((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search

أدب الخلاف الفكري عند الاستاذ محمود

جعفر الماحي


لا أعرف مفكرا أو مصلحا إجتماعيا استطاع أن يفصل فصلا حادا بين الذاتي والموضوعي في علاقته مع الاخرين مثل الاستاذ محمود. اختلف الكثيرون مع الاستاذ محمود فكريا ولم يمتلك اغلبهم القدرة على التفريق بين الرجل وفكرته، أو قل بين الشخص وطرحه الفكري، فجنحوا في اختلافهم مع الاستاذ إلى الشطط، وشخصنة القول، والفجور في الخصومة. فنال الاستاذ منهم ما ناله من سباب، وإهانة، وتهجم، طوال ما يقارب الأربعة عقود منذ آن صدع بدعوته. . تحمل الاستاذ كل ذلك منهم، في صبر جميل، وسماحة نفس، وسعة أفق.
سأورد هنا بعض نماذج، تظهر بجلاء السمو الأخلاقي للاستاذ محمود، وعلو كعبه، في نظرته لخصومه ومعارضيه،وفي تعامله معهم.

النموذج الأول: الشيخ الامين داؤود:


الشيخ الامين داؤود كان احد اثنين رفعا دعوى قضائية على الاستاذ، طالبا فيها بالحكم بردته عن الإسلام، كان ذلك في العام ١٩٦٨. فحكمت المحكمة للمدعين، وأقرت بردة الاستاذ عن الاسلام، وأمرت بمصادرة كتبه، ومنزله، وتطليق زوجته منه. لكن الحكم انتهى إلى لا شئ حين عجزت المحكمة من تنفيذه. مرت السنوات وتوفي الشيخ الامين داوؤد، وبلغ الاستاذ ذلك، وهو في أحد الجلسات. فطلب الاستاذ من الحضور ان يقرأوا الإخلاص بإخلاص على روح الشيخ الأمين اثني عشرة مرة. فتأمل معي أخي، هذا النبل الأخلاقي، قليل المثال، تجاه شخص سعى في دأب شديد، الى التشهير بالأستاذ، وإخراجه من الملة المحمدية، وتطليق زوجه منه..

النموذج الثاني: الدكتور حسن الترابي:


الدكتور الترابي هو زعيم ما عرف وقتها بجبهة الميثاق الإسلامي .. أول مسمى لحركة الأخوان المسلمين في السودان. أصدر الدكتور الترابي كتابا أسماه، "اضواء على المشكلة الدستورية"، تلك التي أعقبت حل البرلمان للحزب الشيوعي السوداني في ستينات القرن الماضي، إثر حلف غير مقدس بينه وبين الصادق المهدي، ليجيء قرار المحكمة العليا ببطلانه. كان الاستاذ محمود من أشد المعارضين لذلك الحكم. وسطر معارضته تلك في كتاب تحت عنوان "زعيم جبهة الميثاق: في ميزان الثقافة الغربية والإسلامية"، انتقد فيه الدكتور الترابي نقدا بليغا وقويا، كشف فيه بوضوح تهافت وسطحية، وضعف آراء وحجج الترابي القانونية التي استند عليها، لتبرير ذلك العمل، وتنكره في ذلك، لأمانة الثقافة التي تلقى تأهليه الأكاديمي منها. وكعادته جاء نقد الاستاذ للترابي موضوعيا، موجها نحو آرائه لا شخصه. يلتمس ذلك بوضوح في مقدمة الكتاب البديعة التي جاء فيها:
"نحن إذ نستقبل هذا العمل، نؤكد، لمن عسى يحتاجون لتأكيد، أن شخصية الدكتور حسن موضع حبنا، ولكن ما تنطوي عليه من إدعاء، ومن زيف، في الثقافة الغربية، والإسلامية، هو موضع حربنا. ونحن إذ ننقد الدكتور حسن لا ننطوي على مرارة، إلا بالقدر الذي يؤكد معنى ما نريد، شأن من تدفعهم الغيرة الى حب الخير للأشياء والأحياء. "

قارن بين هذه الكلمات النيرات وبين ما قاله دكتور الترابي غداة اغتيال الاستاذ، حين سئل عن رأيه في الموضوع. فشتان ما بين هذا وذاك. فلا مقارنة أصلا ..

