لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الرسالة الثانية من الإسلام

توطئة البحث

بسم الله الرحمن الرحيم
(( اليوم أكملت لكــم دينكــم
وأتممت عليكم نعمتي ورضيت
لكم الإســـلام دينا ))

نحمدك اللهم ، ونستهديك ، ونستعينك ،
ولا نحصي ثناء عليك ، أنت
كما أثنيت على نفسك :

توطئة البحث


عندما استعلن النور الإلهي بمحمد الأمي من جبال مكة في القرن السابع الميلادي ، أشرقت شمس مدنية جديدة ، بها ارتفعت القيمة البشرية إلى قمة لم يسبق لها ضريب في تاريخ البشرية .
ولقد قامت تلك المدنية الإنسانية الجديدة على أنقاض المدنية المادية الرومانية في الغرب ، وعلى أنقاض المدنية المادية الفارسية في الشرق ، ولقد بلغت هذه المدنية الإنسانية الجديدة أوجها ، من الناحية النظرية على الأقل ، غداة أنزل الله تعالى على نبيه الآية التي صدرنا بها هذا السفر ، وهي قـوله تعالى (( اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام دينا . )) وذلك في نهاية الثلث الأول من القرن السابع ، ثم ان النبي لم يلبث أن التحق بربه ، فانثلمت بذلك قمة هرم هذه المدنية الإنسانية الجديدة ، ومن أبلغ ما بلغنا في ذلك عبارة أحد الأصحاب حين قال ، (( ما كدنا ننفض أيدينا من تراب قبر رسول الله حتى أنكرنا قلوبنا )) وظهر صدق هذه العبارة عمليا في أخريات خلافة عثمان ، مما انتهى إلى ما يعرف في التاريخ الإسلامي بالفتنة الكبرى .
وهذه المدنية الإنسانية الجديدة ، التي جاء بها الله على لسان محمد ، والتي عاش محمد في أوجـها ، والتي انحسرت قمة موجتها بهذه السرعة المذهلة لدى موت محمد ، كما جاء في عبارة أحد أصحابه ، ما زالت قمتها تطمئن ، وقاعدتها تتسع ، حتى عادت مدنية مادية تشبه ، من بعض الوجوه ، المدنية الرومانية ، والمدنية الفارسية ، اللتين أسلفنا القول بأن مدنية الإسلام قامت على أنقاضهما .
يقولون ان التاريخ يعيد نفسه ، وهذا حق ، ولكنه ليس كل الحق ، ذلك بأن التاريخ لا يعيد نفسه بصورة واحدة ، وإنما يعيدها بصورة تشبه من بعض الوجوه ، وتختلف من بعضها ، عما كان عليه الأمر في سابقه ، فالمكان ليس كرويا ، ولا الزمان ، تبعا لذلك ، بكروي ، وإنما هما لولبيان ، يسيران من قاعدة إلى قمة ، تشبه فيهما نهاية الحلقة بدايتها ، ولا تشبهها .
وكما أن الزمان ، على كوكبنا هذا ، يسير على رجلين ، من ليل ونهار - من ظلام ونور- وكما أن الإنسان يمشي على رجلين من شمال ويمين ، فكذلك الحياة تتطور على رجلين من مادة وروح .. وعندما يقدم المجتمع البشري ، في ترقيه ، رجل المادة ، ويثبتها ، ويعتمد عليها ، يكون في حالة تهيؤ ليقدم رجل الروح ، وهو لا بد مقدمها ، (( كان على ربك حتما مقضيا .)) ذلك بأن تقدم الحياة لا يقف إطلاقا ، ولا يتأخر ، ولا يكرر نفسه ، وإنما يسير قدما في مدارج مراقيه ، حيث تطلب الحياة أن تكون كاملة في الصور ، كما هي كاملة في الجوهر . وهيهات !!
أو قل ان سير الحياة ، في مراقيها ، كسير الموجه ، فهي لا تنفك بين سفح وقمة ، وهي عندما تكون في السفح إنما تحتشد لتقفز إلى القمة ، وإنما يمثل السفح التقدم المادي للمجتمع البشري ، وتمثل القمة تقدمه الروحي ، والذين لا يرون صورة سير المجتمع مكتملة ، وإنما يرونها بالتفاريق ، ينعون عليه تقدمه المادي ، ولا يعتبرونه إلا انحطاطا ، ويحسبونه رجسا من عمل الشيطان ، والله هو المسير الحياة إليه ، على هذين الرجلين ، من المادة والروح . وفي الحق ، انه لدى التوحيد ، إنما المادة والروح شئ واحد ، ولا يقع بينهما اختلاف نوع ، وان وقع بينهما اختلاف المقدار .