((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search

عرض موجز لكتاب د. جعفر نجم نصر
"الإسلام الكوني والاسلام العربي محمود محمد طه والحل الصوفي للشريعة" (١-٣)

خالد الحاج عبد المحمود


رفاعة - ١ سبتمبر ٢٠٢٠م

​بسم الله الرحمن الرحيم


لقد وفر لي الاخ د. محمد صادق جعفر، كتاب د. جعفر نجم نصر، المذكور اعلاه.. الأمر الذي اتاح لي الفرصة لعرض الكتاب.. د. جعفر من الاكاديميين والمفكرين العرب الذين اشتركوا في الاحتفال الاخير بذكرى الاستاذ محمود.. وقد تم هذا الاحتفال بفضل الله، ثم بفضل الدكتور حيدر ابراهيم، وبالمشاركة مع جامعة النيلين، وكان عملا رائعا، قام فيه الاخ عبدالله الفكي البشير كعادته بدور اساسي، وشارك في الاحتفال عدد من الاكاديميين والمفكرين العرب، من الرجال والنساء، من دول مختلفة.. وكان لمشاركتهم الدور الاكبر في اثراء الحوار الذي قام عليه الاحتفال.. وقد استضافت جامعة النيلين الاحتفال، وقد قام الاحتفال بقاعة وزارة التعليم العالي، الواسعة المؤهلة.. كما شاركت مديرة جامعة الخرطوم في الاحتفال.. وقد شاركت الحكومة ممثلة في رئيس الوزراء وبعض اعضائها الآخرين، مشاركة رمزية، في الوقفة التي تمت بمنزل الاستاذ محمود محمد طه.. كما كان لتلفزيون السودان دور هام في المشاركة، خصوصا في الافتتاح،​​ وفي استضافة بعض المفكرين العرب من المشاركين، في فيلم وثائقي اذاعه على الجمهور.. بالاضافة إلى عدد كبير من المفكرين السودانيين الذين شاركوا في الحديث، وفي الحوار.. الشكر كل الشكر لمن ساهم في هذا الاحتفال ممن ذكرناهم او لم نذكرهم.
انا هنا بصدد عرض موجز جدا، لكتاب د. جعفر المذكور.. اقصد عرض وليس مناقشة!! فالكتاب، مثله مثل احاديث وكتابات المفكرين الذين اشتركوا في الاحتفال، يتسم بالموضوعية والصدق والامانة الفكرية.. وهذه صفات يقوم عليها العمل الفكري، والبحث الاكاديمي، فهي الوضع الطبيعي ولا تحتاج منا إلى إشادة.. ولكننا نشيد بها، لما عانيناه من ظلم شديد ومفارقة تامة لقيم الحوار الحر، من الجماعات السلفية، والاخوان المسلمين والمؤسسات الدينية، في داخل السودان وخارجه.. فطوال حركة الجمهوريين، كانت فكرتنا تتعرض لتشويه غريب جدا، ولا علاقة له بالفكر ولا بالدين.. كان خصوم الفكرة ينسبون للفكرة مفارقات دينية كبيرة وخطيرة، ليست لها أي علاقة بالفكرة.. ويقومون ببتر النصوص لاستخراج اتهامات باطلة، وينسبون إلى الفكرة أشياء ليست منها، بل في كثير من الأحيان عكس ما تقول به الفكرة!! فمثلا عن موضوع العقاب ليس أصلا في الدين وانما هو أمر مرحلي جاء قول الأستاذ محمود: "وحين يصبح العقاب سرمديا يصبح انتقام نفس حاقدة لا مكان فيها للحكمة وعن ذلك تعالى الله فيها علواً كبيراً..".. حذفوا عبارة (عن ذلك تعالى الله علواً كبيرا)، ليقولوا رجل يتهم ربه بالحقد! ولما صدر كتاب "الإسلام برسالته الأولى لا يصلح لانسانية القرن العشرين"، أحدثوا ضجة ضخمة كلها تدور حول أن الاستاذ يقول بأن الاسلام لا يصلح لإنسانية القرن العشرين.. وجاء قولهم : (ما هي إنسانية القرن العشرين وحضارته؟ أهذا التفسخ الذي يجتاح عالم الغرب من خنافس وهيبيز حضارة أو إنسانية؟ ألمثل هذا القرن المنحدر نحو الهاوية لا يصلح الإسلام وهو الذي أصلح الجاهلية الأولي؟ إن الإسلام دين كل زمان ومكان، دين الحياة والحقيقة، منجاة الإنسان من الانحدار، لا يمكن إلا أن يصلح لزماننا هذا مثلما صلح لزمان آخر..).. وجاء قولهم: (إنسانية القرن العشرين المتفسخة، إنسانية القرن العشرين الطائشة، الانسانية الداعرة..).. وكان رد الأستاذ محمود: (نعم إنها إنسانية القرن العشرين المتفسخة الطائشة الداعرة!! الإنسانية دي لا تزال في ما يريده ليها الله لغاية اليوم.. والله ما هجرها.. الله ما تركها، الناس خلق الله، وعباد الله.. والله بحبهم.. لكن الله بسيِّرهم ليه برجلين. بسيرهم ليه برجل