لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول

menu search

علاقة الأستاذ محمود محمد طه بأغنية (أنا أمدرمان)

د. محمد محمد الأمين عبد الرازق


٦ يونيو ٢٠٢١

كتب الدكتور مرتضى الغالي بعموده الهادف بصحيفة الديمقراطي 2 يونيو 2021، كلمة صحح فيها خطأ ورد من الأستاذ محي الدين الفاتح، فقد نسب الأخير أغنية (يوم قسموك يا هم) التي يغنيها سيد خليفة لإدريس جماع، بينما هي للشاعر المخضرم عبد المنعم عبد الحي.. وقد احتشدت الكلمة بقائمة من أجمل أغنيات هذا الشاعر، ثم أشار في ختام الكلمة إلى علاقة الأستاذ محمود بأغنية (أنا أمدرمان) فقال:
(دعك من "أنا أمدرمان تأمل في نجوعي .. أنا السودان تمثل في ربوعي" التي كان يتمثل بها الشهيد محمود محمد طه وظل يردد مقطعا منها في نبوءة عجيبة: "فيا سودان إذ ما النفس هانت أقدم للفداء روحي بنفسي" وكان من رابع المستحيلات أن تتزلزل أقدامه من على المقصلة " وقد كان فوت الموت سهلا فرده إليه الحفاظ المر والخلق الوعر .. فأثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها من تحت أخمصك الحشر" دنيا !!).. انتهى..
قبل أن أدخل في حكاية (أنا أمدرمان)، والملابسات التي دفعت الأستاذ مخمود لإضافتها إلى الإنشاد العرفاني، أحب أن أقدم رؤية الأستاذ المبدئية حول الألحان والغناء بصورة عامة، من كلمته التي افتتح بها معرضا للفكر والألحان بمنزل الأستاذ محمد فضل بالموردة عام 1976م، والألحان المقصودة هنا فيما يخص هذا المعرض هي الإنشاد العرفاني وليس الأغاني العاطفية.. لكن الغناء مشمول في المعنى العام حول الفنون، فقد أشار الأستاذ محمود في إحدى جلساته إلى أن الغناء في السودان قام بدور كبير في شحذ الاحساس وترقية الشعور في أوساط الشعب.. وكانت له صلات طيبة مع أهل الفن عموما، خاصة شعراء الحقيبة، ففي سوق الجلود بأمدرمان استدعى الشاعر ابراهيم العبادي الأخ هاشم فتح الرحمن الذي رحل عنا في مارس الماضي، وقد كان يوزع الكتب، وكلفه بأن يبلغ هذه الأبيات إلى الأستاذ محمود:
زمن الروح مضى وسارت قوافلو المادة
واتولى الزمام من بعدو عصر المادة
طبق فينا من قانونو أبشع مادة
وتتجاذبنا تياراتو جازرة ومادة
تبسم الأستاذ عندما استمع لهذه المداعبة من العبادي وعلق متعجبا: بالله شوفو العبادي استعمل كلمة مادة على كم وجه!!؟؟
هذه كلمة افتتاح المعرض:
(والألحان على التحقيق لأول مرة تعرض في معارضنا، واللحن أقدم من كل لغة، وأقدم من كل مخاطبة تتوجه الى العقل.. واللحن في الحقيقة تتأثر به الحيوانات والنباتات، ومن المحقق أن هزاته تؤثر في الكون كله، حيث إن الكون كله لحن متحرك.. الصورة لحن مجسد ويمكن أن يقال أن اللحن صورة غير مرئية، والصورة لحن مرئي.. ولذلك فإن الصورة واللحن سيكسبان هذه الحركة الميمونة لوناً جديداً من الحيوية، ولوناً جديداً في الاتجاه الى مخاطبة شعور الناس.. والشعور بطبيعة الحال سابق على الفكر، وأقرب طريق لإفهام الناس، هو مخاطبة شعورهم أولاً، فإذا كانت المخاطبة من النوع المتسامي بالعاطفة، يستعد العقل لتقبل المعاني التي تطرح)..
