لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول

menu search

شهيد العشق التنويري
محمود محمد طه

د. محمود محمد علي محمد


١ أبريل ٢٠٢١

يعد الأستاذ “محمود محمد طه” (1909-1985) ، مفكر سوداني، مجدد العصر، رجل قومي، صوفي زاهد، حسن السلوك والأخلاق، ألف العديد من الكتب، وقدم الكثير من المحاضرات والندوات، وقام بالكثير من الأنشطة الأخرى في سبيل التربية والتوعية، ونشر الفكرة الجمهورية؛ كما عُرف بين أتباعه ومحبيه وأصدقائه بلقب (الأستاذ) الذي يسبق اسمه دائماً عند الحديث عنه (1)؛ ويشار إليه أحياناً باسم (غاندي إفريقيا) لرفضه العنف في مختلف صوره، من ذلك دعوته الرئيس السوداني “جعفر النميري” سنة 1971 إلى التسامح والعفو عن الشيوعيّين الذين نصبت لهم المشانق إذّاك واتهموا بالكفر. واعترض على قوانين سبتمبر 1983 المسمّاة بـ”قوانين الشريعة الإسلاميّة” (2)؛ كما لقب بالأستاذ “الشهيد” الذي شارك في واحدة من أكثر المحاولات الجديَّة أواخر القرن العشرين للتوفيق بين المعتقدات الإسلامية والتحديات التي تفرضها الحداثة (3).

تميّز “محمود محمد طه” بأنه مفكّر فريد، اشتهر بنصاعة الحجة وقوتها، واستقامة الشخصية، والثبات على المبدأ، وكانت له هيبة وسطوة فكرية، وسط خصومه الذين كانوا من ناشطي حركة الإسلام السياسي السودانية؛ كما تميز طه بقدرته الفائقة على الاستدلال بنصوص القرآن، وكان رجلاً موسوعياً في إلمامه بالتراث الإسلامي وبمختلف تيارات الفكر المعاصر؛ وقد أحدث نقلة في النظرة إلى أنسجة العلاقات داخل المجتمع من خلال إعادة النظر في “شريعة الأحوال الشخصية”، الأمر الذي أفضى به إلى التجديد لفقه الزواج والميراث وعلاقة الذكر بالأنثى، وغيرها من الأفكار التي خرج بها لمواكبة الحاضر ورآها البعض مخالفة للإرث الديني (4).

من أهم ما طرحه “محمود محمد طه” أنّ الفكر الإسلامي على المستوى الكوني “الكوزمولوجي”، كما أنه قد تنبأ بسقوط الشيوعية قبل عقود من حدوثه الداوي، فكان من أطروحاته أن الرأسمالية والشيوعية وجهان لعملة واحدة، وهي الفكرة المادية عن الوجود. وقال كما يذكر البعض بأن:” الإسلام سيخلف النظامين الشيوعي والرأسمالي، وكان يكثر من الاستدلال بالحديث النبوي «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء. وقالوا: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يُحيون سنّتي بعد اندثارها” (5).

ومن رحم الخرافة والاستبداد في السودان؛ حيث يقتات الناس على بقايا أحلامهم، ويتدثرون بغطاء الأمنيات المستحيلة، ولد “محمود محمد طه”، العام 1909، لأب من منطقة مورة بشمال السودان، وأم من “رفاعة” بوسط السودان، ويعود نسبه إلى “قبيلة الركابية”، فرع البليلاب نسبة إلى الشيخ المتصوف حسن ود بليل وهو من كبار متصوفة السودان. توفيت والدته – فاطمة بنت محمود – وهو لمّا يزل في بواكير طفولته، وذلك في حوالي عام 1915م ، فعاش الأستاذ محمود وإخوته الثلاثة: بتول، وكلتوم، ومختار، تحت رعاية والدهم، وعملوا معه بالزراعة، في قرية الهجيليج بالقرب من رفاعة، غير أن والده لمّا يلبث أن التحق بوالدته في حوالي العام 1920م، فانتقل الأستاذ محمود وإخوته للعيش بمنزل عمتهم برفاعة (6).

وتحت وطأة الاحتلال والتبعية، وصراع الهويات، كان التصوف هو الملاذ الأخير لنفوس سحقها جبروت الاستعمار ووطأها الفقر والمرض، على ضفاف النيل، سافر “محمود محمد طه” بعقله، وفي حلقات الذكر التي انتظمت حول مقام الشيخ الصوفي الكبير “حسن ود بليل” صفت نفسه وتطلعت للخلاص الجماعي، وبين تأملاته الصوفية المتجردة، وتطلعاته السياسية التي وضعته زعيماً على رأس الحزب الجمهوري، كان عليه أن يخوض غمار الصراع، وأن يشق بنفسه طريقاً جديداً؛ لمواجهة جمود الفكر الديني وانتهازية واستبداد النظام الحاكم (7).

ولهذا وجدنا “محمود محمد طه” ينتقل بعد ذلك ليدرس الهندسة في كلية غوردون التذكارية Gordon Memorial College ، التي أصبحت في ما بعد “جامعة الخرطوم”، وتخرّج منها في العام 1936. لم تقتصر دراسته على العلوم الحديثة، بل أخذ على عاتقه البحث في الأفكار الاجتماعية والسياسية الغربية، وتبلور اهتمامه بالسياسة ليؤسس في العام 1945 الحزب الجمهوري الذي كان أول حزب سياسي في السودان يدعو إلى إنشاء جمهورية وطنية، بالتالي كان حزب تصادم مع الاستعمار البريطاني، وإن كان بطريقة لم تتسم بالعنف، وبنتيجة تلك الصدمات سجن البريطانيون طه مرتين؛ في العام 1946، فقضى في المرة الأولى خمسين يوماً في السجن، وفي المرة الثانية عامين، وسبب سجنه في المرة الثانية احتجاجاته الشعبية ضد محاولات البريطانيين فرض الحظر على عادة ختان الإناث، التي كان طه نفسه ضد تلك العادة لأنه يراها ظاهرة تقليدية وليست إسلامية، ولكن السبب وراء احتجاجاته ضد البريطانيين كان لمحاولاتهم فرض قوانين على السودانيين (8).