المادة، وبسيرهم برجل الروح.. وفي كل المضمار الناس ماشين لي الله.. حتى أفجر الفجور، لما تشوفه، هو بارادة الله، لكن الله ما بيرضى ارادتو دي.. دا برضه من دقائق المعرفة بالدين.. الله يريد حاجة وما يرضاها.. الله يريد الكفر، ولكن لا يرضى إلا الايمان.. ربنا قال: ((إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ، وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ، وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ..)) يعني، لما قال ربنا ((ان تكفروا فإن الله غني عنكم)) الغني الما بيغلب.. ومعنى الكلام دا انو أن كفرتم ما كفرتم مغالبة لله، تعالى الله عن ذلك، وإنما كفرتم بإرادته.. ولكن الارادة دخلت فيها الضدية.. ((الثنائية)) الخير والشر دخلوا بالارادة.. الكفر والايمان دخلوا بالارادة .. ربنا يقول: ((وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله، ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون)) ولكن ربنا أرسل الرسل لينقلونا من أرادته الى رضاه.. هنا، لما نكون نحن في حالة من حالات الفجور.. في حالة من حالات التحلل.. في حالة من حالات الجري وراء الدنيا.. في حالة من حالات التقدم المادي، زي ما نحن في حضارتنا الحاضرة، نحن سايرين لي الله في مضمار إرادته.. سايرين في هذه الحالات لي الله بالضلام – إن شئت – لأنو الله بيسوق ليهو الإنسان بالنفس ((وهي ضلام)) وبالروح ((وهي نور)) بالصورة دي .. زي ما الزمان بسير بالليل والنهار - اليوم نصو ليل ونصو نهار – كذلك البشرية ماشة لي الله بالمادة ((الضلام)) وماشة ليهو بالروح ((النور)) .. وهي، عندما تكون في حالة المادة، في السير، كأنها قدمت رجل المادة في السير، دا البنسميه نحن الضلال، والتفسخ، والطيش، والمجون، وأحسن منه أن تقدم رجل الروح .. أن تجي الهداية .. ولكن ما من شك أنها جاية .. زي ما الإنسان ساير برجلين، يمين، وشمال، وأنت إذا رأيته في سيره مقدما رجله الشمال، لا تشك في أنه سيقدم رجله اليمين بعد أن يثبت رجله الشمال في الأرض.. الإنسان ماشي لغايته عندما يقدم رجله الشمال كما هو ماشي عندما يقدم رجله اليمين.. وهو ماشي لي الله في جميع الحالات، لكن الاختلاف أنو لما أستعمل المادة بغرض المتعة، والترف، وحب الدنيا، واتباع الشهوات، دا ضال.. وهو لا بد سيهتدي فيستعمل المادة نفسها بوعي، واعتدال، وقصد، وبغرض القرب من الله.. ويكون بذلك مهتدي .. الموضوع المهم أن إنسانية القرن العشرين لأنها منحلة، ولأنها ضالة، ولأنها متفسخة، هي بحاجة الى الإسلام أكثر منها لو كانت مهتدية.. وكل إنسان بيفهم يدرك أن الحيرة مطبقة في الأرض كلها، وأن خلق الله، حيث وجدوا، هم في التيه، هم حائرين.. هم ضالين، هم فاقدين حاجة.. كل الحركات اللي نحن بنشوفها في طلابنا، وفي طلاب العالم، في شبابنا، وفي شباب العالم، في رجالنا ونساءنا، وفي رجال العالم ونساء العالم.. انو البشرية في التيه بتبحث عن الله.. وهذه هي الحاجة الى الإسلام..)..
وقد وصل التشويه، ان يقولوا مفارقات وينسبوها للفكرة، وهي ليست منها، ثم انهم يزعمون انها موجودة في الكتاب الفلاني، في صفحة كذا.. وهو زعم كاذب.. مثلا يقولون ان الأمر الفلاني موجود في كتاب الرسالة الثانية صفحة 277.. مع ان كتاب الرسالة الثانية عدد صفحاته اقل من 277 صفحة!! الشاهد انه طوال تاريخنا في الحركة، كنا دائما بصدد تصحيح تشويه، مثل الذي ذكرنا.. هم لم يناقشوا الفكرة قط!! وإنما ناقشوا أمور مخالفة للفكرة، نسبوها لها من عندهم!!
من أجل ذلك عندما نجد مفكرين من أمثال د. جعفر، والآخرين، يكتبون كتابة موضوعية، وتقوم على الأمانة الفكرية، فإننا نشيد بذلك أشد الإشادة، رغم علمنا ان هذا هو الأمر الطبيعي في كل حوار حر!! ولكن هذا الأمر الطبيعي، غاب تماماَ في احاديث وكتابات جماعات الإسلام السلفي، والاخوان المسلمين، طوال التاريخ، وإلى اليوم!!

