وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الإخوان.. والكذب!! (٢-٢)

د. عمر القراي


٢٣ أبريل ٢٠٢٦م

(فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)

صدق الله العظيم


عندما قامت ثورة ديسمبر المجيدة، في عام 2018م، ضد حكومة الاخوان المسلمين، قابلها إعلامهم الرسمي بجملة من الأكاذيب. فزعموا أنها مظاهرات هزيلة، يقوم بها شذاذ آفاق، وشبان منحرفون. ثم استعملوا الرصاص الحي لإخماد المظاهرات. وحتى يبرروا ضرب متظاهرين سلميين، كذبوا على لسان صلاح قوش، رئيس جهاز الامن، الذي قال إن فتاة كانت تخبئ بندقية في "شنطتها"، هي التي اطلقت الرصاص، وقتلت رجل شرطة!!
وكانت أول كذبة عملية للبرهان، ظهوره في ساحة اعتصام القيادة العامة، وهو يصافح بعض السياسيين، وكأنه متعاطف مع الثوار. وحين عين ابنعوف وعبد المعروف، ورفضهما الثوار، لم يرفضوا البرهان، بسبب خدعته تلك. ولم يكن أحد يعرفه، حتى فضحه، في وقت لاحق، د. أمين حسن عمر، حين قال إن البرهان كان معتمد منطقة "نرتتي"، ورئيس المؤتمر الوطني بها!!
وقبل الاعتصام، كانت كتائب الإخوان المسلمين، ترتدي زي الجيش، وتقوم بواسطة قناصين، من أعلى العمارات، بقتل الشبان والشابات، المتظاهرين. فخرج البرهان، وكذب على الشعب، وقال إن الجيش والدعم السريع، لم يقتلوا المتظاهرين، وهناك جهة ثالثة، مجهولة، هي التي تقوم بذلك!! ولقد استطاع الثوار برغم القتل الذريع، أن يصلوا الى القيادة العامة، في محاولة لاستنهاض الجيش، ليقف مع الثوار، وكانوا يهتفون (شعب واحد جيش واحد)!! ولكن الجيش، الذي سيطر عليه الاخوان المسلمون، بقيادة البرهان، لم يستجب لنداء الثورة، بل كان يخطط بتوجيه الاخوان المسلمين، الى إخمادها تماماً. وقبل ذلك، بدأت أكاذيب الاخوان المسلمين الممنهجة، ضد الاعتصام. فأشاعوا ان الشبان والشابات، جاءوا لتعاطي الفجور، والرذيلة، وأن ساحة الاعتصام، مليئة بالزنا، وبالخمور، والمخدرات. ثم ظهر بعد ذلك، من كتابات وتسجيلات بعض الاخوان المسلمين أنفسهم، أنهم هم الذين ادخلوا الخمور، والحشيش، واستأجروا بعض الفتيات، لافتعال أعمال غير أخلاقية، كخطة منهم، لخلق رأي عام من الاسر السودانية، ضد الاعتصام، حتى لا يتأسف الناس عليه، حين يقوموا بفضه. فهل رأى الناس مثل هذا الكذب، وهذا النفاق؟!
في مساء 3 يونيو 2019م، وفي أواخر رمضان، قامت قوات من الجيش، والمخابرات، والشرطة العسكرية، والدفاع الشعبي، والشرطة، والدعم السريع، بالهجوم على الشبان والشابات، في ميدان القيادة العامة. ولم يكن الغرض هو فض الاعتصام، وإلا كانوا قد جاءوا بالسياط والعصي، والغاز المسيل للدموع، وفتحوا مخرجاً للفارين. بل إنهم قفلوا كل المخارج، وأغلقوا أبواب مدخل القيادة العامة امام الشبان الفارين نحوه. ووقف البرهان، وزملاؤه من الاخوان المسلمين، أعضاء اللجنة الأمنية لنظام البشير، يتفرجون على تلك المجزرة البشعة التي ترتكب أمام ناظريهم، من اعلى أبراج القيادة العامة. إن الذي حدث، هو ضرب بالرصاص، وحرق للنائمين في خيامهم، ورمي الأجساد وهي مثقلة بالحجارة في النيل، واغتصاب النساء داخل مسجد طلاب جامعة الخرطوم. وفي اليوم التالي خرج البرهان، وهو فرح ومنتشي، حيث ظن كما أوهمه الاخوان المسلمون، إن قتل الثوار، سيخمد الثورة، وما عليه الا أن يكوّن حكومة، ويعيدهم للسلطة. وبالفعل هاجم قوى الحرية والتغير، وذكر أنه لن يتعامل معها، وسيقيم حكومته. ولكن الشباب، ترسوا كل شوارع العاصمة المثلثة. وخرجت في 30 يونيو 2019م أكبر مظاهرة، عرفها تاريخ السودان، فما كان من البرهان، ومعه تنظيم الاخوان المسلمين، إلا ان ينحنوا للعاصفة. وذهب يبحث عن "قوى الحرية والتغيير"، وتوافق معها على حكومة مشتركة بين المدنيين والعسكريين، وتم التوقيع على الوثيقة الدستورية، التي تضمن هذا التحالف في 17 أغسطس 2019م.