ولعل تكوّن خطى أحد أبرز مفكري السودان لم يكن بالأمر السهل، إذ يشير الكاتب “محجوب عمر باشري” في كتابه “رواد الفكر السوداني” إلى حياته الأولى قائلاً: “نشأ محمود محمد طه” ولم يرتكب فاحشة في حياته وعاهد الله على أن يلتزم بالخلق الإسلامي، ودرس في كلية غوردون وتخصص في الهندسة، وخرج للحياة في الثلاثينيات فالتحق بالسكة الحديدية وعمل بعطبرة، وكان قارئاً نهماً في اللغتين العربية والإنجليزية… ودرس مذاهب الفلسفة وكل أنواع المنطق، حتى المنطق الوصفي والمنطق الجدلي، وله دراسات عن مدرسة الجدليين منذ الفيلسوف الألماني هيغل حتى ما كتبه ماركس، وتفرع منه ما كتبه منظّرو الماركسية، وله دراسات عن المنطق الرياضي واعتراضات على وايتهد وراسل، كما له اعتراضات على مدرسة هيغل”(9).

تخرج محمود محمد طه” في العام 1936م وعمل بعد تخرجه مهندسًا بمصلحة السكك الحديدية، والتي كانت رئاستها بمدينة عطبرة الواقعة عند ملتقى نهر النيل بنهر عطبرة، وعندما عمل الاستاذ محمود بمدينة عطبرة أظهر انحيازًا إلى الطبقة الكادحة من العمال وصغار الموظفين، رغم كونه من كبار الموظفين، كما أثرى الحركة الثقافية والسياسية بالمدينة من خلال نشاط نادى الخريجين، فضاقت السلطات الاستعمارية بنشاطه ذرعًا، وأوعزت إلى مصلحة السكة حديد بنقله، فتم نقله إلى مدينة “كسلا” في شرق السودان في العام 1937م، غير أنّ محمود محمد طه” تقدم باستقالته من العمل في عام 1941، وأختار أن يعمل في قطاع العمل الحر كمهندس ومقاول، بعيدا عن العمل تحت امرة السلطة الاستعمارية. كان محمود محمد طه” في تلك الفترة المحتشدة من تأريخ السودان، وفى شحوب غروب شمس الاستعمار عن أفريقيا، علما بارزا في النضال السياسي والثقافي ضد الاستعمار، من خلال كتاباته في الصحف، ومن خلال جهره بالرأي في منابر الرأى، غير أنّه كان مناضلا من طراز مختلف عن مألوف السياسيين ،حيث كان يمتاز بشجاعة لافتة، لا تقيدها تحسبات السياسة وتقلباتها، وقد أدرك الإنجليز منذ وقت مبكر ما يمثله هذا النموذج الجديد من خطورة على سلطتهم الاستعمارية، فظلت عيونهم مفتوحة على مراقبة نشاطه (10).

وقد قاد “محمود محمد طه” وهو رئيساً للحزب الجمهوري ، نضالاً كبيراً في مواجهة الاستعمار، فقد تبني خط المصادمة ، حيث كان يري بأنه يجب أن يخرج الاستعمار من خلال الصدام لا من خلال المفاوضات الفوقية كما تبناها قادة الحركة الوطنية ، وحث هؤلاء القادة بأنه لا بد من مواجهة الاستعمار ، ولا بد من إشراك الجماهير (11).

وبالفعل نشأ الحزب الجمهوري على المصادمة المباشرة للاستعمار، دون أن تقعده الرهبة، أو يصرفه اليأس، فحفظ التاريخ للأستاذ ” محمود محمد طه” صوراً ناصعة من الإخلاص المتجرد من الخوف والطمع، في مواجهات مكشوفة مع الاستعمار، ومع الطائفية السياسية التي كانت تحرك الشعب لمصلحة قادتها (12).

ورغم أن الحزب الوليد اتخذ من الإسلام مذهبيةً له، غير أنه لم يكن يملك، في تلك الفترة، من تفاصيل المذهبية ما يمكن أن يقدمه للشعب، فانصرف أفراده إلى ملء فراغ الحماس، متخذين من سياسة الاستعمار تجاه الجنوب، وقضايا مزارعي مشروع الجزيرة مواضيع للنضال وتحريك الشعب، فضرب رجال الحزب الجمهوري الأمثال في شجاعة المواجهة، حيث كان الحزب يطبع المنشورات المناهضة للاستعمار، ويحرص أفراده على توقيع أسمائهم عليها، وتوزيعها، في عمل فريد من أعمال المواجهة العلنية، إضافة إلى قيامهم بالخطابة في الأماكن العامة، حتى استشعرت السلطات الاستعمارية الخطر، فاعتقلت “محمود محمد طه” في يونيو من عام 1946م وقدمته إلى المحاكمة، ووضعته أمام خيارين: السجن لمدة عام، أو إمضاء تعهد بعدم ممارسة العمل السياسي، فاختار السجن دون تردد. وكان بذلك أول سجين سياسي في تاريخ الحركة الوطنية السودانية (13).

واصل “محمود محمد طه” مقاومته للمستعمر بعدم تنفيذ أوامر السجن، في حين واصل رفاقه في الحزب مقاومتهم خارج السجن، فأضطُرت سلطات الاستعمار إلى إطلاق سراحه بعد خمسين يوماً. وقد أدى نبأ إطلاق سراحه، مثلما أدي نبأ سجنه، إلى تجاوب واسع من قطاعات الشعب، أظهرته برقيات التأييد التي انهمرت على الحزب من كافة محافظات السودان (14).

وبعد إتمامه مدة سجنه في العام 1948م خرج “محمود محمد طه” إلى مدينة رفاعة ، حيث اعتكف مدة ثلاث سنوات في خلوة عن الناس، أتم ما كان قد بدأه في سجنه من تهيؤ لدعوته الإسلامية. كانت أيام خلوته واعتكافه عامرة بالإشراقات الروحية، والسمو النفسى، وقد بدا واضحاً أن الأستاذ “محمود طه” قد أقبل على موضوع كبير وخطير، وكان الحزب الجمهوري قد توقف نشاطه طوال فترة الاعتكاف (15).

خرج الأستاذ “محمود محمد طه” من اعتكافه في أكتوبر 1951م ودعا الحزب الجمهوري إلى اجتماع عام عقد في 30 أكتوبر 1951م . في هذا الاجتماع طرح الأستاذ محمود المذهبية الإسلامية الجديدة، التي تقوم على الحرية الفردية المطلقة، والعدالة الاجتماعية الشاملة، ليتجه الحزب الجمهوري من ملء فراغ الحماس إلى ملء فراغ الفكر (16).

