وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
قديماً هام الناس بسر الحياة الأعظم .. هاموا بسر القدرة ، و بسر الخلود .. فجد الفلاسفة وراء ما أسموه بحجر الفلاسفة ، و بحث الكيماويون عما أسموه إكسير الحياة .. و حلم القصاصون بخاتم المنى، و بالفانوس السحري.. و لم يظفر أي من هؤلاء بشئ مما كانوا يبتغون.
قل لهؤلاء جميعاً ، و لغير هؤلاء ، من سائر الناس، إن سر الحياة الأعظم ـ إن إكسير الحياة ـ هو الفكر .. الفكر الحر .. الفكر القوي، الدقيق ، الذي يملك القدرة على أن يفلق الشعرة ، و يملك القدرة على أن يميز بين فلقتيها.. و هذا الفكر إنما هو ثمرة العقل المسدد ، المروض، المؤدب بأدب الحق ، و أدب الحقيقة ...
محمود محمد طه – أسئلة وأجوبة: الجزء الأول، يناير 1970، أمدرمان