الكتاب:


صدر كتاب د. جعفر نجم نصر تحت اسم (الاسلام الكوني والاسلام العربي: محمود محمد طه والحل الصوفي للشريعة) الكتاب يقع في اربعمائة صفحة.. وهو يقوم على ثلاثة أقسام.. القسم الأول عن الشريعة بين الشفاهية والتدوين / جذور التشكيل.. والقسم الثاني: محمود محمد طه من تجربة التصوف إلى تجربة الاصلاح/ بين الإرث واعبائه.. اما القسم الثالث فبعنوان: محمود محمد طه ومنهجية التحديث وقضاياه.. واهداء الكتاب جاء كما يلي: إلى روح الاستاذ الأكبر محمود محمد طه.
وكما ذكرت فانني ساعرض الكتاب بصورة موجزة جداً.. كجمهوري فإنني اقول ان كل القضايا التي تناولها الكتاب، تم عرض اراء الاستاذ محمود فيها بدقة وامانة.. ولا أجد انني اختلف معه في شيء من هذا العرض.. بالطبع د. جعفر ليس جمهورياً، ونحن لا نطالبه بالدقة التي نطالب بها الجمهوري.
نبدأ باسم الكتاب، فهو اسم معبر جدا عن محتوى الكتاب، وملخص له.. وكما ذكرنا اسم الكتاب(الاسلام الكوني والاسلام العربي).. هذا الاسم يشير إلى الرسالة الثانية بعبارة (الاسلام الكوني) وهو يعني الإسلام الذي قال عنه المعصوم "بعثت للناس كافة".. وقال عنه تعالى: "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا".. هذا هو الاسلام الذي يقوم على أصول القرآن، وهو للناس كافة، وهذا هو مستوى الرسالة الثانية التي يدعو لها الأستاذ محمود، وهي تقوم على بعث السنة.. اما عبارة (الاسلام العربي)، من عنوان الكتاب، فهي تشير إلى الرسالة الأولى، وهي رسالة خاصة بأمة معينة، هي أمة المؤمنين، وهي تقوم على فروع القرآن، مستوى الشريعة، الذي ناسب الناس في القرن السابع الميلادي، عند البعث الأول.
ما جاء في مقدمة الكتاب يدل على رؤية واضحة، وصحيحة، لدعوة الأستاذ محمود.. وقد تم عرض بعض ما جاء في المقدمة في الصفحة الأخيرة للكتاب، ونحن نعرضه هنا، حتى يرى القراء وضوح رؤية الكاتب.. جاء في المقدمة: (أطل الاستاذ محمود محمد طه على العالم برؤية مغايرة كليا لكل المحاولات السابقة التي حاولت اصلاح الاسلام وتحديثه، فهو على الرغم من أنه استلهم من (التأويل الصوفي) ومنهجية (النسخ والارجاء) من داخل دائرة الاسلام، الا أنه لم يرفض أو يتنكر للمناهج العصرية او القراءات التجديدية/ النقدية للاسلام وللشريعة على وجه الخصوص.. أنه وجد بحسب توجهاته الصوفية ان المدار الاصلي هو في (سنة النبي) في خاصة نفسه التي يجب أن نسعى أن نتأسى بها، وان الشريعة بآيات الفروع المدنية لم تكن الا تشريعات وقتية لذلك العصر، وأنها ليست من أصول الاسلام الجوهرية والتي مثلتها آيات الاصول المكية، وأنها أرجات او نسأت الى زمن اخر بعد تهيئ الانسانية لها، وذلك بعد ان تبلغ درجة المدنية والاهلية الكاملة لكي ترفع عنها قيود