انتهى الجزء الأول
وحول العلاقة التاريخية بين الدين والفنون جاء في الجزء الثاني من الكلمة :
(ومن غير شك، فإن الزواج بين الدين والفن زواج قديم، زواج أزلي، ولكنه لم يكن زواجا موفقا، كانت المناكفات فيه كثيرة، زيجة فاشلة كانت.. والمناكفات ذهبت الى أن تكون الأديان محرمة لألوان من الفنون، وحُقّ لها أن تحرمها لأن الفنون انصبغت بمصاحبة اللهو، والديانات في عباداتها انصبغت، واتجهت لتصر دائما على نوع من الجدية ونوع من الانضباط.. ولكننا نحن في الدعوة الإسلامية الجديدة التي تقوم على بعث أصول الدين، نرى أن المسيرة ستتجه الى رفع الحواجز جميعها، حيث يفضي الأمر في نهاية المطاف، الى إعادة الأشياء كلها الى الحل، إذ أن الحرمة، خاصة فيما يتعلق بالفنون، حكم عقلي، الحكمة وراءه سوق الناس الى الجد والانضباط بدل أن يتوزعوا، ويشتتوا خواطرهم باللهو، أو مايدعو الى اللهو..
وبطبيعة الحال، كل الحرمة من حيث هي، إنما هي حكم عقلي، وإذا استغنت العقول عن الحرمة، ترجع الأمور إلى الحل في نهاية الأمر "ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما " ..الفكر الإسلامي في تساميه يسير الى أن يرتفق بكل ما في الوجود، ليصل الى الله، لأنه ليس لله عدو، وليس لله ضد، وإنما كل الأشياء تسبح بحمده، وتسجد له، وتقدسه، وتكبره، وتعبده، ولكننا نحن لا نفهم هذا التقديس وهذا التسبيح.. فإذا فهمنا، فإن كل الأشياء مطايانا إلى الله ، وبصورة مؤكدة الفنون)
انتهى..
أما ملابسات أغنية (أنا أمدرمان)، فقد اعتقل نظام مايو الأستاذ محمود، ردا على كتاب (الهوس الديني يثير الفتنة ليصل إلى السلطة) وهو كتاب أخرجه الأخوان الجمهوريون لتحذير مايو من الوقوع في وحل الهوس الديني، ولكنها لم تستجب فاعتقلت الأستاذ محمود ومجموعة من تلاميذه، وكان الاعتقال بمعتقلات أمن الدولة، واستمر مدة عام ونصف، ثم أفرج عنهم جميعا في ١٩ ديسمبر ١٩٨٤م..
وفي إجابة على سؤال للأستاذ محمود من مجلة الجامعة:
قبل فترة سمعنا بإمكانية إخراجكم من المعتقل وكان في رفض بالخروج.. ما هو السبب؟
كان رده: (في أوائل مارس ١٩٨٤م عرض عليّ الإفراج.. وقلت ليهم الأمر ليس بهذه البساطة.. أنا اللى أدخلت أولادي في السجن وأنا اللي برسلهم لقيادة الأركان.. والمنطق يقول انو تخرجوهم وتتركوني أنا !! ومكثت حوالي عشرة شهور، فجاء الإفراج الشامل دون قيد أو شرط بتاريخ ١٩ ديسمبر ١٩٨٤م)...
أثناء فترة هذا الاعتقال الطويل صدرت قوانين سبتمبر ١٩٨٣م، لتبدأ معركة بالفكر من جانب الأستاذ محمود، وبالتآمر الجنائي من جانب مايو لإسكات صوته باستغلال القضاء، لأن نميري كان يعلم يقينا أن الأستاذ محمود لن يتركه يتلاعب بالدين، ليستمر حاكما أبديا حسب ما تسوّل له نفسه..
وفي أمسية نفس يوم الإفراج قال لتلاميذه: (نحن ما خرجنا لنرتاح..
