لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول

menu search

في إحياء الذكرى الثانية والأربعين لاغتيال شهيد الفكر: من الذي ارتدّ عن الإسلام… محمودٌ أم جلّادوه؟

عبد الجبار عبد الله


١٢ يناير ٢٠٢٦

أودُّ في هذه المناسبة، أن أنظر فكرياً وفلسفياً إلى مضمون الكلمة المقتضبة المُزلزِلة التي ألقاها الأستاذ محمود محمد طه في وجه قضاة الطغيان الذين ضمتهم هيئة محاكمته في السابع من يناير من عام 1985. أفعل ذلك بدافعٍ معرفيٍ أصيل يرمي إلى نزع الحُجُب unmasking عن المفارقة بين موقف المُتَّهم/المُدان زوراً وجزافاً بالردة عن الإسلام، وزيف تَديُّن جلاديه وإلحادهم المستتر وراء حجاب الإسلام.
هكذا كانت كلمة الأستاذ بنصّها حرفياً، كما أملاها شفويا على مدوّن محضر المحكمة:
“أنا أعلنت رأيي مراراً، في قوانين سبتمبر 1983، من أنها مخالفة للشريعة وللإسلام. أكثر من ذلك، فإنها شوّهت الشريعة، وشوّهت الإسلام، ونفّرت عنه.
يضاف إلى ذلك أنها وُضِعت، واُستُغّلت، لإرهاب الشعب، وسَوقِه إلى الاستكانة، عن طريق إذلاله. ثم إنها هددت وحدة البلاد. هذا من حيث التنظير.
وأما من حيث التطبيق، فإنّ القضاة الذين يتولّون المحاكمة تحتها، غير مؤهلين فنياً، وضعفوا أخلاقياً، عن أن يمتنعوا عن أن يضعوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية، تستعملهم لإضاعة الحقوق وإذلال الشعب، وتشويه الإسلام، وإهانة الفكر والمفكرين، وإذلال المعارضين السياسيين.
ومن أجل ذلك، فإني غير مستعد للتعاون، مع أي محكمة تنكرت لحرمة القضاء المستقل، ورضيت أن تكون أداة من أدوات إذلال الشعب وإهانة الفكر الحر، والتنكيل بالمعارضين السياسيين”.


من نص الكلمة إلى تأويلها منطقياً


الملاحظة الأولى التي يستند إليها الموقف الفكري الديني للأستاذ هي إشارته إلى القوانين التي حوكم بموجبها على أنها قوانين سبتمبر 1983، نافياً عنها أن تكون قوانين للشريعة الإسلامية. تلك هي حجته المنطقية logical argument التي أقام عليها اعتراضه المبدئي عليها جملة وتفصيلاً فيما تلى من فروع حجته.
استناداً إليها مضى إلى توصيف تلك القوانين نظرياً بأنها “شوّهت الشريعة الإسلامية وشوّهت الإسلام ونفّرت عنه…إلى آخر توصيفه لها من حيث إنها هددت وحدة البلاد، وإنها إنما وُضعت عمداً لإذلال الشعب وإرهابه وسَوقِه إلى الاستكانة.
في الجزء الثاني من فروع الحجة المنطقية الأساسية، نظر محمود إلى هيئة المحكمة بوصفها تطبيقاً عمليا لتشوُّهات تلك القوانين لكونها أداة خانعة للسلطة التنفيذية بغرض تشويه الإسلام وإذلال الشعب وإهانة الفكر الحر والتنكيل بالمعارضين السياسيين.
عليه، اختتم محمود حجته الأساسية بإعلان رفضه التعاون مع هيئة قضائية امتنعت عن أن تكون مجرد أداة ذليلة طيّعة بيد السلطة التنفيذية تحقيقاً لتلك الأهداف المنافية للعدالة وللإسلام وللشريعة الإسلامية.

