لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول

menu search

الإنسان عند الاستاذ محمود

د. جعفر احمد محمد الماحي


لا أذكر مفكراً، أو مصلحاً اجتماعيًا، في عصرنا هذا على الأقل، احتفى بالإنسان مثلما فعل الاستاذ محمود. لقد كان استاذ الأجيال، شديد الإيمان بالإنسان، وبمستقبله وقدره، كلفاً بتوصيل الخير إليه. يأسى لضياعه ويسعى لاستنقاذه. وقف حياته كلها لخدمته، وسلك كل سبيل لسعادته. لم لا، ومحبة الإنسان عنده، دين. أسمعه يقول في كرامة الانسان، وجلال قدره، ورفعة شأنه، "ان الفرد البشري في الإسلام هو الغاية وكل ما عداه وسيلة إليه، بما في ذلك وسيلة القرآن، والإسلام، تستوي في ذلك المرأة مع الرجل مساواة تامة، وهذا يعني أن الفرد البشري- أمرأة كان أم رجلا، عاقلا كان أو مختل العقل- يجب ألا يتخذ وسيلة إلى غاية وراءه، وإنما هو الغاية التي تؤدي اليها جميع الوسائل."

وأسمعه تارة أخرى وهو يحدثنا عن مستقبل الإنسان المشرق، والخير الكثير المدخر له. "إن هذا يعني ان حظ الإنسان من الكمال لا يحده حد، على الإطلاق. موعود الإنسان من الكمال مرتبة الإله." ويشرح لنا الاستاذ محمود، بلغة الكلام، ما ذهب اليه هنا، في جلسة عرفانية مع بعض من تلاميذه، فيقول،
"راح يجي الوقت اللي يكون الإنسان يتصرف في ضربات قلبو، في تنفس رئتيهو، في رمش عينيهو.. يكون سيد جسدو - سيد مملكتو - الوكت داك الجسد ببقى في مرتبة روحانية .. التطور كلو راح يطلع في المرتبة دي، أنو العقل يكون هو السيد على الحياة كلها، حتى يمكنك أن تشكل جسدك بالصورة الإنت عايزها.. زي الملك.. هسع ممكن جبريل ينزل من صورة إلى صورة، يكون محسوس، زي ما بيجي في صورة دحية الكلبي، مثلا - أها دي قوة على التشكل .. الإنسان ماشي للصورة دي.. تطورو راح يكون مقدرة جسدية ليكون هو ملك المملكة".. "لكن لمن يجي يقول ليك في الجنة لهم ما يشاءون فيها.. أها مما تشاء أنت أن تكون قادر.. نحن هسع قادرين بغيرنا.. نحن قادرين بالعربية وقادرين بالطيارة.. لكن المقدرة الحقيقة أن نكون قادرين بأنفسنا ... نحن ماشين لي دي مؤكد.."

يظهر لنا حب الاستاذ محمود للإنسان في العديد من مؤلفاته، كما ويطالعنا في البشارات العظيمة المبثوثة باستفاضة في أعماله. ولا أظنني مبالغاً، ان قلت ان كل صفحة من صفحات ما خطه يراع الاستاذ محمود، هي، بمثابة إعلان خير ينتظر الإنسان.
أستشهد هنا بالإهداء البديع، والبشارة العظمى، الذي صدر به الاستاذ محمود كتابه الأم، الرسالة الثانية من الإسلام:

إلى الإنسانية!

بشرى.. وتحية.

بشرى ان الله ادخر لها من كمال حياة الفكر ، وحياة الشعور، ما لا عين رأت، ولا أدن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وتحية للرجل وهو يمتخض، اليوم، في أحشائها، وقد اشتد بها الطلق وتنفس صبح الميلاد."