في عام 1952م صدر لـ “محمود محمد طه” كتاب (قل هذه سبيلي)، وبدأت بذلك حركة واسعة لتأليف الكتب التي تتولى شرح فكرة الدعوة الإسلامية الجديدة وتفصيل مذهبيتها ؛ وقد دعا الأستاذ “محمود طه” إلى الإسلام كمذهبية تبشّر بتحقيق إنسانية الإنسان، عن طريق تقديم المنهاج الذي يحقق السلام في كل نفس بشرية، حيث يُقدم الإسلام في مستواه العلمي كدعوة عالمية للسلام. وقد ظلت قضايا الفكر، والحرية، والاستقراء العلمي للحضارة الغربية ولواقع المسلمين قضايا مطروحة بإلحاح منذ أن تناولها “محمود طه” في المنشور الأول (17).

كما دعا “محمود محمد طه” إلى تقليد النبي محمد صلى الله عليه وسلم كمنهاج للسلوك الديني بهدف توحيد القوى المودعة في الإنسان، من قلب وعقل وجسد، والتى وزعها الخوف الموروث والمكتسب، ثم إلى تطوير التشريع الاسلامي بالانتقال من الآيات المدنية التي قامت عليها بعض صور الشريعة، إلى الآيات المكية التى نسخت فى ذلك الوقت لعدم تهيؤ المجتمع لها، حيث الدعوة إلى الديمقراطية والاشتراكية والمساواة الاجتماعية، المدخرة فى أصول الدين، وقد بسط “محمود طه” فكرته فى آفاقها الدينية والسياسية والمعرفية بعلمٍ واسع، وحجةٍ ناصعة، وصبرٍ على سوء الفهم وسوء التخريج وسوء القصد الذى قوبلت به فكرته من معارضيها، حتى ذهب يقينه بفكرته وإخلاصه لها، والتزامه إيّاها فى إجمال حياته وتفصيلها، مثلا فريداً فى الدعاة والدعوات (18).

وفي ديسمبر 1955م أصدر “محمود محمد طه” مشروعه لتجديد الفكر الإسلامي نحو مشروع مستقبلى للإسلام ، وقد تمثل ذلك فى ثلاثة أعمال أساسية هى: الرسالة الثانية من الإسلام، ورسالة الصلاة، وتطوير شريعة الأحوال الشخصية، وفيها قدم “محمود محمد طه” الإسلام كدين عالمي لا تنفصل فيه الدولة عن الدين، لكن من غير تغول على حقوق الأفراد، مسلمين كانوا أم غير مسلمين، رجالا كانوا أم نساء، ولم يقدم الإسلام بوصفه طريقة للسلوك أو منهاج للخلاص الفردي، غير مرتبط بقضايا التحولات الاجتماعية (كما هى الحال فى التصوف) (19).

قدم “محمود محمد طه” ذلك كله من خلال منهج متماسك لتأويل النص القرآنى، من خلال تصور جدلى عميق لمواد النص مع حركة التطور بمعنى أن النص لا يكشف عن طبقاته بغير النظر الفاحص لحركة التطور، الزمن وحركة الحياة فى كل صورها، فحركة التطور لا تخضع لفهم ثابت جامد للنص وإنما تجليات الحياة هى التي توسع من فضاء النص، وهو يتمدد عبر علاقته الجدلية بالواقع، وبتمدد آفاق الوعى الإنساني (20).

كان “محمود محمد طه” مؤيداً قوياً للحرية الفردية والضمير الإنساني. وكان مؤمناً بأن للبشر أن ينتموا لتقاليدهم الدينية، أو ينأوا بأنفسهم عن ذلك وفق ما تمليه عليهم ضمائرهم. وكان ضد التحرك صوب الطائفية الدينية، الذي كان يحصل في بلاده، ويؤمن بأن لأتباع كل الأديان الحق في ممارسة شعائرهم بحريّة، كما أن لهم حريّة تغيير معتقداتهم. واقتصادياً اعتنق “محمود طه” شكلاً من الاشتراكية القائمة على المشاركة في المشاريع التعاونية بدلاً من سيطرة الحكومة المركزيّة (21).

بيد أن “محمود محمد طه” لم يكن طيلة نشاطه الفكري، والسياسي، منذ منتصف الأربعينات، يطلب سلطةً، أو جاهاً، كان زاهداً في السلطة الفوقية، زهداً مطلقاً، فقد كان يريد تغييراً جذرياً، ينطلق من حيث يقف عامة الناس، لا من حيث تقف الصفوة! وكان يعرف أن ذلك يقتضي زمناً، ولذلك، فقد كان يسابق الزمن ليضع البذرة في الحقل البور، تلك البذرة التي كان ينتظر لها أن تثمر التغيير الجذري، في نهاية المطاف. فهو قد ألقى البذرة، وكان فقط، يود أن يتأكد أن جذوراً من تلك البذرة قد بدأت تمتد إلى داخل الأرض. لم يكن مشغولا متى ستشق تلك البذرة التربة، وتظهر على سطح الأرض، لتنتج الثمر، كان “محمود محمد طه” حامل مشعلاً، ولم يكن طالب سلطة، وشتان بين الإثنين (22).

ولذلك رأينا الكاتب “أحمد زكى عثمان” يوضح لنا مشروع “محمود طه” فى الرسالة الثانية من الإسلام، بأنه يمثل لحظة مهمة على الصعيد الفكري فى العالم العربي، حيث يمكن قراءة هذا الكتاب فى سياق جملة الكتب التي أرخت لدور الفكر فى التمهيد الهزيمة السياسية والعسكرية ومن ثم الفكرية التى أفضت إلى نكسة حزيران -1967 ؛ مثل كتابي نقد الفكر الديني لصادق جلال العظيم، والأيديولوجية العربية المعاصرة لعبد الله العروى، كما يمكن قراءته على أنه بحث فى أصول الفقه ومحاولة بناء منظور حضارى جديد ورؤية فلسفية مختلفة عن التقاليد الفكرية المسيطرة فى العالم العربي (23).