ولقد تجلى كذب البرهان، في تلك الحكومة المشتركة. فقد كان يظهر التوافق معها، ويضمر العمل على افشالها، مما يعتبر من أسوأ صور النفاق. فتعاون مع تجار الاخوان المسلمين، على إخفاء السلع، لخلق أزمة. وأوعز الى "ترك" بتوجيه من تنظيم الاخوان المسلمين، بقفل طريق بورتسودان الخرطوم، وقفل الميناء حتى تحدث مجاعة. ثم كذب حين قال إن تلك مشكلة سياسية، يجب أن يحلها الجانب المدني، من الحكومة. مع أنه يعلم أن عمل "ترك"، كان عملاً تخريبياً، ضد مصلحة الوطن، ويجب حسمه أمنياً وعسكرياً، وأن الشرطة، وجهاز الأمن، والجيش، في يده هو. ولقد قامت المخابرات، بعلمه، بتوجيه المجرمين المسلحين بالسواطير، الذين عرفوا ب"تسعة طويلة"، ليزعزعوا الأمن، ويعتدوا على المواطنين، ويثيروا الفوضى، والشرطة تتفرج عليهم، ولا تتدخل. وحين يستنجد المواطنون برجال الشرطة، يجدون من يقول لهم (ما قلتو دايرين المدنية)!! وبالرغم من كل ذلك، ورغم ضعف الجانب المدني، بقيادة حمدوك، ورغم أن الجيش كان يحوز على 80% من ميزانية الدولة، استطاعت حكومة حمدوك، إعادة السودان للمجتمع الدولي. ورفعت عنه الحصار الاقتصادي والعزلة، ورفعت السودان من قوائم الدول الراعية للإرهاب، ونجحت في اعفاء قدر كبير من الديون الخارجية، واستقبلت مليارات الدولارات، من الإعانات الأجنبية، وخصصت صندوق داخلي، لمساعدة الأسرة الفقيرة.
ولقد شعر الاخوان المسلمون، أن الجيش لا يمكن أن ينافس حكومة مدنية، ولهذا وجهوا البرهان، أن يوظف أموال الشركات التابعة للقوات المسلحة، لشراء السياسيين الانتهازين، وخلق جبهة مدنية، تدعم الجيش. فبدأوا بالمواكب المعارضة للثورة، وسموها الزحف الأخضر، ولكنها فشلت، وسماهم الثوار (الزواحف)!! ثم اقاموا اعتصاماً مدفوع الأجر، وزعوا على مجموعاتهم فيه الموز، فجروا اليه يتخاطفونه، ففشل اعتصامهم وسماهم الثوار (قرود الموز)!! وإزاء هذا الفشل، اضطر البرهان الى القيام بانقلاب، ضد الجانب المدني في الحكومة في 25 أكتوبر 2021م. واعتقل حمدوك في بيته، ووضع بقية المدنيين من الوزراء في السجن، وحل لجنة تفكيك نظام الإنقاذ، ووضع أعضائها في السجن. وألغى قراراتها، وأعاد الذين فصلتهم اللجنة من الاخوان المسلمين بسبب فسادهم، الى مراكزهم في الحكومة، وارجع إليهم الأموال التي نهبوها، وصادرتها منهم اللجنة. وكل هذا الغدر، والخيانة للعهد وللوثيقة، ثم تسمية انقلابه "تصحيح المسار"، ضرب من الكذب، الذي مرد عليه البرهان، كغيره من الاخوان المسلمين. ونتج عن انقلاب البرهان، على حكومة الثورة والوثيقة الدستورية، فقدانه للشرعية. مما أدى الى تعليق الدعم الدولي، الذي يفوق 4 مليار دولار، وتجميد اعفاء الديون، ووقف برامج تمويل التنمية، وازدياد التضخم بنسبة 300%، وتوقف التنمية، وكافة البرامج الاقتصادية. ولم يستطع البرهان، تكوين شق مدني جديد، لحكومة الانقلاب، فهرع الى حمدوك يسترضيه ليعود رئيساً للوزراء، ويكوّن الجانب المدني للحكومة. فعاد حمدوك رئيساً للوزراء في 21 نوفمبر 2021م. ولكن "قوى الحرية والتغيير" لم تعد معه، بل ادانت عودته، ورفضت موقفه، كما ادانه الثوار، الذين ظلوا في الشارع، يواجهون رصاص البرهان، وكتائب الاخوان المسلمين. وفي 2 يناير 2022م قدم حمدوك استقالته، وعزا ذلك الى أن البرهان، وعده بأن يوقف قتل الثوار، ولم يفعل. فقد كذب البرهان، مرة ثانية على حمدوك، ولم يبلغ بتلك الكذبة طائلاً. وبعد ذهاب حمدوك، لم يستطع البرهان إيجاد شق مدني لحكومته. واستعان بإعلام الاخوان المسلمين، لشيطنة "قوى الحرية والتغيير"، ومحاولة تحميلها فشل