النموذج الثالث: الدكتور مصطفى محمود:


ألف الاستاذ كتابا ضافيا بعنوان "القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري"، ردا على كتاب للدكتور مصطفى محمود بعنوان "محاولة لفهم عصري للإسلام". تناول الاستاذ محمود فيه، جملة القضايا التي تطرق لها كتاب الدكتور مصطفى محمود، وقدم نقدا مستفيضا لاراء الدكتور ، وبين خطلها، وخطورتها على النشأ، ووصفها بأنها قول في أدق أمور الدين بغير علم، وانما هي الخواطر الفطيرة، الفجة، تسجل تسجيلا وترسل إرسالا. قال الاستاذ ما قال دون أن ينطلق في ذلك من مرارة شخصية. يتبين القارئ هذا بوضوح في خاتمة الكتاب، والتي هي اشبه بالرسالة الشخصية للدكتور مصطفى محمود. حيث جاء فيها:
"أما بعد فهذا هذا!!
ولقد فتح كتاب الأستاذ الفاضل الدكتور مصطفى محمود أبوابا في الدين حاولت تتبعها واحدا واحدا، ولقد ختمت كل باب منها وفي النفس شيء لا يزال يتوق إلى أن يقال.. ولكن لا بد من الإيجاز، فإن لكتابي هذا حجما يحسن أن ينتهي إليه، وألا يتعداه، وذلك لاعتبارات شتى..
لم أجامل الدكتور الفاضل، ولم أتحامل عليه.. وما ينبغي لي.. ومن الجائز أن القلم قد جرى، في بعض المواطن بعبارات تشتم منها رائحة العنف.. فما أريد، هنا، أن أعتذر عن شيء منها، فقد كنت أستخدم من الكلمات ما يؤكد معنى ما أريد..
.. ولقد وظف الأخوان الجمهوريون حياتهم لبعث هذه السنة المطهرة.. هم يعيشونها اليوم ويدعون الناس إلى أن يعيشوها، وأنت مرجو فينا.. وفقك الله، ورعاك، وأنجح مسعاك، وحفظ دينك، ودنياك.."

بهذا الكلمات الدافئات ختم الاستاذ كتابه عن الدكتور مصطفى محمود، ورجاه في لطف بين أن ينضم اليه في دعوته .. ودعا له في صدق وإخلاص بالتوفيق، شأن من جعل وكده، واوقف حياته، توصيل الخير للأحياء والأشياء.
في ذات الإتجاه، كان الاستاذ محمود، دائما ما يذكر تلاميذه، في علاقتهم مع خصومهم، بقوله لهم "ما تكره البعيد .. اكره بعده.. ما تكره الكافر.. اكره كفره". أي التركيز على الرأي لا على صاحب الرأي .. على الموضوعي لا الذاتي.

خاتمة


لاغرابه في موقف الاستاذ هذا من خصومه. فقد إستند في ذلك إلى إرث صوفي تليد، وتجربة روحيه ثرة، وما نتج عنها من علم لدني يراه كل ذو بصيرة، وإن خفي على أقوام. وبفضل هذه التجربة، وما سطره يراعه من إنتاج فكري غزيز، وبفضل كتاب حياته الوارف وسيرته العطرة، أصبحنا نفهم الوجود فهما مختلفا عما ألفه الناس.. اصبح الوجود في أعيننا كله خير .. لا شر فيه إلا بما نراه نحن شر. فإبليس الذي يجسد عندنا معنى الشر، كان وجوده ضروريا لأنه به اكتملت ثنائية الوجود من خير وشر، بما إقتضت به حكمة التعليم. وهو في تجسيده للشر، برفضه السجود مع الملائكة، قد أسدى أعظم خير للانسان، وساهم بذلك مساهمة كبرى، في تطور الانسان وحفزه في المراقي. وقس على ذلك، أن دعوة الاستاذ محمود منصورة، بأصدقائها وبأعدائها. ومن يدري قد يكون الاعداء أبلغ الرسل. فالإسلام نصر بأبي بكر ونصر بأبي جهل، وإن لم يدري، مع تفاوت في الجزاء.. ولله جنود السماوات والأرض. حينها نفهم عن الاستاذ ما ذهب إليه، أن كل مخلوق مرحوم في نهاية المطاف، وهذا يشمل إبليس.. ذلك لأن الإرادة الإلهية غالبة. واقتضى هذا أن يكون عذاب النار مرحلي، بإنتفاء الحاجة إليه، والغرض منه.