نحن أخرجنا من المعتقلات لمؤامرة!!
نحن خرجنا فى وقت يتعرض فيه الشعب للإذلال والجوع، الجوع بصورة محزنة.. ونحن عبر تاريخنا عرفنا بأننا لا نصمت عن قولة الحق.. وكل من يحتاج أن يقال ليهو في نفسه شئ قلناهو ليهو!! ومايو تعرف الأمر دا عننا!!
ولذلك أخرجتنا من المعتقلات لنتكلم لتسوقنا مرة أخرى ليس لمعتقلات أمن الدولة، وإنما لمحاكم ناس المكاشفى!!
لكن نحن ما بنصمت!!
نميري شعر بالسلطة تتزلزل تحت أقدامو فأنشأ هذه المحاكم ليرهب بها الناس ليستمر فى الحكم.. واذا لم تكسر هيبة هذه المحاكم لن يسقط نميرى، واذا كسرت هيبتها، سقطت هيبته هو وعورض وأسقط!!
نحن سنواجه هذه المحاكم ونكسر هيبتها، فاذا المواطنين البسيطين زى الواثق صباح الخير لاقوا من المحاكم دي ما لاقو فأصحاب القضية أولى!!).. انتهى..
واستمرت المواجهة، ففي يوم ٢٥ ديسمبر ١٩٨٤م أخرج الجمهوريون منشور "هذا.. أو الطوفان"، وطالبوا فيه بإلغاء قونين سبتمبر ٨٣ لمخالفتها الشريعة وتشويهها الإسلام، وإيقاف الحرب والعمل على حل مشكلة الجنوب سياسيا، ثم إقامة المنابر الحرة بأجهزة الإعلام المختلفة لإيجاد المذهبية الرشيدة.. فردّت السلطة من جديد باعتقالات واسعة بحراسات الشرطة، لكل من يحمل المنشور، وكذلك الكتب.. ثم تداعى الأمر لاعتقال الأستاذ محمود الأخير بتاريخ ٥ يناير ١٩٨٥م، تحت تهمة إثارة الكراهية ضد الدولة..
وفي رد على سؤال المتحري حول هل المنشور معارضة للشريعة قال الأستاذ:
(أولا: أنا المسئول الأول والأخير عن كل ما يدور حول حركة الجمهوريين داخل السودان وخارجه..
ثانيا: إذا في إنسان قال قوانين سبتمبر مخالفة للشريعة، لا يتهم بأنه ضد الشريعة وإنما يفهم أنه ضد قوانين معينة، بل هو يدافع عن الشريعة.. ويمكن أن يسأل عن برهانه على تلك المخالفة..
ولكننا نقول إن الشريعة الإسلامية على تمامها، وكمالها، حين طبقها المعصوم في القرن السابع لا تملك حلا لمشاكل القرن العشرين، فالحل في السنة وليس الشريعة..) انتهى..
ثم قال كلمته المعروفة أمام محكمة الموضوع..
في نهايات الاعتقال كلف الأستاذ محمود قبيل خروجه من المعتقل، المنشد عبد الله فضل الله بأن يدخل قصيدة أنا أمدرمان ضمن قصائد الإنشاد العرفاني.. وبعد الخروج في جلسة ٤ يناير ١٩٨٥م قال الأستاذ كمقدمة لاستماع القصيدة:
(قصيدة أنا أمدرمان أساسا وضعت كقصيدة غنائية، كتبها الشاعر عبد المنعم عبد الحي وغناها أحمد المصطفى، لكن انتو وضعتو بصماتكم عليها فأصبحت تابعة للإنشاد العرفاني.. في هذه القصيدة التقت أمدرمان الملكوت بأمدرمان الملك).. انتهى.. بعدها اعتقل الأستاذ مرة ثانية يوم ٥ يناير ١٩٨٥م ليس لمعتقلات أمن الدولة وإنما لمحاكم ناس المكاشفي كما قال هو في جلسة يوم الخروج..
هذا وقال الأخ المنشد الفنان عبد الله أنه أثناء ترديده لمقطع (فيا سودان إذ ما النفس هانت أقدم للفداء روحي بنفسي) شاهد نزول دمعة من عين الأستاذ محمود!!