((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




كتابات حول فكر ومواقف الحركة الجمهورية

نعم .. لقد كنت هنالك عندما أعدم الشيخ

محمد عبد الله الصايغ

الموت ذلك المجهول.. ياتي بغتة ... وذلك من نعم الله على البشر .. يعرف الكل انهم سوف يموتون ولكن متى ؟ لا احد يعرف فقد خلق الله لهم العقل و جعل الموت مجهول الاوان .. فالعلم به امر مؤلم يأخذ الانسان الى كثير من المعاناه .

قرّرت أن أكتب لانني اوقن أن التأريخ يجب أن يكتب .. أن يدوّن في حقّ الرّجال ما صنعوا وأن يعطوا حقّهم بعد أن رحلوا وذلك أدعى للعدل وهو مسئوليه على عاتق الاحياء . .. عندما يكون هنالك رجال بهذا الحجم الاسطوري من الايمان بالمبادئ .. الشجاعه .. الصلابه .. سمعت عن الكثيرين في مواجهة الموت بسبب ما امنوا به ، ويقيني انّ ما سمعته كان صحيحا ، ولكنّني ما رأيت الاّ واحدا .. رأيته وانا في كامل وعيي .. أحاسيسي .. شعوري وعنفواني .. أنقله لكم وأنا شخص محايد لم ار الرجل الاّ صباح رحيله ولكني سمعت عن نضاله من أجل وطن أنتمي أنا اليه .. وسمعت كلماته الواثقه القويّه امام المحكمه تلك الكلمات التي جاءت أحمى وطيسا من الدواس .. خرجت بالرجل من دائرة الشياطين الخرس .. وما أكثرهم ، لللاسف ، وبينهم علماء .. وأشار " بعصاته " ، ليس من طرف خفي وليس على استحياء ، فرأت عشيرته الفرعون عاريا كيوم ولدته أمّه .... " ومحل رهيفه تنقد " .

استيقظت مبكرا , كعادتي , في ذلك اليوم الشتوى للحاق بعملي . كنت حينها نقيبا بشرطة المرور الخرطوم . كان يطغى عليّ في ذلك اليوم شعور بالحزن ... فقد جاء في الاخبار ان تنفيذ حكم الاعدام بحق الاستاذ الشيخ محمود محمد طه سيكون في ذلك اليوم .

كنت ، مع عدم انتمائي لمدرسة الرجل وعدم المامي حتى بافكاره ، مبتلّا بذلك الشعور ... شعور الحزن فتصفية الخصوم بسبب الرأى امر يتعدّى الفجور في الخصومه . كان الاستاذ الشيخ كبيرا في دواخلي بتاريخه النضالي.. واخيرا بمواقفه الشجاعه وهو يواجه محاكمه يعلم ان تصفيته هو هدفها ... فتحدّث امامها حديث الرجال الذين تمتد اهتماماتهم لاوطانهم وشعوبهم قبل انفسهم واسرهم وبيوتهم وهذا قطعا ما لا نجده الا في من سمت قاماتهم الى جلائل الامور ترفّعا عن صغائرها وهؤلاء هم الذين يشكلون حياة شعوبهم .. بل شعوب البشرية جمعاء .

وصلت الى مكان عملي عند السادسة صباحا بشرطة مرور الخرطوم . وجدت انه كان منوطا بي في ذلك اليوم الاشراف على سير حركة المرور في القطاع الذى يقع جنوب كبرى القوات المسلحه " منطقة الخرطوم " وشمال الكبرى " منطقة كوبر وامتداداتها , شارع كسلا شرقا وغربا حتى السكه الحديد .مما يضع منطقة السجن العمومى بكوبر داخل ذلك الاختصاص ، من الناحيه المروريه بالطبع ، ..

كنت واجما وانا في طريقي ومعي نفر كريم من الزملاء رجال شرطة المرور لتسهيل حركة المواطنين في تلك الانحاء ... كان تفكيرى في تلك اللحظات غارقا في كنه الموت .. في رجال ثبتوا للموت وخطوا باتجاهه دون تهيّب دفاعا عن مبادئهم وعن ما يؤمنون به فمضوا احياء في تاريخ اممهم بل وفي تاريخ البشريه جمعاء . هل يمكن مواجهة الموت بكل صلابه ؟ ان كان نعم .. فمن هم هؤلاء الذين يستطيعون ؟ هل هم بشر من طينة أخرى ؟ ما الفرق بين الشجاعة والجبن ؟ قوّة المراس وضعفه ؟ الشموخ .. ....؟ ..؟ .. الذين تغنّت لهم وبهم القصائد الخالده في الادب الشعبي .. " قارحك غير شكال ما بقربو الشدّاد " .. " كاتال في الخلا وعقبا كريم في البيت " .. وفجأة قفز الى ذهني بيت الشعر الرائع للمرحوم عمر الدوش :

ايّ المشانق لم نزلزل بالثبات وقارها ....