تبنى “محمود محمد طه” طريقاً وسطيا، مقترحاً أن بإمكان الإسلام استيعاب الأفكار القومية العلمانية. ولكن من أجل الوصول إلى تلك المرحلة، لابد من أن تكون الشريعة مرنة بما يكفي لممارسة الاجتهاد، وأن تتفاعل مع التغيير والعالم الحديث، ولتحقيق ذلك؛ على المسلمين المثقفين العودة إلى المصادر الأصلية، القرآن والحديث، ويقول إن الآيات المدنية أكثر تحديداً على عكس الآيات المكية التي هي بمثابة دعوة عامة للبشرية لدخول الإسلام، المتمثل بـ (الرسالة الثانية للإسلام)، ولذا فإن الآيات المدنية يجب أن تخضع للآيات المكية، وبهذه الطريقة يمكن إعادة تأليف القانون الإسلامي من البداية بدلاً من إثقاله بأحكام العصور الوسطى (24).

لقد قدم هذا الكتاب طرحاً لم يألفه الفكر العربي كثيرا، وهذا الطرح يتعلق بتقديم تصور مختلف لموقع الفرد فى منظومة العلاقات الاجتماعية عند “محمود محمد طه” الفرد فى الإسلام هو الغاية وكل ما عداه وسيلة إليه، وهذه الفردية هى مدار التكليف والتشريف وبالطبع ستحيل هذه الرؤية إلى محاولة فك التناقض ما بين الفرد والجماعة والتى يقدمها “محمود محمد طه” كالتالى، حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة امتداد لحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة، ومن الناحية الفقهية فالفرد هو العبادات، والجماعة هى المعاملات وينتهى “محمود محمد طه” إلى تقديم محتوى أخلاقى لهذا المنظور الفلسفى، وهو أنه ليست للعبادة قيمة إن لم تنعكس فى معاملتك الجماعة معاملة، تعد هي في حد ذاتها عبادة، يمضى الكتاب فى مناقشة القضايا المتعلقة بعلاقة الفرد والجماعة وحدود إرادة الفرد، حتى يصل إلى فصله الخامس والذى يعرض فيه للرسالة الأولى والتي هي رسالة المؤمنين، حيث أورد “محمود محمد طه” مجموعة من النتائج الفقهية الخطيرة، وقدم حصرا لثمانية قضايا رأى أنها ليست أصولا فى الإسلام، هذه القضايا هى الجهاد، الرق، الرأسمالية، عدم المساواة بين الرجال والنساء، تعدد الزوجات، الطلاق، الحجاب، المجتمع المنعزل رجاله عن نسائه (25).

كما دعا “محمود محمد طه” إلى الإسلام كمذهبية تبشر بتحقيق إنسانية الإنسان، عن طريق تقديم المنهاج الذى يحقق السلام فى كل نفس بشرية، وعلى مستوى الكوكب، حيث يقدم الإسلام فى مستواه العلمي كدعوة عالمية للسلام، وقد ظلت قضايا الفكر (26).

استمر “محمود محمد طه” فى تطوير أفكاره حتى وصل إلى أنّ نسخ أصول القرآن بفروعه فى القرن السابع الميلادي لم يكن إلغاءً نهائيّا لأحكامه، وإنّما كان مجرد إرجاءٍ لتلك الأحكام لادّخارها للمستقبل، والسبب الذى يراه فى ذلك هو النزول عند حاجة ذلك المجتمع وطاقته، مشيرًا إلى أنّه لو كان النسخ نهائيّا لأصبح أحسن ما فى ديننا منسوخًا بما هو أقلّ منه، أى أنّ السماح وهو خير من الإكراه، يكون قد نُسخ إلى الأبد بحكم أقلّ منه، منبّها إلى نقطة مهمّة تفضى إلى أنّ الأحسن فى الشرائع ليس أحسنَ في ذاته، وإنّما يُقاس بملاءمته لحاجة المجتمع وظرفه التاريخي، وهذا ما حدث بالنسبة إلى آيات الفروع التي نزلت فى المدينة، ونسخت آيات الأصول التي نزلت فى مكة نسخًا مؤقّتًا فرضه السياق التاريخي للقرن السابع الميلادي، بما لا يعنى تعميمه إلى الأبد خارج ذاك السياق، ولذلك فإنّ زماننا هو زمان بعث آيات الأصول، أى الآيات المكية حيث “لا إكراه فى الدين” (27).

سمّى “محمود محمد طه” هذا التصور المفضي إلى استعادة روح الآيات المكّيّة بـ “الرسالة الثانية من الإسلام”، وهى عنده الرسالة الأصل، وقد كتب طه مؤلّفًا حمل الاسم نفسه ضمّنه بضعة عناوين جاء من بينها “الجهاد ليس أصلا فى الإسلام”، و”عدم المساواة بين الرجال والنساء ليس أصلًا فى الإسلام”، و”الحجاب ليس أصلًا فى الإسلام”، و”تعدد الزوجات ليس أصلا فى الإسلام”، وبذلك ألقى الضوء على كثير من آيات الأحكام التي لم تعد مناسبة لمتطلبات العصر الحديث وتطوّر قيمه الروحية والجماليّة، قاصدًا من ذلك أن ينوّه بالطاقة الكامنة فى التشريع الإسلامي، والتى تستطيع أن تستوعب المتغيّرات الجديدة إذا تمّ بعث “الأصول” دون “الفروع” التى شكّلت شريعة القرن السابع الميلادي (28).

كان “محمود محمد طه” يرى أنّ المخرج للأمة الإسلامية كامن فى الانتقال من نص فرعى فى القرآن خدم غرضه حتى استنفده، إلى نصّ أصلى ظل مرجأً ومدخرًا إلى حين وقت تطبيقه، وها هو قد حان وقته اليوم، بشرط أن نتحرّك من شريعة الفروع وفقهها نحو أحكام آيات الأصول المنسوخة (29)؛ يقول “محمود محمد طه”: “إنّ الخلل ليس فى الدين، وإنما هو فى العقول التى لا يحرّكها مثل هذا التناقض لتدرك أنّ فى الأمر سرًّا، هذا السرّ هو ببساطة شديدة أنّ شريعتنا السلفية مرحلية، وأنها لا تستقيم مع قامة الحياة المعاصرة، وأنها حتى تستطيع استيعاب هذه الحياة وتوجيه طاقتها الكبيرة، لا بد لها من أن تتفق وتتطوّر وترتفع من فروع القرآن إلى أصوله” (30) ؛ كما قال “محمود محمد طه” فى كتابه “أدب السالك” :” فالله تعالى إنما يعرف بخلقه، وخلقه ليسوا غيره وإنما هم هو فى تنزل. هم فعله ليس غيره وقمة الخلق وأكملهم فى الولاية هو الله وهو الإنسان الكامل، وهو صاحب مقام الاسم الأعظم (الله)، فالله اسم علم على الإنسان الكامل”(31).