حكومته. وكل ذلك الكذب لم يجد، فلم يبق للبرهان الا أن يحاول خداع "قوى الحرية والتغيير"، مرة أخرى، فحاول أن يدعوهم للرجوع للوثيقة الدستورية، التي كان قد مزقها بانقلابه. ولكنهم كانوا هذه المرة، جاهزين بمساعد نقابة المحامين بوثيقة جديدة، هي ما عرف ب"الاتفاق الاطاري". و"الاتفاق الاطاري" لا يقبل مشاركة العسكر في السلطة، وانما حكومة مدنية خالصة، ويدعو الى دمج كل المليشيات في جيش وطني واحد غير مسيس. ولقد تردد البرهان في ذلك الاتفاق، ولكنه بعد المناقشة، وافق عليه، ووقع هو نيابة عن الجيش، ووقع حميدتي نيابة عن الدعم السريع، على "الاتفاق الاطاري" في 5 ديسمبر 2022م.
ولما شعر الاخوان المسلمون، بأن "الاتفاق الاطاري" سيقود فعلاً الى حكومة مدنية، وهي حتماً ستصادر الأموال التي نهبوها، وتقدمهم لمحاكمات حقيقة، على ما ارتكبوا من جرائم، بدأوا يهاجمون "الاتفاق الاطاري". وخصصوا افطاراتهم الرمضانية، للتعبئة، والحشد، والخطب ضد "الاتفاق الاطاري". ووجهوا البرهان ليكذب عملياً، بتراجعه عما وقع عليه، وحاولوا اقناع حميدتي بالتراجع، مثل البرهان لكنه رفض. بل خرج للناس يقول إن هذا الاتفاق، هو أفضل عمل تم، وهو لن يتراجع عنه. ولم يستطع البرهان أن يقوم بانقلاب آخر، ويعتقل المدنيين بحجة أنهم مع "الاتفاق الاطاري"، لأن هذه المرة، هناك قوة مسلحة، هي الدعم السريع تؤيد ذلك الاتفاق. وهذا ما حدا بالإخوان المسلمين، أن يوجهوا البرهان، بالاعتداء على الدعم السريع، والقضاء عليه، قبل التفرغ للمدنيين. وهكذا بدأوا الحرب ضد الدعم السريع في 15 أبريل 2023م. واشاعوا كذباً أن الدعم السريع هو الذي بدأ الحرب. ثم وظفوا الاعلام الرسمي، واشتروا مرتزقة، وصنعوا لهم غرف إعلامية، تشيع الكذب، وتكرره، حتى يظنه الناس حقاً. ثم اخرجوا السجناء من المجرمين من السجون، وألبسوهم زي الدعم السريع، وجعلوهم يرتكبوا جرائم منكرة، نسبوها، كذباً وزوراً، للدعم السريع. ولا يعني هذا إن الدعم السريع، لم يرتكب جرائم ضد المدنيين، لكن قيادته كانت تدينها، وتعتقل من يرتكبها. بخلاف جيش الاخوان المسلمين، الذي لديه فرقة من القوات الخاصة، تسمى "الضباحين" مهمتها ذبح الأسرى مثل الخراف، كان والي أحد الولايات قد استقبلها وأشاد بها!! ولهذا كانت حكومة البرهان ترفض لجان التحقيق الدولية. ولا تتورع من قصف المدنيين في الأسواق والمناسبات الاجتماعية، بالطائرات. ولقد استعملوا السلاح الكيميائي، الممنوع دولياً، وأنكروه. حتى ظهر في تلميح ياسر العطا، باستخدام القوة المميتة. وكانوا كلما طالبهم المجتمع الإقليمي والدولي بالسلام، يكذبون، ويقولون إنهم سيفاوضون، ثم ينكثوا عن المفاوضات، ثم يكذبوا مرة أخرى. ولقد خاضوا الحرب بالكذب، وتحري الكذب، فقد ادخلوا بواسطة المخابرات، بعض اتباعهم في الدعم السريع، وجعلوهم يمارسوا ابشع الجرائم، التي تدين الدعم السريع دولياً، ثم لما عادوا مثل "كيكل" استقبلوهم كأبطال. وكتبوا في اعلامهم، كذباً، أن "كيكل" يشبه خالد بن الوليد!! ثم جاءهم قبل أيام، النور قبة، منشقاً من الدعم السريع، فكتبوا في اعلامهم (النور قبة كان على تنسيق وتواصل مع قيادة هيئة الاستخبارات العسكرية منذ ما يقارب العامين) مما يعني أن ما ارتكبه من قتل لقوات المشتركة في الفاشر، وما ارتكبه في الجزيرة، من قتل للجنود، كان بتخطيط، وتوجيه، واشراف، الاستخبارات العسكرية، التابعة لجيش البرهان!! ثم بعد كل ذلك، ذكر أحد كتابهم، إن النور قبة قد ينصر الجيش، مثلما نصر عمر بن الخطاب، الإسلام!!
ثم بعد اعترافهم بقتل بعضهم، وخيانتهم لبعضهم، يتحدثون أن حربهم هذه جهاد، وحرب كرامة (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).

23 أبريل 2026م