((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search

عرض موجز لكتاب د. جعفر نجم نصر
"الإسلام الكوني والاسلام العربي محمود محمد طه والحل الصوفي للشريعة" (٢-٣)

خالد الحاج عبد المحمود


رفاعة - ٥ سبتمبر ٢٠٢٠

​بسم الله الرحمن الرحيم


التأويل الصوفي للقرآن:


تحت هذا العنوان تحدث د. جعفر عن التأويل عند الاستاذ محمود.. وبدأ بربط الموضوع بمستويات المعرفة الثلاث، التي قال بها الاستاذ محمود وسائر المتصوفة، وهي: الشريعة والطريقة والحقيقة.. وقد سبق للدكتور التعرض لهذه المستويات، ولكنه يتعرض لها هنا، من منطلق (التأويل الصوفي)، الذي اعتمده الاستاذ محمود بوصفه منهجاً اساسياً في استخراج المعاني، وكافة القضايا، أو المسائل الجوهرية التي انبنى عليها فهمه لتلك الثلاثية آنفة الذكر، ولمسألة الفروقات بين: النبوة والرسالة والولاية.. يقول الدكتور: (وقد جاء مكانه هنا بحسب المنطق الصوفي الذي امتلكه الاستاذ، إذ لولا سلوكه العرفاني، ومدارجه الروحية التي مر بها في سياقات المعرفة التي استحصلها، لما نال "المنهج التأويلي" الذي اعتمد فيما بعد، فالمعرفة الصوفية التي استحصلها عبر انتقاله من الشريعة والطريقة إلى الحقيقة اهلته ليمتلك تلك الاداة المعرفية "الذوقية" لاستخراج باطن القرآن ومعانيه الروحية، فلهذا جاء "التأويل الصوفي" نتيجة لتجربته الروحية، وخلاصة لها..).. ولم يتحدث د. جعفر عن تجربة الاستاذ الروحية إلا في الفصل التالي.
بعد هذا ذهب د. جعفر، في حديث مطول عن دلالات التأويل الصوفي.. وهو حديث استمر من صفحة 145 إلى 235.. وقد تعرض للعديد من الصوفية المسلمين وغير المسلمين.
ثم عاد ليتحدث عن الوضع في السودان وتأثره بموجة الأصوليات الاسلامية الصاعدة.. وتحدث عن حركة الاخوان المسلمين في السودان.. ثم عاد ليتحدث عن الاستاذ محمود، فقال: (اسس الاستاذ محمود محمد طه الحزب الجمهوري عام 1945م، وكان حزباً مدنياً، يؤمن بالديمقراطية، ولعل هذا الأمر يعد دليلاً على وعي سياسي واجتماعي مبكر بأهمية إقامة الدولة المدنية، في عصر كانت الدعوة إلى العودة إلى الاسلام "ديناً ودولة" هي الشغل الشاغل لأغلب المجتمعات الاسلامية، ما عدا الحركات اليسارية أو الاشتراكية..).. ثم تناول موضوع ملء فراغ الحماس، والمواجهة مع الاستعمار الانجليزي، تلك المواجهة التي ادت إلى سجن الاستاذ مرتين في آخر الاربعينيات، وهي قد كانت بداية الخلوة.. وعلى ذلك فترة الخلوة هي خمسة أعوام.. عامان بسجن كوبر، وثلاثة أعوام بالمنزل.. وهذه الخلوة هي نقطة التحول الأساسية، وهي التي أدت إلى وصول الفكرة عند صاحبها، وحددت المنهج الديني الذي تقوم عليه الفكرة، وهو منهج السنة، الذي يقوم على العمل، وليس مجرد التنظير.. فقد كان الأستاذ يعمل على تقليد المعصوم في سنته في العبادة، ومن ها هنا جاءت الصلة بالله، والمعرفة، التي ترجمت فيما بعد في المحتوى الاسلامي الذي دعى له الأستاذ محمود.