أين يكمن الإلحاد في براغماتية فقه الضرورة عند جلادي محمود؟


ليس مجرد تكرار لفظي أن أكد محمود مراراً في كلمته القصيرة تلك أن القوانين التي حوكم بموجبها “مخالفة للشريعة وللإسلام” وأنها تشويه لهما. فإلى أين يفضي هذا التأكيد منطقياً وفلسفياً؟ للإجابة عن هذا السؤال لنبدأ بفقه الضرورة عند الإخوان المسلمين في السودان.
استناداً إلى القاعدة الفقهية المقيَّدة بالنواهي والكوابح الدينية الصريحة الزاجرة بالنص القرآني والحديث (الضرورات تبيح المحظورات) مضت الحركة الإسلامية/المؤتمر الوطني في السودان، خصوصًا في مسارها السياسي عقب تشريع قوانين سبتمبر 1983، في توسُّعٍ مطلق ومنفلت في استخدام ما يسمى بـ “فقه الضرورة” لتبرير جميع الفظائع والانتهاكات والجرائم التي ارتكبتها بحق المواطنين المدنيين، بما فيها الجرائم المرتكبة في ساحة العدالة الناجزة في سجن كوبر، تلك الجرائم التي بلغت ذروتها بإعدام الشهيد محمود شنقاً في الساحة نفسها في مطلع عام 1985. ثم تلتها جرائم بيوت الأشباح النكراء في بواكير التسعينيات، ولوغاً وخوضاً في دماء السودانيين إلى جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة إلى يومنا هذا ونحن لم نزل في جحيم حرب 15 أبريل 2023، مع التشديد خطابيًا ودعائياً على “عدم المساس” بمبادئ وثوابت الشريعة الإسلامية.​
فعلى الرغم من هستيريا الزعيق والتهليل والتكبير باسم الله، تحوّل هذا الفقه على امتداد سنوات حكمهم العجاف من استثناء فقهي محدود إلى منهج شامل للحكم لتبرير ممارسات النهب والظلم والفساد بجميع أشكاله وأنواعه، علاوة على تخريب الاقتصاد الوطني واحتكار السلطة والثروة والتفريط في السيادة والوحدة الوطنية والتنكيل بالمعارضين السياسيين وإرهابهم وإذلالهم.
بل إنه فقه الضرورة نفسه الذي خوّل لهم إنشاء وظيفة رسمية حكومية عنوانها “مُغتصِب ” Rapistبجهاز أمنهم الإجرامي عديم الشرف والأخلاق. تقف على ذلك مأساة اغتيال الأستاذ أحمد الخير شاهداً مطبوعاُ على جبين عصرهم الظلامي المشؤوم. وتقف مثلها وقبلها شهادة العميد معاش المرحوم محمد احمد الريّح على تعرُّضه للاغتصاب في بيوت الأشباح.
ثم إنه فقه الضرورة الذي لا يمنع دق مسمار في رأس طبيب معارض لبطشهم واستبدادهم في بواكير انتشائهم وسُكْرِهم بخمر السلطة ونبيذها، ما دام ذلك يضمن بقاء المشروع الحضاري ويثبّت أركان نظامهم الفاشي الوليد المفروض على الشعب بقوة السلاح منذ 30 يونيو عام 1989.
ثم إنه فقه الضرورة الذي برّر لأحد كبار شيوخهم وقادتهم دينياً وأخلاقياً تنافُر روحه الطاهرة مع جسده الفاسد على حد وصفه! باختصار، يتماشى هذا النهج وقع الحافر مع الحافر مع المبدأ الميكيافيلي الشهير “الغاية تبرر الوسيلة” the end justifies the means. في كل شيء.
هذا من حيث الممارسة praxis أو التطبيق. أما من المنظور الفكري الفلسفي، فإنها -جماعة الإخوان المسلمين- لا دين لها أصلاً بمعنى التديُّن الفطري الطبيعي المنزّه عن الأطماع والشهوات والمصالح المادية الدنيوية في ميدان الصراع السياسي والاجتماعي. فهو ميدان تتعفّر فيه قدسية الدين وتتطلخ بأحذية المصالح الدنيوية وتُختزل فيه تلك القدسية السماوية نفسها إلى مجرد أداة أيديولوجية لحسم الصراع السياسي والاجتماعي لصالح الجماعة وحدها.
هكذا تُنزع عن الدين قداسته ويُختَزَل إلى مجرد سلعة وتجارة رابحة في سوق “الله أكبر” على “كفار” السودان ومارقيه في نظر الجماعة.
ليس أدلّ على ذلك من أن سنوات نظامهم كلها لم تكن سوى أكبر إساءة للإسلام، يجب تجريمها تحت طائلة مواد “تدنيس الدين”. فهذا إسلام فقه الضرورة الذي يبيح ممارسة الظلم والفساد بجميع أشكاله وألوانه وارتكاب كل الآثام والموبقات باسم الإسلام ويحلل لأفراد الجماعة كل ما يحرّمونه على الآخرين.