الحرية.. فوجد الاستاذ طه ان القرن العشرين بكل تحولاته ومتغيراته آنذاك كان الأنسب لكي ترتفع القيود بعد ان يجعل الآيات المكية (ايات الاصول) هي الحاكمة والضابطة للسلوك الانساني بوصفها آيات عالمية، وتعطيل الايات المدنية (ايات الفروع) بوصفها آيات زمكانية -خاصة لمرحلة محلية-عربية- خاصة للغاية، وبذلك يغدو الاسلام (وشريعته) ملائما لحاجات العصر ومتطلباته.. ان الاستاذ طه وبحسب اطروحته تلك، قدم السقف او الحد الأعلى، من التجديد، الذي لا يمكن لأحد ان يقدم أعلى منه، بحسب اعتقادي.. وإن ميزته في ذلك انه جاء بمشروعه الاصلاحي والتجديدي للشريعة من داخل المادة الإسلامية نفسها، ومن مناهجها الخاصة للغاية، الا وهو "التأويل الصوفي" فضلاً عن منهج "النسخ والإرجاء".. ان اطروحات الاستاذ طه لم يكن بالامكان اعادة قراءتها قراءة شمولية دقيقة كيما يتبين مساراتها ومغزاها، من دون اعادة موضعتها في سياقاتها الثقافية، والاجتماعية والسياسية وحتى الاقتصادية التي حفت بها، فضلا عن العودة بها إلى ذاكرة دينية مثلت "تأسيس العقل الاسلامي" وبين مخاض روحي/ ذاتي "التجربة الصوفية للأستاذ" التي ميزت تصوفه الذي تجاوز النزعة الفردية إلى المجتمع بعموم اطيافه، وبين ارث اصلاحي ثقيل "عصر النهضة الاسلامية وجهودها الاصلاحية"، إلى معاصرة دولة سودانية وليدة هشة عاشت اوهام "تطبيق الشريعة".. بين كل ذلك وسواه، كان الاستاذ طه يتحرك مجدداً ومصلحاً ومعلماً صوفياً متفرداً بمنهجه الجديد.. ونحن إزاء ذلك كله كنا بحاجة إلى أسس وقواعد ومقدمات نبين على ضوئها أطروحات الأستاذ التي لم تكن مفصولة عن كل ذلك.. إنها مخاضات كبرى عاشها هذا الرجل المصلح، فجاءت رسالته الثانية للاسلام بمثابة الطريق القويم الذي لا يمكن إلا سلوكه والعبور به نحو اسلام كوني / عصري/ عقلاني الا وهو إسلام آيات الأصول المكية، انه اسلام "أمة المسلمين" التي جاء طلائعها، وهو في مقدمتهم).
هذا بعض ما جاء في المقدمة، وهو كافٍ جداً لإبداء صورة عن الكتاب، وما يتمتع به من دقة وموضوعية.
نحن في عرضنا سنتجاوز القسم الأول، والذي هو عبارة عن خلفية تاريخية تتناول قضية الذاكرة الدينية، والشريعة وتشكيل العقل الإسلامي.. وهو فصل يعتبره الكاتب ضروري كمدخل للموضوع.. ونذهب مباشرة إلى القضايا التي تتعلق بدعوة الاستاذ محمود بصورة مباشرة.. ونحب ان نشير هنا إلى ان الدكتور يجري في كل قضية، العديد من المقارنات، لمجموعة من المفكرين ولتناولهم للقضية المعينة.. يقارن بين آرائهم وآراء الأستاذ، ويبين افضلية آراء الاستاذ في القضية المعينة، كما يبين كيف انها أكثر صحة من الآراء الاخرى.
نحن سنذهب مباشرة إلى القسم الثاني وما اسماه الكاتب: التجربة الصوفية عند الاستاذ محمود.