موضوع الخلوة هذا، الذي أسماه و جذور التجربة الصوفية، هو أهم موضوع لأنه حدد المنهاج، الذي قامت عليه الفكرة.. منهاج العمل الذي يقوم على قوله تعالى: "وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ".. ثم بعد ذلك تنزلت تفاصيل الفكرة.. وجاءت الدعوة إلى طريق محمد صلى الله عليه وسلم، و هو المنهج الذي قام عليه عمل الأستاذ في خلوته، وهو ما أصبح يدعو إليه كل الناس.. فأصدر في ذلك كتاب (محمود محمد طه يدعو إلى طريق محمد).. ومن الناحية العملية منهاج الطريق هو كل دعوة الأستاذ محمود إلى بعث السنة.. وما (الرسالة الثانية) إلا ثمرة هذا المنهاج، وتفصيل لقضايا السنة في المجالات المختلفة، كما ظهر في كتاب الرسالة الثانية.
نقل د. جعفر نصاً مطولاً للأستاذ محمود عن بداية الدعوة للفكرة الدينية، وأشار إلى كيف أن عدد من جمهوريي الحركة الوطنية، تركوا الحزب عندما أصبح دعوة دينية، وليس مجرد حزب سياسي.. ولخص د. جعفر بيان الأستاذ المذكور في خمس نقاط هي:
أولاً: إن مرحلة المواجهة الحماسية للاستعمار، انتهت، لأنها كانت متلائمة في سياقاتها حينئذ.
ثانياً: أنه يؤمن ببعث الأسلام عبر أطروحات دينية جديدة، والفكرة الدينية بالنسبة له هي الأهم في العمل السياسي للحزب، أي أنه يريد للإصلاح الديني أن يأخذ مجراه.
ثالثاً: إنه يبين أنه لا يطلب مناصب سياسية أو مطامع دنيوية عند تأسيسه لهذا الحزب، و أن الأمثل لديه هو انبعاث الإسلام بشكل حضاري جديد، فلهذا إنفض من حوله طلاب المناصب من جهة، والذين لم يدركوا المغزى الأساسي لتلك الأفكار الدينية الحديثة من جهة أخرى.
رابعاً: إنه يبين على أن عزلته ومن ثم خروجه بمشروعه الاصلاحي هذا لا يمكن أن يطبق داخل المجتمعات من دون أن يبدأ الجمهوريون (أعضاء الحزب) بالمسير عليه وهو عينه كما يقول (طريق محمد).
خامساً: إنه يبين أنه مر بتجربة صوفية فعلية، وكان على بصيرة تامة، وان الغموض هو عند من لم يفهم مشروعه أو أساء فهمه غير متعمد أو عن قصد وترصد (كما فعل الإخوان المسلمون).