براغماتية غربية صريحة وراء قناع إسلاموي


كما أسلفت، فإن فقه الضرورة نهج ذرائعي ذو جذور ونزعة مادية مُلحِدة لا أساس لها من الدين أصلاً. ففي التّحلُّل والتَوَضُّؤ عن مبادئ الإسلام الدينية وكوابحه الأخلاقية الروحية وتحريمه لارتكاب الموبقات في سبيل تحقيق المصالح السياسية والدنيوية -مثلما هو الحال في ممارسة الاعتقال والتعذيب والقتل والاغتصاب ونهب المال العام وغيرها، حرصاً على بقاء النظام الحاكم باسم الإسلام- إنما يجعل من ذلك الفقه مرادفاً إسلاموياً للفلسفة البراغماتية أو الذرائعية Pragmatic Philosopy/Pragmatism.
ففي هذه الأخيرة لا وجود للمثاليات المطلقة ولا قيمة للفكرة المجردة-أياً كانت، وهي الإيمان بالذات الإلهية عند المسلمين- إلا بما تحققه من نفعٍ عمليٍ لصاحبها أو أصحابها. أي أنه لا قيمة للدين نفسه إلا بما يعود به عملياً من نفعٍ وسلطةٍ وجاهٍ لدعاة تحكيم شرع الله.
للمزيد، راجع الفلسفة البراغماتية في مصادرها الأصلية منذ نشأتها في الولايات المتحدة الأمريكية حوالي عام 1970، وصولا إلى مراحل تطورها المتعاقبة عند تشارلز ساندرس بيرس (1839–1914) وويليام جيمس (1842–1910) وجون ديوي (1859-1952).
من هنا كان التمكين باسم الدين، مع إضفاء طابع قدسي ديني على الظلم السياسي والاجتماعي الذي مارسه نظام الإنقاذ بحق الغالبية العظمى من السودانيين. ذاك هو الإسلام السياسي في نسخته الداعشية/الطالبانية الحديثة المتطرفة التي لم يألفها السودانيون من قبل في حياتهم. من هنا صارت معارضة الطاغية المستبد باسم الدين، معارضةً لشرع الله من منظور الدولة الدينية theocratic state التي أرسوا دعائمها على آلة البطش والقهر والعنف والتنكيل بالمعارضين.

نزعُ الحُجُب على أعواد المشنقة


بصعوده الجسور إلى حبل المشنقة، وابتسامته الساخرة تلك، كأنّ الأستاذ يردد قول أبي تمام الشهير:
«وقد كان فَوْتُ الموتِ سَهلاً فَرَدَّهُ / إليهِ الحِفاظُ المُرُّ والخُلُقُ الوعِرُ»​
ولكن ذاك الحِفاظُ المُرُّ والخُلُقُ الوعرُ لم يكونا دفاعاً عن كرامة فردية، ولم يكن محورهما الذات، إنما كانا دفاعاً عن حرية الفكر والضمير، إدانةً للزيف والنفاق باسم الدين، صرخةً مدويةً في وجه أذيال الطغيان وقضاته وصنائعه ومستبديه.
ذاك هو الاحتجاجُ المُر على قوانين الإذلال والإرهاب تلك، المنافية للشريعة والإسلام والمنفّرة عنه، كما أحسن وصفها وتكييفها فقهياً وفكرياً. فما أسهل النجاة بكلمة واحدة فقط، إن كان الموقف فردياً أو ذاتياً. ولكن أنّى له أن يضفي شرعيةً غير مستحقة على تلك القوانين وعلى قضاة تلك المحكمة المهزلة التي لم تُشكَّل إلا لإرهاب الفكر الحر وإذلاله في شخصه هو؟ لقد كان محمود مُحَصِّلة الجمع والتاريخ في آن، أي أنه كان في مَقتَلِه الفدائيِّ العظيمِ ذاك، مُحَصِّلة لجموعِ شعبهِ ولسائرِ المفكرينَ الأحرار في بلاده.
كان الشاعر محجوب شريف قد صدحَ بعبقريتهِ الشعريةِ الوِقَّادة في موقفٍ مشابهٍ في يوليو من عام 1971في رثاء شهيد الفكر عبد الخالق محجوب:
“الفارس معلّق ولاّ الموت معلّق؟“
حيّرنا البطل!
فالموت المعلّق في بطولة محمود هذه المرة كان جسد الحركة الإسلامية الذي تدلّى هامداً بين أعواد مشنقة الطغيان والاستبداد، أما الشهيد، فقد صَعَدَت روحُه إلى ملكوتٍ شاهق ٍ سامقٍ هيهاتَ لمهندسي فقه الضرورة ومُشوِّهي الإسلام أن يبلغوا شَأوَهُ ومَعَارِجَه.
ههنا تكمن المفارقة بين الجلاد والضحية في أنصع صورها وأعمق معانيها. مَن يتّهم مَن؟ ومَن يحاكِم مَن؟ بالحُجَّة والمنطقِ والسواء.
ما أحوجنا اليوم إلى استلهام مآثر تلك البطولةِ الشهمةِ النبيلة، في زمنٍ استَحكَم فيه الجهلُ والاستبداد، وتفشَّت فيه مصادرة حرية الفكر والضمير، بل عزّ فيه الحقُّ في الحياةِ والأمنِ والسلام على غالبيةِ المواطنين السودانيين.

صحيفة مداميك