قررت ان اذهب لارى بام عيني .. كيف يجعل الرجال " الموت " ذلك البعبع المخيف أهون من شرب كأس من الماء المثلّج .. ذهبت لارى كيف ترتجف المشانق أمام الثبات .. سمعت كثيرا عن رجال هزموا الموت وبالتالي هزموا الواقفين على تنفيذه .. كان أحدهم " رضوان " عندما صاح بطابور اعدامه الذي كان حينها قد اطلق المجموعه الاولى من الرصاص فجاءت في خاصرته وأسفل بطنه " علّوا التنشين " .. كان ذلك في " وادي الحمار " بعطبره حيث " دروة ضربنار " عقب انقلاب حسن حسين . والرجل حينها كان رقيبا بالمظلاّت تمّ الحاقه لنا ونحن بعد طلبه بكليّة الشرطه 1975 لتدريبنا في مجال الرياضه وقد كان أحد أساطينها ولهذا حديث اخر

بعد اطمئناني على عملي اوقفت سيارتي امام البوابه الرئيسيه للسجن من الناحيه الشماليه وكانت مفتوحة ودلفت الى داخل السجن وكان ذلك في الساعة الثامنه صباحا كانت الساحه الداخليه هادئه والمكان يغصّ برجال شرطة السجون يروحون ويغدون أداء لواجباتهم وبعض المواطنين كان بعضهم يجلس على الارض والبعض الاخر في طريقه لذلك .

بمجرد دخولي وجدت رجلين يقومان على حراسة زنزانه كانت قريبه من المدخل , عرفت منهما انها حراسة الشيخ . سألتهم عنه فأشاروا الى حيث كان يجلس . كان ذلك أمام الزنزانه من الناحية الشرقيّه حيث رأيت الشيخ يجلس على " مسطبه أسمنتيه " كتلك التي تفصل بين الميادين . كان يجلس متجها الى الشرق في هدوء لم اشهد له مثيلا من قبل وكان في حالة " توهان " بيّنه كانما في عالم غير هذا العالم . وقفت خلفه لمدة تزيد على العشرين دقيقه وأنا أنظر اليه ...كان غاية ما اتمناه ان اتحدث اليه ان استمع اليه في اى موضوع في تلك اللحظات الرهيبه والبالغة الدقّه ولكنني ، للاسف ، لم أجرؤ .. ربّما لدقّة الموقف او ربّما لانني اخترت أن احترم تلك الخلوة الساميه والهدؤ العجيب لرجل على بعد ساعة من الموت .. وفضّلت عدم التدخل لايقاظه منها والعودة به الى دنيا البشر . كنت متاكدا انه كان في سمو غير عادي مفتح العينين واثب بكل جوارحه نحو الافق الشرقي.

التغتّ الى احد الرجلين وسألته عن الشيخ وكيف تسير حياته هنا . اجابني بأن " الهدؤ " هو ما يميزه و بأنّه لم يتناول طعاما منذ ان احضر الى السجن اى انه فضّل الا ياكل وكان فقط يشرب الماء وكان يقضى جل وقته مستقبلا القبله تائها فيها منقطعا عن العالم من حوله . في هذه الاثناء كانت اعداد الناس تتزايد في الساحه الداخليه للسجن . كانوا يحضرون فرادى او في مجموعات .. في هذه اللحظات ارتفعت هتافات ممن هم حول الساحه " الله اكبر " .

خرجت الى حيث عملي , وواضح ان حركة المرور كانت تزداد على الطرق المحيطه و ... عدت الى السجن فى الساعه التاسعه والنصف .

الان الساحه الداخليه ليس بها موطىء لقدم , تموج بمختلف الهيئات والسحن والازياء من عسكريه بالوانها المختلفه الى مدنيه . اعداد كبيره كانت تجلس على الارض في صفوف منتظمه بالجهه الشرقيه والباقين كانوا وقوفا في سائر انحاء الحوش يحيطون بالمشنقه التي كانت تقف في منتصف الساحه بكل جبروتها ... كالهة الموت عند قدماء الاغريق .

هذه المشنقه عباره عن نصب عال من الكمر الحديدى يصعد اليها عموديّا بواسطة السلم الموجود خلفها ويمكن للذي يسير بالشارع الواقع شمال السجن ان يرى الجزء العلوي منها . كان الهتاف ياتي مستمرا من الجالسين وكان هتافا مبرمجا اوانه كان يبدو كذلك وكان ايضا يبدو " كالمباركه " لما سوف يحدث . وكان الواقفون في حالة تحرك قلق محدود هو للغليان اقرب .

كنت اقف امام باب الزنزانه الذي فتح قبل الساعه العاشره بربع ساعه وخرج منه الشيخ في ملابس السجن ويغطي لباس احمر اللون من اعلا راسه وحتى اسفل رقبته ويديه مقيدتين خلف ظهره بجنازير تمتد الى حول خصره ثم تتابع تدليها في قسمين يذهب كل منهما الى معصم كل قدم .