ثم تعرض د. جعفر للمعارضة التي لقيتها دعوة الأستاذ محمود من الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السلفي داخل السودان وخارجه إلى أن وصل الحديث إلى محكمة الردة نوفمبر 1968م.. ولاحقاً استعرض كتاب "بيننا وبين محكمة الردة" وما ورد فيه من ردود على إدعاءات الأشياخ الذين كانوا وراء المحكمة.. ثم تناول دعوة الدستور الإسلامي التي قام بها د. الترابي وحزبه، بسند من الطائفية، وجماعات الإسلام السلفي، وذكر مقاومة الأستاذ محمود وتلاميذه لهذا النشاط الذي جرى باسم الدستور الإسلامي.. ثم قال: (وبوجه عام، كانت الأجواء آن ذاك تشير إلى استمرارية الجهود لإيجاد طريقة ما، للقضاء على فكر الأستاذ محمود، بعد أن فشل حكم الردة الذي صدر ضده في عام 1968 في إيقاف نشاطه وحركته.. فحكم الردة لم يزد حركته في واقع الأمر إلا اشتعالاً واتساعاً.. استمرت المؤامرات ضده منذ نهاية الستينيات وعبر حقبة السبعينات، وقد وثق الأخوان الجمهوريون، تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه في عدد من كتبهم ومنشوراتهم، المحاولات الجمة للمؤسسات الدينية السعودية، والأزهر ورابطة العالم الإسلامي، وغيرها من الجهات الحريصة على تكريس حالة الجمود الفكري في العالم، بالاتصال بالسلطات السودانية، من أجل إيقاف حركته وحط فكره، ووجد المتآمرون أخيراً ضالتهم في الرئيس السوداني الأسبق، جعفر نميري، وهو يحاول في النصف الأول من الثمانينات ستر عورات محكمة المهلاوي، بمحاولة فجة لتطبيق الشريعة الإسلامية.. ثم تناول مواقف د. منصور خالد ضد استغلال نميري وجماعته: الاخوان المسلمين، للدين، ذلك الرد الذي ورد في كتاب "الفجر الكاذب/ نميري وتحريف الشريعة".. ثم تناول تأييد الترابي وجماعته لنميري، ومبايعتهم له، فقال: (ولقد بلغت ذروة تمادي الحركة الإسلامية بزعامة الترابي في تأييدها للنميري، أن تعلن البيعة المطلقة له، ولعلنا خبرنا الانتهازية المستمرة للإسلام السياسي في عدة بلدان ومجالات، ولكن في السودان بلغت انتهازية الإسلاميين ذروتها، وهم يهللون بتطبيق الشريعة.. إذ وقف الترابي مبايعاً في قرية أبو قرون مثنى وثلاث ورباع، ما غشته خشية من ألا يعدل.. وسمى نميري في خطاب منشور بود مدني، بأنه مجدد المائة.. وبهذا ساوى النميري مع الإمام الشافعي مجدد المائة الثانية، والإمام الباقلاني مجدد المائة الرابعة.. ولم يقف الدكتور العالم عند ذلك، بل أخذ يتبارى مع الإمام المجدد (نميري) في تشهيره العلني بأهل السودان حتى كدنا نظن أن بلادنا أصبحت هي سدوم هذا القرن!! ومضى الحال بالدكتور إلى حد تبرير الإسراف في أحكام القطع (قطع اليد)، بعد إعلان حالة الطوارئ في أبريل 1984م.. فعل ذلك مرة أخرى في الخرطوم وثانية في الكويت.. وهو يقول بأنها ضرورة إسلامية تستوي مع ما اتخذه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من إجراء لحماية النظام.
ويقول: (أما الجهة الأخرى، جهة الإصلاح الديني، وفهم الإسلام بطريقة عصرية، فجاء الرد المباشر بالبيان الموسوم (هذا أو الطوفان) الذي أصدره الأستاذ طه، و الذي نذكر أهم فقراته:
أولاً: أما قوانين سبتمبر فإنها أساساً لم تقم على علم، وإنما قامت كمناورة سياسية لتثبيت عرش نميري المتهاوي، فكانت مؤامرة على الشعب وعلى الدين.
ثانياً: إن نميري وثالوثه المشرع، قد ساروا بالحدود عكس روحها وغايتها وهدفها، فاتجهوا للتضييق وتوسيع دائرة التجريم والإدانة بأوسع مدى، وشوهوا الإسلام، وأظهروا مساهمته في الحياة الحديثة و كأنه مؤسسة حساب وردع وإرهاب.
ثالثاً: قوانين سبتمبر على زيفها وقسوتها قد اختار لها الإمام قضاءً خاصاً تابعاً للقصر وللثالوث، ووجدوا قضاة رضوا بأن يجلسوا لمحاكمة المواطنين محاكمة ايجازية بعد أن حرموا من حقهم الدستوري.