وكان موضوع المرأة من أهم المواضيع التى عالجها “محمود محمد طه” فى فكره، حيث دعا إلى تطوير التشريع فيما يختص بشريعة الأحوال الشخصية، وإلى وضع المرأة من حيث التشريع فى موضعها الصحيح، بعد أن تعلمت وشغلت الوظائف الرفيعة، متجاوزا بتلك القصور الفكرى الذى ظل ملازما للفكر الإسلامي السلفى تجاه وضع المرأة فى التشريع الدينى، ومتجاوزا دعوات تحرير المرأة التى هدفت لمحاكاة الغرب، ومقدما فهما جديدا مستمدا من أصول الدين، يقوم على مساواة الرجال والنساء أمام القانون وفى النظام الاجتماعي، انطلاقا من فكرة تطوير التشريع الإسلامي، واستلهاما أكبر لغرض الدين فى الحياة الحرة الكريمة للنساء والرجال على قدم المساواة، وقد كان أكبر تجسيد لدعوة الأستاذ محمود إلى تطوير وضع المرأة الدينى هو المرأة الجمهورية نفسها، فقد دخلت تلميذات “محمود محمد طه” من الجمهوريات التاريخ كأول طليعة من النساء تخرج للدعوة إلى الدين بصورة جماعية ومنظمة، فى ظاهرة فريدة ظللتها قوة الفكر وسداد السيرة وسمو الخلق (32).

ولكى يضمن “محمود محمد طه” لفكرته الانتشار أسس حركة التأليف، والنشر ومنابر الحوار، وأركان النقاش التى تقام فى الطرقات العامة والميادين والحدائق ودور العلم والأحياء، ثورة فكرية لم يعرف لها مثيل فى تاريخ الأديان والأفكار، حيث حمل هو وتلاميذه الفكرة إلى كل مكان ناء من السودان يذهبون إلى الشعب، حيث يعيش، يحدثونه عن الدين ويحاورنه وينقلون له النموذج الحى للإسلام المسجد الذى يمشى على قدمين وقد كانت حركة الحوار الفكرى هذه معالم بارزة فى حياة الشعب السودانى، حيث كانت كثير من أركان النقاش فى الجامعات، وفى الطرقات والأماكن العامة مدارس تعلم فيها الشعب أدب الحوار وأدب الدعوة إلى الدين، وقد كان أساليب الدعوة الفريدة حملات الدعوة الخاصة، حيث كان الجمهوريون يذهبون إلى لقاء المثقفين ورجال الدين والمفكرين فى مقابلات خاصة يتم فيها الحوار الفكرى وتعرض الدعوة إلى الرسالة الثانية من الإسلام وتقدم لهم فيها نسخا من كتب الفكرة الجمهورية (33).

كان شعار ثورة التغيير التى قادها “محمود محمد طه” هو الكلمة (لا إله إلا الله) بعد أن رفعها الأستاذ محمود فى دعوته الجديدة إلى الأستاذ محمود من التحقيق جعلها منهاجا لتغيير النفوس، وقد قامت هذه الحركة الشاملة فى مداها والمنضبطة فى أدائها، والفاعلة فى تأثيرها على موارد الجمهوريين الذاتية، والتى يقتطعونها من دخولهم الشخصية، وعلى العمل التطوعى الذى يكرس له الأعضاء إجازاتهم وأوقات راحتهم، وعلى ريع الكتب التى يوزعونها بعد أن يقوموا بطباعتها يدويا، فكانت بذلك ثورة شاملة فى معناها ومبناها، وإرهاصا كبيرا بالثورة الثقافية المنتظرة والتى تعيد صياغة الأفراد والجماعات (34).

لم يكتف بذلك بل حاول “محمود محمد طه” أن يبين لنا بأن كل أفكاره التي تعتمد في أساسها على ضرورة العودة إلى الإسلام المكي باعتباره الأصل في الإسلام، وتجاهل الإسلام المدني الذي لا يصلح للعصر الحالي مطلقاً. وفي ضوء هذا الفهم كان للمفكر السوداني البارز العديد من الأفكار غير التقليدية التي وصفها البعض بالشذوذ عن الدين، وكانت سبباً في الحكم بردّته”طه” خاض حقلى السياسية والفكر بنهم وإخلاص وخرج بمشروعه التجديدى للتراث الإسلامى وبحزب يرأسه وهو الحزب الجمهورى السوداني، الذى وقف مدافعا عن استقلال السودان فى وجه الاستعمار الإنجليزي والتدخل المصري فى الشئون السودانية (35).

وتحت شعار تاريخي “الحرية لنا وسوانا” عارض طه عددا من المشكلات الاجتماعية والتشريعية التى عانى منها الشعب السودانى، منها على المستوى الاجتماعي رفض عادة الخفاض الفرعونى – الختان – وعلى المستوى التشريعي ما سنه التشريع السودانى من قطع يد السارق استنادا على نصوص دينية (36).

ووفقا لما توصل له طه بأن التفسيرات المنغلقة للنصوص الدينية هى العامل الرئيس فى قمع الفرد باسم الدين فقد كتب مؤلفه “الرسالة الثانية للإسلام” ليحدث ضجة واسعة خاصة بعدما حصر ثمانية قضايا رأى أنها ليست أصولا فى الإسلام، هذه القضايا هى الجهاد، الرق، الرأسمالية، عدم المساواة بين الرجال والنساء، تعدد الزوجات، الطلاق، الحجاب، المجتمع المنعزل رجاله عن نسائه (37).

وثمة نقطة أخري مهمة وجديرة بالإشارة ألا وهب أن “محمود محمد طه” ينظر للجمهوريين بأنهم ورثة الصوفية، ذلك بأن الصوفية في حقيقتهم هم أنصار السنة، فقد أحيوا الدين وحفظوا عليه أصالته بعد أن انحط المسلمون عن الأوج الذي تركهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، عندما انتقل إلى الرفيق الأعلى، وانشغلوا بالدنيا عن الدين، يتضح ذلك في فكر الأستاذ طه عبر كتابه “طريق محمد”؛ حيث يقول: “ان دولة القرآن قد أقبلت، وقد تهيأت البشرية لها بالمقدرة عليها وبالحاجة إليها، فليس عنها مندوحة.. وهذا يلقي على عاتق المسلمين المعاصرين واجبا ثقيلا، وهو واجب لن يحسنوا الاضطلاع به إلا إذا جعلوا محمدا، وحده إمامهم ووسيلتهم إلى الله” (38).

