((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الرسالة الثانية من الإسلام

توطئة البحث

بسم الله الرحمن الرحيم
(( اليوم أكملت لكــم دينكــم
وأتممت عليكم نعمتي ورضيت
لكم الإســـلام دينا ))

نحمدك اللهم ، ونستهديك ، ونستعينك ،
ولا نحصي ثناء عليك ، أنت
كما أثنيت على نفسك :

توطئة البحث


عندما استعلن النور الإلهي بمحمد الأمي من جبال مكة في القرن السابع الميلادي ، أشرقت شمس مدنية جديدة ، بها ارتفعت القيمة البشرية إلى قمة لم يسبق لها ضريب في تاريخ البشرية .
ولقد قامت تلك المدنية الإنسانية الجديدة على أنقاض المدنية المادية الرومانية في الغرب ، وعلى أنقاض المدنية المادية الفارسية في الشرق ، ولقد بلغت هذه المدنية الإنسانية الجديدة أوجها ، من الناحية النظرية على الأقل ، غداة أنزل الله تعالى على نبيه الآية التي صدرنا بها هذا السفر ، وهي قـوله تعالى (( اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام دينا . )) وذلك في نهاية الثلث الأول من القرن السابع ، ثم ان النبي لم يلبث أن التحق بربه ، فانثلمت بذلك قمة هرم هذه المدنية الإنسانية الجديدة ، ومن أبلغ ما بلغنا في ذلك عبارة أحد الأصحاب حين قال ، (( ما كدنا ننفض أيدينا من تراب قبر رسول الله حتى أنكرنا قلوبنا )) وظهر صدق هذه العبارة عمليا في أخريات خلافة عثمان ، مما انتهى إلى ما يعرف في التاريخ الإسلامي بالفتنة الكبرى .
وهذه المدنية الإنسانية الجديدة ، التي جاء بها الله على لسان محمد ، والتي عاش محمد في أوجـها ، والتي انحسرت قمة موجتها بهذه السرعة المذهلة لدى موت محمد ، كما جاء في عبارة أحد أصحابه ، ما زالت قمتها تطمئن ، وقاعدتها تتسع ، حتى عادت مدنية مادية تشبه ، من بعض الوجوه ، المدنية الرومانية ، والمدنية الفارسية ، اللتين أسلفنا القول بأن مدنية الإسلام قامت على أنقاضهما .
يقولون ان التاريخ يعيد نفسه ، وهذا حق ، ولكنه ليس كل الحق ، ذلك بأن التاريخ لا يعيد نفسه بصورة واحدة ، وإنما يعيدها بصورة تشبه من بعض الوجوه ، وتختلف من بعضها ، عما كان عليه الأمر في سابقه ، فالمكان ليس كرويا ، ولا الزمان ، تبعا لذلك ، بكروي ، وإنما هما لولبيان ، يسيران من قاعدة إلى قمة ، تشبه فيهما نهاية الحلقة بدايتها ، ولا تشبهها .
وكما أن الزمان ، على كوكبنا هذا ، يسير على رجلين ، من ليل ونهار - من ظلام ونور- وكما أن الإنسان يمشي على رجلين من شمال ويمين ، فكذلك الحياة تتطور على رجلين من مادة وروح .. وعندما يقدم المجتمع البشري ، في ترقيه ، رجل المادة ، ويثبتها ، ويعتمد عليها ، يكون في حالة تهيؤ ليقدم رجل الروح ، وهو لا بد مقدمها ، (( كان على ربك حتما مقضيا .)) ذلك بأن تقدم الحياة لا يقف إطلاقا ، ولا يتأخر ، ولا يكرر نفسه ، وإنما يسير قدما في مدارج مراقيه ، حيث تطلب الحياة أن تكون كاملة في الصور ، كما هي كاملة في الجوهر . وهيهات !!
أو قل ان سير الحياة ، في مراقيها ، كسير الموجه ، فهي لا تنفك بين سفح وقمة ، وهي عندما تكون في السفح إنما تحتشد لتقفز إلى القمة ، وإنما يمثل السفح التقدم المادي للمجتمع البشري ، وتمثل القمة تقدمه الروحي ، والذين لا يرون صورة سير المجتمع مكتملة ، وإنما يرونها بالتفاريق ، ينعون عليه تقدمه المادي ، ولا يعتبرونه إلا انحطاطا ، ويحسبونه رجسا من عمل الشيطان ، والله هو المسير الحياة إليه ، على هذين الرجلين ، من المادة والروح . وفي الحق ، انه لدى التوحيد ، إنما المادة والروح شئ واحد ، ولا يقع بينهما اختلاف نوع ، وان وقع بينهما اختلاف المقدار .