رابعا: نطالب بالغاء قوانين سبتمبر ونعتبر واضعيها ومنفذيها والمبايعين عليها هم سدنة السلطة الحقيقين، والمجرمين الحقيقين في حق الشعب وفي حق الاسلام.. وأصل منطلقنا في هذا الموقف هو المنطلق الديني حيث نبريء الشريعة من وصمة وزيف قوانين سبتمبر.. وختم د. جعفر القسم الثاني من كتابه، بمحاكمة الاستاذ محمود، والحكم باعدامه.. فقد قال: (اثر هذا البيان وجراء كل المواقف السابقة للاستاذ طه، فقد تجرأ نظام النميري وبكل صلافة وادعاء للشريعة الدينية ان يحكم بالردة مرة ثانية على الاستاذ طه، وان يأمر باعدامه، ونفذ الاعدام فيه صبيحة 18 يناير 1985م..).
في تقديري أن أهم ما ورد في كتاب د. جعفر هو ما يتعلق بالجانب الديني في دعوة الاستاذ محمود، والخاص بالمنهاج، والأسس التي يتم عليها بعث الاسلام، ببعث السنة، وتصديه لتعريف السنة، وتمييزها عن الشريعة، بالصورة التي وردت عند الاستاذ محمود.. وتحدث د. جعفر عن موضوع التأويل عند الاستاذ محمود، ونسبه للتصوف.. كما نسب منهاج الاستاذ محمود في التدين بانه يقوم على التصوف.. اولا، نحن نحمد لد. جعفر اهتمامه بالجانب الديني، واعطاءه الاولوية، وهذا ما عليه حقيقة الأمر في دعوة الاستاذ محمود.. لكن معظم الذين تحدثوا عن دعوة الاستاذ محمود من المفكرين العرب ركزوا تركيزا واضحا على القيم الايجابية في الدعوة التي ترتفع إلى مستوى العصر بالصورة التي تخالف الاسلام السلفي.. معظمهم ركزوا على الجوانب الاجتماعية في السياسة والاقتصاد والاجتماع، وأسس المساواة بين الناس، وبين الرجال والنساء.. وكان هنالك قصور في جانب موقف الفكرة من الفرد، ومنهجها في تربيته على مكارم الاخلاق.. باختصار لم يجد الجانب الديني في دعوة الاستاذ محمود، وهو الاساس، الاهتمام الذي يليق به، عند العديد من الكتاب والمفكرين، كما وجد عند د. جعفر.. وهذا ما جعلنا نقف بصورة مطولة بعض الشيء مع الجزء من كتابه الذي تناول فيه هذا الموضوع.

تعقيب:


موضوعنا الاساسي هو عرض افكار د. جعفر التي وردت في كتابه المذكور عن دعوة الاستاذ محمود محمد طه.. ولكن لأهمية الموضوع الديني، وهو الموضوع الجوهري في الدعوة، نعقب تعقيبا موجزا على ربط د. جعفر دعوة الاستاذ بالتصوف.. هذا الربط من الناحية المبدئية هو صحيح!! لكن يحتاج إلى بعض الدقة في التمييز بين التصوف في المعنى العام، والتصوف كما هو عند الاستاذ محمود.. الاستاذ محمود شديد الاعزاز لكبار الصوفية، وهم عنده من حفظ الدين، والتزم بمنهجه الصحيح.. المنهج الذي يقوم على العمل، وليس التنظير، وهذا هو الاختلاف الأساسي بين الصوفية وبقية الفرق.. فالصوفية عند الاستاذ محمود هم انصار السنة المحمدية، وهذه هي ميزتهم على بقية الفرق الاخرى.. لكن الاستاذ محمود يقول بوضوح، إن تحديات العصر أكبر من الطرق الصوفية، ومشايخها، وليس لها الا محمد صلى الله عليه وسلم.. ويدعو إلى التخلي عن الطرق الصوفية، لأن الوقت قد تجاوزها.. فهو يقول مثلا: "لقد