كان الشيخ يسير وحده دون اعتماد على اي شخص ولا حتى مساعده من الجنديين الذين كانا يسيران خلفه في بطء يتفق مع خطوه المتمهل . كان كل ما أراه يدعو للعجب .. شيخ جاوز السبعين .. لم يذق طعاما منذ ايام .. مغطى العينين .. يحمل كل تلك الاثقال من الحديد ويسير " الى الموت " معتمدا على نفسه فقط وعلى ذاكرته عن المكان .. بل ويرتقي درج ذلك السلم الطويل الضيّق العمودى دون مساعده من احد نعم لقد ارتقى السلم وحده في تمهّل حتى وقف اخيرا على المنصه العريضه في الاعلا ... شامخا بحجم كلماته أمام المحكمه ، عملاقا .. بحجم التأريخ الّذي أرسى حجر أساسه .

كان الهتاف الذي اشرت اليه يتوقف ليعود من جديد . ساد بعض الوجوم في تلك اللحظات واوقف تلامذة الشيخ خلف المشنقه من الناحيه الغربيه .

احسست في تلك اللحظات ان جسدي كله صار عباره عن نبض وان كل اجهزته قد تداخلت في بعضها وفجأة دوى هتاف واحد موحد هز اركان السجن وارتجفت له حتى المشنقه وكان هتافا جماعيا متتاليا " لن ترتاح يا سفاح " ولم يكن الهتاف من الجمهور الذي بالساحه فقد سكن ذلك الجمهور كأنّما على رأسه الطّير امام المدّ الطاغي والمتتابع لذلك الهتاف ..الذي كان يأتي من مكان مجهول . علمت فيما بعد انه كان صادرا من المعتقلين السياسيين والذين كانوا بالزنازين الشرقيه حينها كما اكّد لي احد كرام الاصدقاء فيما بعد وقد كان بينهم .

بعد ان استقر الشيخ في علوّه ذاك منتصب القامه قام شخص في مقتبل العمر بالهتاف بصورة انفعاليه وهو يردد بصوت عال ان الرجل ، ويعني الشيخ ، لن يموت وما هي الا لحظات حتى غاب عن الانظار بعد ان اقتادته مجموعة من الاشخاص في ملابس مدنيه .

وقف شخص يخظب في اعلا المشنقه امام الشيخ . كان حديثه يتلخص في كيف انهم سيقيمون الحد في ذلك الرجل وفي اي شخص يقوم باي ما من شأنه.... والخروج عن الدين ... وكانت الهتافات تتردد الله اكبر وبلغت القلوب الحناجر والتفت الرجل ناحية الشيخ ونزع العطاء عن رأسه ووجهه تماما .

اسفر نزع ذلك الغطاء عن لوحة لاحد كبار الفنانين اخذ وقته في رسمها فجاءت واثقه مطمئنه نضره ثابته وليس فيها اى نشاز .. وجه صبوح هادىء فيه ابتسامة عميقه غير متكلفه .. مرسومة من القلب ومدعّمه ومسنوده بكل الخلايا والحنايا والجوارح .. كأنما ايقظه احد احفاده الصغار من نومة هادئة طويله وظل يداعبه ويلاطفه واقسم على هذا . اجال الشيخ طرفه لجهة اليمين اولا في التفاتة كامله ثم ببطء وتؤده الى ناحية الشمال وكان وجهه يحمل في ان معا كل معاني القوة والصلابه والهدوء والعزة والكبرياء .. مجتمعه .. وعندها هدأت نفسي تماما وامتلآ المكان بطمأنينة غريبه . وعندها علمت أيضا لماذا كان ذلك الشخص ، الذي تمّ اقتياده ، يهتف " ان الرجل لن يموت " .

في هذه الاثناء طغى صوت مروحيه " هليكوبتر " وهي تهبط في المنطقه الواقعه غرب السجن خارج اسواره . اعاد الخطيب غطاء الرأس الى موضعه وفجأة بدا جسد الشيخ وهو يتأرجح من اسفل المشنقه ..

بعدها قام شخص بالكشف عليه بواسطة سمّاعه ثمّ لفّ في بطانيه سوداء .. وما هي الا لحظات عادت بعدها المروحيّه لتقلع من جديد مثيرة الكثير من الغبار والضوضاء .. لا أحد يعلم الى أين .. ولم يعلم أحد حتّى الان ربّما .. ولكنها ، قطعا ، كانت قد ذهبت الى حيث لا أمنيات تخيب ولا كائنات تمر .. ليس بالضرورة ان يسأل الناس " أين دفن فلان " اذا كان فلان هذا قد دفن في قلب كلّ فرد من أمّته .. فمن يموت ليهب الحياة للاخرين لا يتسع قبر لرفاته .. وعاد بيت الشعر الخالد للرائع عمر الدوش ليملآ قلبي ، روحي ووجداني وليستقر هناك .. والى الابد١ .

محمد عبد الله الصايغ
melsayigh@yahoo.com