إن دعوة الأستاذ محمود هي في حقيقتها إشارة محب، لما ظلت البشرية تحلم به، وتترقب ظهوره السنين الطوال؛ يوما تملأ فيه الأرض عدلا وخيرا وبركة، ويعمها السلام، وتسودها المسرة والمحبة. ذلك هو يوم نزول المسيح، وهو ما كان يبشر به الاستاذ محمود طوال حياته. اقرأ على سبيل المثال البشارة المفرحة التي زين بها الاستاذ محمود كتابه 'رسالة الصلاة':
"الإسلام عايد عما قريب بعون الله وبتوفيقه.. هو عايد، لأن القرآن لا يزال بكرا، لم يفض الأوائل من أختامه غير ختم الغلاف.. وهو عايد، لأن البشرية قد تهيأت له، بالحاجة إليه وبالطاقة به.. وهو سيعود نورا بلا نار، لأن ناره، بفضل الله ثم بفضل الاستعداد البشري المعاصر، قد أصبحت كنار إبراهيم بردا وسلاما.. إن العصر الذي نعيش فيه اليوم عصر مائي، وقد خلفنا وراءنا العصر الناري.. هو عصر مائي، لأنه عصر العلم.. العلم المادي المسيطر اليوم والعلم الديني - العلم بالله - الذي سيتوج ويوجه العلم المادي الحاضر غدا.. وفي عصر العلم تصان الحرية وتحقن الدماء وتنصب موازين القيم الصحائح. البصيري إمام المديح يقول:
شيئان لا ينفي الضلال سواهما نور مفاض أو دم مسفوح وقد خلفنا وراءنا عهد الدم المسفوح، في معنى ما خلفنا العصر الناري، وأصبحنا نستقبل تباليج صبح النور المفاض.. بل إن هذا النور قد استعلن على القمم الشواهق من طلائع البشرية، ولن يلبث أن يغمر الأرض من جميع أقطارها.. وسيردد يومئذ، لسان الحال ولسان المقال، قول الكريم المتعال: ((الحمد لله الذي صدقنا وعده ، وأورثنا الأرض، نتبوأ من الجنة حيث نشاء، فنعم أجر العاملين))."


في ذلك اليوم الموعود يعم السلام والعدل الأرض كما جرت الإشارة، وذلك حين تنتفي أسباب الغيرة الجنسية بين الناس كما ذكر الاستاذ محمود:

"سيجئ وقت، قريبا، إن شاء الله، تكون فيه العفة، والصون، أمرا ثابتا في صدور النساء، والرجال .. ويكون جميع النساء، إلا امرأة واحدة، لدى كل رجل، كأنهن أخواته، أو أمه .. فلا تتحرك فيه رغبة جنسية لإحداهن، على الإطلاق .. ومثل هذا يقال عن المرأة بين الرجال، إلا رجلا واحدا، هو زوجها .. فكأن التحريم الشرعي اليوم في الدوائر المحرمة هو مقدمة لتلك الحالة التي يصحب مجيئها مجيء الموعود الذي سيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا .. وحالة العفة هذه هي من ضمن العدل الذي ستملأ به الأرض يومئذ .."


أحدى عجائب وإبداعات الاستاذ محمود، كانت اللوحة الزاهية التي رسمها لنا عن غد الإنسان المأمول، والتي استخدم فيها مفردات اللغة العربية في اعجاز مبهر. هذه اللوحة أشتهرت بين محبي الاستاذ محمود، بلوحة خلق الجمال. ولا اجد في نفسي حرجاً من أن أنقلها كاملة هنا.

"نحن نبشر بعالم جديد، وندعو إلى سبيل تحقيقه، ونزعم أنَّا نعرف ذلك السبيل معرفة عملية.. أما ذلك العالم الجديد، فهو عالم يسكنه رجال ونساء أحرار، قد برئت صدورهم من الغل والحقد، وسلمت عقولهم من السخف والخرافات.. فهم في جميع أقطار هذا الكوكب متآخون، متسالمون، متحابون.. قد وظفوا أنفسهم لخلق الجمال في أنفسهم، وفي ما حولهم من الأشياء.. فأصبحوا بذلك سادة هذا الكوكب.. تسمو بهم الحياة فيه سمتا فوق سمت، حتى تصبح وكأنها الروضة المونقة.. تتفتح كل يوم عن جديد من الزهر، وجديد من الثمر".


فات كل هذا على الكثير من الناس. وانشغل معظمهم عن هذه البشارات العظيمة العجيبة، بالتفاصيل واستغرقتهم الحواشي. وفي هذا، باءت المؤسسة الدينية التقليدية في العالم الإسلامي، وفي السودان على وجه الخصوص، بأكبر الإثم . فحالت بين الاستاذ محمود والناس، وشوهت أعماله، ونقلتها لهم نقلا مخلاً، اقل ما يوصف به، أنه غير أمين. كما أنها شخصنة الخلاف معه، وشوشت على اذهان الناس، وصرفت أنظار معظمهم عن مشروعه المفعم بالأمل، وهم لا يدرون أنهم في رفضهم هذا، قد فاتهم الكثير.

وبعد

لقد مضى الاستاذ محمود إلى ربه، وقال ما قال. لكن أقواماً لم يفهموا عنه، وفاتهم ما دعاهم إليه، فخفي عليهم الأمر وانبهم. وما علموا أنه قد كان البشارة التي لم يلتقطها رادارهم، وأنكرتها قلوبهم.


مع تحياتي للجميع