خدمت الطـرق الصوفية غرضا جليلا، في نشر الدين الحق، ولقد ربّت رجالا أفذاذا، كانوا منارات هدى، ومثابات رشد للأمة، عبر تاريخها الطويل، في ارتفاعه وانخفاضه، عندهم التمست دينـها وخلقهـا وتربيتها.. ولكن اليـوم!! فإن تحديات العصر أكبـر من الطرق وأكبـر من المشائـخ، وليس لها غير مُحمّد..".. وعن دعوة اصحاب الطرق من المتصوفة إلى طريق محمد، وبيان ان جميع الطرق الاخرى قد انغلقت، ولم تعد قادرة على ان تؤدي الدور الذي كانت تؤديه في الماضي، يقول الاستاذ محمود: "أما بعد، فإن الزمان قد استدار كهيئته يوم بعث الله مُحمّدا داعيا إليه ومرشدا ومسلّكا في طريقه.. وقد انغلقت اليوم بتلك الاستدارة الزمانية جميع الطرق التي كانت فيما مضى واسلة إلى الله، وموصلة إليه، إلاّ طريق مُحمّد.. فلم تعد الطرق الطرق ولا الملل الملل منذ اليوم.. ونحن نسوق الحديث هنا إلى الناس بوجه عام، وإلى المسلمين بوجه خاص، وإلى أصحاب الطرق والمتطرقين من المسلمين بوجه أخص..".. ويقول في موضع اخر: "ونحن ندعو جميع أصحاب الطرق إلى العودة إلى طريقة الطرق ـــ طريقة مُحمّد ـــ إذ بتقلّيد مُحمّد تتوحد الأمة ويتجدّد الدين، ونحـن، إذ نخـرج هذا النمـوذج من طريقة مُحمّد، إنما نفعـل ذلك على سبيل المثال، لا على سبيـل الاستقصاء، وهـو نموذج قـد يغني كثيرا من السالكيـن، ريثما تتفتح لهم آفاق الحقيقة المُحمّدية.. إننا نوصي بإدمان الاطلاع، على كتب الأحاديث، وكتب السيرة، ونخص بالذّكر صحيح البخاري، لمن أراد أن يتوسع عما جاء في هذا النموذج.. والله ولي التوفيق..".. ويقول: "إن مُحمّدا هو الوسيلة إلى الله وليس غيره وسيلة منذ اليوم.. فمن كان يبتغي الي الله الوسيلة التي توسله وتوصله إليه، ولا تحجبه عنه أو تنقطع به دونه، فليترك كل عبادة هو عليها اليوم وليقلّد مُحمّدا، في أسلوب عبادته وفيما يطيق من أسلوب عادته، تقلّيدا واعيا، وليطمئن حين يفعل ذلك، أنه أسلم نفسه لقيادة نفس هادية ومهتدية.. إن على مشايخ الطرق منذ اليـوم، أن يخرجوا أنفسهم من بين الناس ومُحمّد، وأن يكون عملهم إرشاد الناس إلى حياة مُحمّد بالعمل وبالقول فإن حياة مُحمّد هي مفتاح الدين.. هي مفتاح القرآن، وهي مفتاح (لا إله إلا الله) التي هي غاية القرآن، وهـذا هو السـر في القـرن في الشهادة بين الله ومُحمّد (لا إله إلا الله مُحمّد رسول الله)..".. وهذا ما يقوم به الاستاذ محمود مع تلاميذه، فهو مرشدهم ومسلكهم في طريق محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قد اخرج نفسه من بينهم وبين محمد.. فهو ليس شيخ طريقة، وإنما هو داعية لأن يكون المعصوم شيخ الجميع.. قلنا ان الصوفية هم انصار السنة النبوية الحقيقيون.. فمنهجهم يقوم على العمل في التقوى (واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم).. وهذا هو منهج الدين الوحيد، الذي لا منهج غيره.. هذا هو اصل اللقاء بين الاستاذ محمود والصوفية بصورة عامة وبصورة مبدئية.. لكن