ويزيد إلى ذلك “لقد خدمت الطـرق الصوفية غرضا جليلًا، في نشر الدين الحق، ولقد ربت رجالًا أفذاذا، كانوا منارات هدى، ومثابات رشد للأمة، عبر تاريخها الطويل، في ارتفاعه وانخفاضه، عندهم التمست دينها وخلقها وتربيتها.. ولكن اليـوم!! فإن تحديات العصر أكبـر من الطرق وأكبـر من المشائيخ، وليس لها غير “محمد”. ونحن ندعو جميع أصحاب الطرق إلى العودة إلى طريقة الطرق ـ طريقة محمد ـ إذ بتقليد محمد تتوحد الأمة ويتجدد الدين (39).

بيد أن هذه الأقوال لم ترضي خصومة من جماعة الإخوان المسلمين الذين ألبوا السلطات في ذلك ضده ، واتهامه بالردة، ففى ١٨ نوفمبر ١٩٦٨م حوكم “محمود محمد طه” بتهمة الردة أمام محكمة الاستئناف العليا الشرعية، لكنه رفض الامتثال لأمر الحضور للمحكمة، بتهمة ترك الصلاة والدعوة لترك الصيام، وقوله إن الزكاة والجهاد ليسا أصلًا فى الإسلام (40).

لم يكتفوا بذلك بل قالوا إن محمود طه يقول بحلول الله فى جسد الإنسان، كما قالوا فى نص محاكمته إنه دعا لترك الصوم، لأنه عندما سئل قال (أنا آكل وأشرب فى نهار رمضان، وأنا صائم بقلبى وهذا هو الصوم الأصيل، لا كصوم غير الأصيل، فليس المراد من الصوم الجوع والعطش، إنما هو صوم القلب (41).

وبالفعل اعتقل “محمود محمد طه” ومعه عشرات الجمهوريين في يونيو من العام 1983، أي قبل ثلاثة أشهر من صدور قوانين سبتمبر 1983. وكان سبب الاعتقال كتاب أصدره الإخوان الجمهوريون انتقدوا فيه النائب الأول لرئيس الجمهورية آنذاك، اللواء “عمر محمد الطيب”، لكونه قد استجلب إلى مسجده المسمى “مسجد التقوى” في ضاحية “كوبر” بالخرطوم بحري، واعظاً مصرياً اسمه “محمد نجيب المطيعي”، كان يعمل في جامعة أم درمان الإسلامية. وقد شرع ذلك الواعظ في تأليب وتحريض جمهور المصلين ضد الجمهوريين، من على منبر ذلك المسجد. ولقد أشار “محمود محمد طه” في مذكرة بعث بها من معتقله إلى الجمهوريين المعتقلين بسجن “كوبر”، أنه يرى أن اللواء “عمر محمد الطيب” ضالع في مؤامرة ضد الجمهوريين فيها أيد أجنبية، يدل عليها استخدامه لذلك الواعظ الذي أخذ في بث الفتنة الدينية من “مسجد التقوى” التابع له، ومن التلفزيون القومي، ثم باعتقاله للجمهوريين. عموماً، أخذت حلقات المخطط المبيت ضد الجمهوريين، تتجلى على أرض الواقع، منذ منتصف العام 1983م، أي قبل ثلاثة أشهر من صدور قوانين سبتمبر 1983م، واستمرت تلك الحلقات في الظهور المتتابع، حتى محاكمة “محمود محمد طه” في يناير 1985م (42).

وفي العام 1972 أفتى “الأزهر الشريف” (للأسف) بأن فكر الداعية والمفكر “محمود محمد طه” “كفر صراح ولا يصح السكوت عليه”، وخاطب “وزارة الشؤون الدينية والأوقاف السودانية”، قائلاً: “فالرجاء التكرم باتخاذ ما ترونه من مصادرة لهذا الفكر الملحد والعمل على إيقاف هذا النشاط الهدام خاصة في بلدكم الإسلامي العريق”، كما خرج بيانا لجنة الإفتاء بمجمع البحوث الإسلامية ورابطة العالم الإسلامي آن ذاك كضوء أخضر للسلطات السودانية كى تسفك دم المفكر السوداني بدم بارد (43).

ظل الخصوم والأئمة والوعاظ والفقهاء في السودان يستخدمون فتوى “الأزهر الشريف” على منابر المساجد وفي وسائل الإعلام، منذ عام 1972، وحتى يوم الناس هذا، ويستندون عليها في تكفير الداعية والمفكر “محمود محمد طه”، وتلاميذه، الإخوان الجمهوريين، وتلميذاته، الأخوات الجمهوريات. لم يكن لدى خصوم الفكر الجمهوري والوعاظ والفقهاء غير فتوى الأزهر (44).

وفي الثامن عشر من يناير1985م، وفي صباح الجمعة، كشأن السيد المسيح، صعد “محمود محمد طه” إلى منصة الإعدام بسجن كوبر، وسط تهليل وتكبير، صوره لنا المخرج العالمي “ميل جيبسون” في فيلم (آلام المسيح)، ووسط آمال ورغبات ودموع مريديه – أو قل، للإنصاف- والعاقلين من أبناء وبنات الشعب السوداني والمعمورة.. فما هي الجريرة التي أرتكبها ذاك الشيخ السبعيني، حتى يثور عليه رجال الدين والحكم في بلاده، ويرون أن الموت أنجع وأمضى ما يداوونه به!! (45).

بالنسبة لكثير من السودانيين الذين هللوا لإعدامه في ذلك اليوم، فإنّ “محمود محمد طه” قد اقترف أسوأ جريمة يمكن أن ترتكب. لقد أدين بتهمة الردّة عن الإسلام. وهي تهمة نفاها طه، الذي أصرّ حتى النهاية، أنه ليس مهرطقاً، أو مرتدّاً عن الإسلام، وإنما مصلح دينيّ، ومؤمن وقف في وجه التطبيق الوحشيّ للشريعة الإسلامية، “قانون المسلمين المقدّس”، إنّ الألم لإعدام “محمود محمد طه” كان مضاعفا، فالرّجل أُعدم مرّتين؛ مرّة أولى عندما أعلن “رفاقه الأربعة” الّذين حكم عليهم معه بالإعدام “توبتهم” أمام المحكمة واصفين إيّاه بالمرتدّ الّذي ضلّلهم وأخرجهم عن الملّة. ومرّة ثانية عندما وضع الجلاّدان حبل المشنقة حول رقبته (46).