التجربة الصوفية:


في بداية الفصل تناول الكاتب معنى التجربة الصوفية وخصائصها.. وحول هذا الموضوع تعرض د. جعفر لآراء العديد من المفكرين العرب وغير العرب، ومن أهمهم ولتر استيس المفكر الامريكي الكبير.. نحن سنتجاوز اقوال جميع هؤلاء المفكرين.. تناول الدكتور موضوع "الرسالة/ النبوة/ الولاية"، وقال في هذا الصدد: "يذهب الاستاذ طه بازاء توضيح اعمق لثلاثية " الرسالة / النبوة / الولاية"، وينطلق مرة اخرى من الحديث النبوي: "قولي شريعة، وعملي طريقة، وحالي حقيقة"، قائلا اثرها: (فإنها تشير إلى مراتب مقامه الثلاث: مرتبة الرسالة، ومرتبة النبوَّة، ومرتبة الولاية.. فأما مرتبة النبوَّة فإنها الأصل، وهي وسط بين طرفين: من أعلاها الولاية، ومن أسفلها الرسالة.. ذلك بأن النبوَّة عندما استوت انبثقت منها الرسالة كوظيفة.. ثم هي كلما زادت استواء تسامت إلى مراتب الولاية، في الفينة بعد الفينة.. هذا ما من أجله قررنا أن النبوة أصل..).. ويواصل د. جعفر فيقول: (والمراتب الثلاث لمحمد صلى الله عليه وسلم تشير إلى انواع استحصلها فضلا عن كونها تشير إلى تكليفه الالهي إزاء اي نوع او مستوى، من تلك العلوم التي ترتبط كل واحدة بمرتبة محددة، وللتدليل على ذلك يقول الاستاذ طه: "وعن مراتب مقامه الثلاث هذه قال، ليلة عرج به: (سألني ربي يا مُحمّد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت أنت ربي أعلم، فوضع يده على كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، فأورثني علم الأولين والآخرين.. وعلمني علوماً شتى: فعلم أخذ علي كتمانه، إذ علم أنه لا يقدر على حمله غيري، وعلم خيرني فيه، وعلم أمرني بتبليغه إلى العام، والخاص، من أمتي، وهي الإنس والجن..) فالعلم الذي أمره بتبليغه للخاص والعام من الأمة، هو علم الرسالة، وهي تشمل القرآن المقروء بين دفتي المصحف، وتشمل تبيّين هذا القرآن، في التشريع، في مستوى حاجة الأمة.. وفي التفسير في مستوى طاقة الأمة.. وهو قد قال: (نحن، معاشر الأنبياء، أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم) فالرسالة، إذن، لا تشمل تبيين القرآن كله، كما يظن بعض الناس، لا في التشريع، ولا في التفسير، فإن ذلك أمر ممتنع من جملة وجوه.. والعلم الذي خير في تبليغه يقع بعضه في حيز الولاية، ويقع سائره في حيز النبوة.. ويظن بعض الناس أن النبي مأمور بتبليغ كل ما وعى عن ربه، وذلك ظن شديد الدلالة على قلة بصر هؤلاء بحقائق الدين..".. ثم يذهب الكاتب بمقارنة لأقوال الاستاذ مع اراء محمد شحرور.. ثم يورد قول الاستاذ محمود: "والنبي، في ولايته، اكبر منه في نبوته".. ويقول د. جعفر: (لأنها شأن مشترك بين كل الانبياء لا خصيصة روحية فيه مثل الذي بالولاية بالمعنى الصوفي والتي كانت للخضر..).. ثم يواصل نص الاستاذ: "ذلك بأنه في النبوة يتلقى عن الله بواسطة جبريل، ولكنه في ولايته يتلقى عن الله كفاحا، وقد رفعت الواسطة من بين الرب والعبد.. وإنّما عن ذلك أخبر ليلة المعراج، حين أخبر أن جبريل، عندما انتهى إلى مقامه عند سـدرة المنتهى، قال له: ها أنت وربك، وتخلف، فقال: أهذا مقام يترك فيه الخليل خليله؟ قال: هذا مقامي، ولو تقدمت خطوة لاحترقت!! (فزجّ بي في النور)، وهو يعني هنا نور الذات، وليس لجبريل بنور الذات طاقة، لأنه لا ذات له، (لا نفس له)، ومن ههنا بدأت ولاية النبي.."..

خالد الحاج
رفاعة في 1 / 9 / 2020م