لحق بالتصوف الكثير من التبديل، وفقد مكانته التي كان عليها، ومدده الذي كان يمد به اصحابه.. ومع ان الصوفية كانوا على السنة بصورة مبدئية في الجوهر إلا أنهم ادخلوا منذ البداية على السنة اموراً ليست منها.. مثل السبحة والاوراد المحددة والتي لا تقوم على عمل النبي في خاصة نفسه، والتي تختلف من صاحب طريقة إلى صاحب طريقة أخرى.. كما ادخلوا على السنة الموسيقى والطرب واستخدموا آلآت مثل الطبل والمزمار والطنبور ... الخ.. كما أن علاقة الاتباع بمشايخهم لا تقوم على السنة، كما كانت علاقة الاصحاب بالنبي الكريم، وإنما ادخلوا صورا من الادب لاعانة المريدين على السلوك.. إلى غير ذلك من مخالفة للسنة.. وقد سميت هذه البدع، بالبدع الحسنة، وهي عندهم مأذونة، وقد لعبت دورها في تقريب الناس للدين، في الوقت الذي سادت فيه الامية.. اما اليوم فالوقت للسنة دون حاجة لأي زيادات.. الوقت للطريق الواحد (طريق محمد) عليه الصلاة والسلام.. فقد جعل مشائخ الطرق الصوفية انفسهم بين النبي والاتباع: "لا اله الا الله، محمد رسول الله، والجيلاني، او الشاذلي، او غيرهما، ولي الله..".. وقد آن الاوان ليخرج المشائخ انفسهم من بين النبي والناس، كما طلب إليهم الاستاذ محمود..
كما انه من الاختلافات الهامة، بين دعوة الاستاذ محمود للسنة، ودعوة الطرق الصوفية، ما كان يجري علي يدي رجال التصوف من كرامات، وخرق للعادات.. فالاستاذ محمود حريص جدا على أن ألا تظهر عليه ولا على احد من تلاميذه اي كرامات.. وهذا عنده امر اساسي، لاعتبارات اهمها ان الكرامة ترسخ العقيدة على حساب الفكر.. الاستاذ محمود يريد للناس ان يجيئوا للدين من خلال عقولهم، وعنده هذا ما يناسب اصل الدين، ويناسب العصر.. عنده الكرامة إنما هي للفكر فوق كل شيء.. والخوارق تؤدي إلى الانصراف عن الفكر إلى العقيدة، وهذا ما لا يريده الاستاذ.. وهنالك الكثير الذي يمكن ان يقال في هذا الصدد..
اعتقد أنه مما تقدم يتضح ان هنالك اختلاف اساسي بين دعوة الاستاذ محمود لبعث السنة وبين التصوف، رغم أنهما مشتركان في الاصل الواحد.. هنالك الكثير من الغموض والابهام عند الصوفية، عند الاستاذ محمود الدين يجب ان يعود إلى بساطته، ويخاطب الناس من خلال عقولهم في بساطة ودون ابهام وغموض، ومن اجل ذلك يحاول الاستاذ محمود أن يخاطب الناس في لغة بسيطة واضحة، قدر الامكان، وهو يحاضر دائما باللهجة السودانية الدارجة، حرصا على التفهيم.. المهم ان دعوة الاستاذ محمود ليست للتصوف، وانما للاصل الذي قام عليه التصوف _ السنة _ دون زيادة او نقصان.. فهو كما أنه يدعو لآيات الاصول، هو كذلك بالنسبة للمنهاج يدعو إلى الاصل وهو السنة.. من أجل كل ذلك أرى أن ربط الفكرة بالتصوف، بالصورة التي جرت على قلم د. جعفر، أمر يحتاج إلى تدقيق وإعادة نظر.. أكرر ان حديث د. جعفر من حيث المبدأ عن علاقة الفكرة بالتصوف صحيح، ولكن بالنسبة للتفصيل فيه نظر كما ورد.

خالد الحاج
رفاعة في 5 / 9 / 2020م