاية الحرية: العدالة الإجتماعية والإقتصادية والحقوقية والسياسية ...الخ التي تشكل القاعدة الموضوعية الضرورية للحرية. فليس الجائع حراً ولا المظلوم والمقهور والخائف ولا الظالم والباطش ... الخ بأحرار بأي معنى من المعاني. آيات الأصول هي الآيات التي تبين مقاصد الدين النهائية في هذه المجالات، فالأصل الإسلامي في الإجتماع المساواة بين الناس على إختلاف ألوانهم وألسنتهم وأنواعهم من ذكور ٍوإناث، ومحو التفاوت الطبقي والتراتب بينهم من أي شاكلةٍ كان. والأصل في الإقتصاد المشاركة في خيرات الأرض و الإنتاج، ويسميها الأستاذ الإشتراكية دون لجاجةٍ أو تحفظ. وهو في الحقوق العامة المساواة أمام القانون، المضبوطة بضماناتٍ دستورية تجعل المساواة حقاً عضوضاً لا منحةً ولا تلطفا. والأصل في السياسة الديمقراطية الكاملة. والأستاذ لا يرجم في ذلك بالرأي الفج، وإنما يقيمه على شواهد من القرآن السنة المؤكدة. فالآية الأصل في المساواة الإجتماعية" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى و جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم."(8 ) وهي في العدالة الإقتصادية "يسألونك ماذا ينفقون قل العفو" ويفسر العفو بما زاد عن الحاجة الحاضرة.(9) و آيات الأصول في المساواة الحقوقية " ولا تزر وازرة وزر أخرى" و "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره"(10) ثم "إن كل من في السموات و الأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم و عدهم عدا * وكل آتيه يوم القيامة فردا"(11) فرداً، أي دون تمييز من جنسٍ أو نوع أو مكانة، في المسؤولية، ومن ثم في الواجبات والحقوق. وهي في السياسة وحق الإعتقاد والتعبير "فذكِّر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر" "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر."(12) والواقع أن هذا غيض من فيض من استشهاداته العديدة التي يوردها في سياقٍ محكمٍ من التحليل قلما يحسن مجاراته حتى أكثر تلاميذه موهبةً. ومن واجبي هنا أن أعترف بقصوري عنه. و أتمنى ألا أكون قد أخللت به إخلالاً شديداً. وفي سياق منطقه المحكم يقرر الأستاذ أن نزول آيات الأصول إنما سبق نزول آيات الفروع لسببين. الأول طبيعي هو في منطق الأشياء نفسه أن يجيء الأصل أولاً. والثاني تعليمي لكي يثبت بالدليل العملي القاطع قصور أمة البعث عن الإسلام في مستوى الأصول. يكتب الأستاذ: "وبعبارةٍ أخرى، بُدئ بدعوة الناس إلى الإسلام (في مستوى أصوله) فلما لم يطيقوه، وظهر ظهوراً عملياً قصورهم عن شأوه، نُزِل عنها إلى ما يطيقون. والظهور العملي حجةٌ قاطعةٌ على الناس".(13)

وثنائية الأصول والفروع هي عنصر أو قول توطئة أو قاعدة لثنائية أدق منها هي ثنائية معنى الإسلام نفسه عند الأستاذ. فالإسلام وإن كان واحداً إلا أنه معنيان. المعنى الأول هو إسلام أمة البعث، إسلام الرسالة الأولى، ويكفي للدخول فيه النطق بالشهادتين كما هو معلوم، حتى إذا انطوى القلب على النفاق والكفر. نقرأ في كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام": "فأنت حين تقرأ قوله تعالى "إن الدين عند الله الإسلام" يجب أن تفهم أن المقصود الإسلام الأخير، وليس، على التحقيق، الإسلام الأول، ذلك بأن الإسلام الأول ليست به عبرة عند الله، و إنما كان الإسلام الذي عصم الرقاب من السيف، وقد حسب في حظيرته رجال أكل النفاق قلوبهم، وانطوت ضلوعهم على بغض النبي و أصحابه ثم لم تفصح ضلوعهم عن خبئها، وذلك لأن المعصوم قد قال "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وأمرهم إلى الله".(14) و في هذا المعنى أيضا جاءت الآية "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا و لما يدخل الإيمان في قلوبكم". ومن الواضح هنا أن هذا الإسلام هو مرتبةٌ أقل من الإيمان ربما قلت بكثير. ولن يستقيم عقلاً أن يكون هذا هو نفس معنى الإسلام الذي يرد في نصوص أخرى من القرآن في معانٍ كبيرة من الإجلال والتبجيل. من ذلك مثلاً: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا و أنتم مسلمون". أو قول القرآن على لسان النبي "قل إن صلاتي، ونسكي، ومحياي ومماتي لله رب العالمين* لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين".(15) فالنبي، فيما يوضح الأستاذ، طليعة أمة المسلمين بمعنى الإسلام الأخير الذي يجيء في مستوى بعض الأصول وهي "أمة لم تجئ بعد، وإنما جاء طلائعها، فرادى على مدى تاريخ المجتمع البشري الطويل. وأولئك هم الأنبياء، وفي مقدمتهم سيدهم وخاتمهم، النبي الأمي، محمد بن عبد الله، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم".(16) ويتجلى هنا لكل من يعنى ببسائط المنطق وآليات البرهان أننا أمام حجاج ذي نفسٍ قوي يصعب شق غباره. كما أننا أمام شجاعةٍ فكريةٍ مذهلة لا تتهيب مواجهة تناقضات النص الظاهرة ومعالجتها بالفكرة الجريئة التي قد ترمي إلى التهلكة (وقد أدت بالفعل إلى استشهاد الرجل) حين فضل كثير من دعاة التجديد مراوغة مثل هذا التعارض في النصوص بحيل شتى دون جدوى.

* إستوحشت من عبارة "الوحيد الممكن" ولم أجد من حلٍ مناسب سوى وضعها بين مزدوجتين. ثم لا أزال منزعجاً منه فمعذرة.
** الأستاذ هو اللقب الذي أطلقه عليه تلاميذه تمييزاً له عن الشيوخ التقليديين.