ولا يسعنا ونحن نختم مقالنا عن الشهيد الأستاذ محمود محمد طه، إلاّ أن نستعير ما قالته الصحفيّة “جوديث ميلر”، المراسلة السابقة لصحيفة “نيويورك تايمز” في الشرق الأوسط، ضمن شهادتها التي ضمّها كتابها “لله تسعة وتسعون اسماً”، God Has Ninety Nine Names عن واقعة إعدام طه، عندما كانت مُوفدة عن الصحيفة لتغطية الواقعة، حيث كتبت: “أحسست أنا أيضاً أنّ طه لم يُقتل بسبب يتعلق بنقص في قناعاته الدينية، وإنما بسبب من نقصهم هم”.

مات “محمود محمد طه” وتفرق دمه بين القبائل؛ خاصة بعدما أعلن رجال الدين ردة الرجل وإحلال سفك دمه فى الوقت الذى أيد فيه “جعفر النميرى” – الرئيس السودانى الأسبق- تنفيذ الإحكام الإسلامية – ليصطاد عصفورين بحجر واحد، الخلاص من “محمود محمد طه” واسترضاء مؤقت للإخوان فى سبيل استمرار قمع المعارضين؛ بعد أن أعلن “نميرى”، تطبيق حدود الشريعة فى سبتمبر ١٩٨٣، قال “محمود محمد طه” بكل شجاعة، (إنها مخالفة للشريعة وللإسلام، وشوهت الشريعة، وشوهت الإسلام، ونفرت عنه.. يضاف إلى ذلك أنها وضعت واستغلت لإرهاب الشعب وسوقه إلى الاستكانة عن طريق إذلاله.. ثم إنها هددت وحدة البلاد (47).

وعلى خطى “سارقي النّار” في الفكر الإسلامي؛ “قاسم أمين” ،” علي عبد الرّازق” و”الطّاهر الحدّاد” تجرّأ قلم “محمود محمّد طه” على استنطاق الصمت وإنارة السّبيل، أمام جيل تائق للحريّة والانعتاق. إلا أن المؤسسات التقليدية القابضة على أجهزة التوعية ومساراتها في وطننا العربي، لا تسمح لمثل أفكار “محمود محمد طه” بالذيوع. غير أن الوقت لم يفت بعد، إذ لا بد أن تأتي اللحظة، التي يجد الناس فيها منصرفاً عن الرجوع إلى تلك الحادثة الشنيعة.

إنّ أكثر ما يثير الحزن في نفس المفكّر أن يتمّ تشويه أفكاره عمداً، إذا لم تتماه تلك الأفكار مع مصالح الطبقات المسيطرة، بل وتهدّد بتقويض تلك السيطرة لحساب المعرفة الإنسانية. ولعل ما حدث مع “محمود محمد طه” ،أعدم على يد نظام جعفر النميري في السودان في 18 يناير سنة 1985، يُعد نموذجاً على ما يمكن أن يعانيه المفكر، عندما يهمّ بالخروج عن نمط التفكير السائد ومخالفة العقل الأوحد، إذ سيكون وقتها هدفاً لقوى الظلام التي ترى أنّ مصلحتها تقتضي تكريس الرجعية وتدعيم أسس الاستبداد التي تحفظ لها هيمنتها الثقافية والسياسية.

وفي هذا يمكن القول بأن محمود محمد طه شكّل تحدّياً أخلاقياً في مواجهة وُعّاظ السلاطين وفقهاء السلطة، ومحترفي التجارة بآلام الشعوب وتطلّعاتها، ولم تكن حادثة إعدامه سوى شاهد حيّ على مأساة بشرية ستكلل بحبل المشنقة، وهنا لم نجد تقريظاً لحياة الرجل سوى أن نردّد معه “بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء”، وهو الحديث النبوي الذي كان يردده طه، ويكثر من الاستدلال به دوماً، ويحفظه عن ظهر قلب عملاً وقولاً، ليدفع حياته في النهاية ثمناً لتلك الغربة القاسية.

د. محمود محمد علي
رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

هوامش المقالة :


1- أبو ذر الغفاري: محمود محمد طه وآراؤه في النسخ في القرآن (عرضا وتحليلا)، البحث العلمي، مقدم إلى كلية أصول الدين مكملا للشروط اللازمة للحصول على درجة بكالوريوس في قسم التفسير والحديث ، قسم التفسير والحديث- كلية أصول الدين، ص18.

2- الكيالي، عبد الوهاب، (1985)، موسوعة السياسة، بيروت، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، ط2، ج6، ص ص 114-115.

3-عبدالله الجبور: الأستاذ المفكِّر فى زمن الردَّة؛ محمود محمد طه (1908-1985(، 6 يونيو، 2018، التنويري.

4-نجاة إدريس إسماعيل: محمود محمد طه الإسلام في رسالتين، بدايات ، العدد ١٣ – شتاء ٢٠١٦,

5-نفس المرجع.

6- أبو ذر الغفاري: نفس المرجع، ص 19.

7-سامح إسماعيل: محمود محمد طه.. ترنيمة أخيرة على صليب الحلاج،12/11/2017.

8- أبو ذر الغفاري: نفس المرجع، ص 20-22.

9-محجوب عمر باشري: رواد الفكر السوداني، الخرطوم : دار الجيل، بيروت،1991،، ص22-25.

10- عادل الامين: سيرة المفكر السوداني الراحل محمود محمد طه، الحوار المتمدن-العدد: 3279 – 2011 / 2 / 16 – 11:13.

11- سعيد الحاجي: الرسالة الثانية من الإسلام…هكذا تم إعدام المفكر السوداني محمود محمد طه، السبت 16 مايو 2020 – 9:03 م.

12= عبدالله الجبور: نفس المرجع.

13- نفس المرجع.

13- نفس المرجع ؛ وأنظر أيضاً: إسماعيل أحمد محمد: الأستاذ محمود محمد طه زمراً للحرية والديمقراطية، سنودانايل، نشر بتاريخ 28 تشرين 1/ أكتوبر 2015.

14- عادل الامين – سيرة المفكر السوداني الراحل محمود محمد طه، نشر بتاريخ 16/2/2016.

15- أسماء محمود محمد طه: مقدمة كتاب نحو مشروع مستقبلي للإسلام، ط رؤية، مصر،2012، ص 9-10.

16- نفس المرجع، ص 12.

17-محمود محمد طه: قل هذه سبيلي، أم درمان، الحزب الجمهوري، السودان، 1952م ، ص56.

18- أسماء محمود محمد طه: نفس المرجع، ص13-14.

19- د. “إسماعيل صديق عثمان” دراسة نقدية لأفكار “محمود محمد طه” صاحب ومؤسس الفكر الجمهوري، 2013، ص 16.

20- نفس المرجع، ص 14.

21- إيمان عادل: محمود محمد طه.. مفكر أهدر دمه المتأسلمون وأعدمه النظام السودانى.. الإثنين، 20 يناير 2014 08:05 ص

22- أحمد الجدي: محمود محمد طه… المفكر الإسلامي الذي قتلته رؤيته المختلفة للدين، نشر في 20 ديسمبر ، 2018.

23-أحمد زكي عثمان: فى ذكرى إعدام محمود محمد طه: البحث عن بديل للتصفية الجسدية للمختلف، الحوار المتمدن-العدد: 1836 – 2007 / 2 / 24 – 12:25,

24- محمود مراد محمد: محمود محمّد طه و”الرسالة الثانية من الإسلام”، مارس 2021، ص 23-25.

25- مصطفي عبادة: تجديد الخطاب الديني السودان.. محمود محمد طه: الإسلام المستقبلى خارج الجماعات، نشر في الأهرام العربي.، يونيو 10, 2016.

26- د. “إسماعيل صديق عثمان” دراسة نقدية لأفكار “محمود محمد طه” صاحب ومؤسس الفكر الجمهوري، ص 17 ؛ وأنظر أيضا باسم المكي: قراءة في المشروع الفكري لمحمود محمّد طه (1909 ـ 1985)، مارس 2015

27- ماهر فرغلى: محمود محمد طه.. الرجل الذى كشف عملية تزوير الإسلام، تشر بالبوابة نبوز المصرية، الخميس 21/يوليه/2016 – 03:20 ص.

28- محمود محمّد طه : “الرسالة الثانية من الإسلام”، أم درمان: الحزب الجمهوري، 1969، ص 10-11.

29- نفس المصدر، ص 11-12.

30- نفس المصدر، ص ص15-16.

31- محمود محمّد طه : أدب السالك ، أم درمان: الحزب الجمهوري، 1969 ، ص8-9.

32- سامي الذيب: محمود محمد طه: ما للرجل وما عليه، الحوار المتمدن-العدد: 6635 – 2020 / 8 / 3 – 13:47.

33- محمود محمد طه: الإسلام وإنسانية القرن العشرين، أم درمان: الحزب الجمهوري، 1973، ص 45-47.

34- عماد البليك: تعرف على المفكر السوداني الذي حوكم بالردة قبل 33 عاماً، نشر في: 19 يناير ,2018: 12:00 ص GST

35- ماهر فرغلى: أفكار فوق حبل المشنقة، محمود محمد طه.. الرجل الذى كشف عملية تزوير الإسلام الخميس 21/يوليه/2016 – 03:20 ص.

36- عبدالله الفكي البشير: التجديد الديني/ الاقتصادي لمشروع الأستاذ محمود محمد طه، 27-06-2020.

37- محمود مراد محمد: محمود محمّد طه و”الرسالة الثانية من الإسلام”، مارس 2021

38- جعفر نجم نصر: التأويل الصوفي للشريعة: راهنية مشروع المفكر السوداني محمود محمد طه للعالم الإسلامي، دراسات 14/07/

39- عبدالله الفكي البشير: التجديد الديني/ الاقتصادي لمشروع الأستاذ محمود محمد طه، 27-06-2020.

40- منشورات الأخوان الجمهوريين- أمدرمان 1984/1985؛ وأنظر أيضا نجيب البكوشي: محمود محمد طه .. الأفكار أعلى من أعواد المشانق، الجزء الثاني،2020-10-31آخر تحديث: 2020-10-31.

41- نفس المرجع.

42- عبدالله الجبور: الأستاذ المفكِّر فى زمن الردَّة، مرجع سابق؛ وأنظر أيضا غسان علي عثمان: محمود محمد طه .. قتلته السياسة ولم يقتله الدين..!!، 26 ديسمبر، 20120

43- إيمان عادل: محمود محمد طه.. مفكر أهدر دمه المتأسلمون وأعدمه النظام السودانى، جريدة اليوم السابع المصرية، الإثنين، 20 يناير 2014 08:05 ص؛ وأنظر أيضا صحيفة انباء السودان/مقالة بقلم الأستاذ محمود محمد طه بعنوان (تعالوا الى كلمة سواء) 1958.

44-عبدالله الفكي البشير : رسالة مفتوحة الى فضيلة شيخ الأزهر، مركز الدراسات السودانية، نشر في 23-07-2020.

45- موقع الفكرة الجمهورية بالإنترنت www.alfikra.org؛ وأنظر أيضا محمد أسامة: المفكر والسياسي السوداني «محمود محمد طه”، 29/04/2019.

46- إيمان عادل: محمود محمد طه.. مفكر أهدر دمه المتأسلمون وأعدمه النظام السودانى الإثنين، مرجع سابق؛ وأنظر أيضا منصـور خالـد: شهيد الوطن الاستاذ محمود محمد طه، مجلة الكلمة.الرابط http://www.alkalimah.net/Articles/Read/21186

47- ماهر فرغلى: أفكار فوق حبل المشنقة، مرجع سابق؛ وأتظر أيضا سامح إسماعيل: محمود محمد طه.. ترنيمة أخيرة على صليب الحلاج، 12/11/2017.

48- محمود مراد محمد : محمود محمّد طه و”الرسالة الثانية من الإسلام”، مؤسسون بلا حدود ، نشر في 20 مارس ،2021؛ وأنظر أيضا الطيب عبد السلام: محمود محمد طه بعيون محمد اركون / الإسلام السوداني و إمكان التحديث – حوارية، الحوار المتمدن-العدد: 6475 – 2020 / 1 / 28 – 10:02.

49- علاء الديب: إعدام رجل يفكر، نشر يوم الأحد 17-03-2013