((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الرسالة الثانية من الإسلام

الباب الثاني: الفرد والجماعة في التفكير الفلسفي

الباب الثاني


الفرد والجماعة في التفكير الفلسفي


أما الفلسفة الاجتماعية ، عبر العصور والى أن انتهت بالشيوعية المعاصرة ، فإنها قد فشلت في إدراك العلاقة بين الفرد والجماعة ، فهي قد ظنت أن الفرد إذا وجد الفرصة لممارسة حريته فان نشاطه سيكون ضد مصلحة الجماعة ، ولما كانت الجماعة أكثر من الفرد ، فان مصلحتها أولى بالرعاية من مصلحته ، ومن ثم أهدرت حرية الفرد ، في سبيل مصلحة الجماعة ، متى ظهر أنهما تتعارضان .
ومتى نظرت إلى تاريخ المجتمع البشري ، منذ نشأته وإلى يوم الناس هذا ، ظهر لك جليا أن حرية الفرد كثيرا ما تتعارض مع مصلحة الجماعة ، بل ظهر لك أن الجماعة لم يقم نظامها ولم تصن مصالحها إلا على حساب تقييد حرية الفرد ، ذلك بأن الفرد البشري ارتفع من حيوانية متوحشة ، لا هم لها غير تحصيل شهوة البطن والفرج ، ولما كان المجتمع البشري في أولياته لم يكن لينشأ إلا إذا قيدت هاتان الشهوتان ، فقد قام العرف الذي ينظم العلاقات الجنسية ، فيحرم الأخت على الأخ ، ويحرم البنت على الأب ، ويحرم الأم على الإبن ، ويحرم زوجة الإبن على الأب ، ويحرم زوجة الأب على الإبن ، قبل أن يقوم العرف الذي يحرم الزنا عموما ، وقد أعان هذا العرف ، أو سمه القانون الأول ، على تهدئة الغيرة الجنسية التي كانت تفرق الأسرة البشرية ، كلما بلغ الأبناء فيها مبلغ الرجال ، فقد أصبح ، بعد هذا العرف ، من الممكن أن يتعايش ، في منزل واحد ، أو في منازل متجاورة ، الأب والإبن البالغ والصهر والإبن المتزوج ، وكل منهم آمن على زوجته من الآخرين . ولربما يكون العرف الذي ينظم احترام الملكية الفردية قد نشأ مع هذا العرف من الوهلة الأولى ، فانه ، في المجتمعات البدائية ، ليس هناك كبير فرق بين ملكية الزوجة ، وملكية الآلة أو الكهف ، وإذا كان لا بد للمجتمعات الصغيـرة أن تعيش في وئام ، وفي مكان واحد ، وفي أعداد تتزايد دائما ، تصيد معا ، وتحارب أعداءها معا ، وتقابل صروف الأيام متحدة ، فإنه لا بد من التواضع على هذين العرفين ، اللذين ينظمان السلوك في الجماعة ، ويصونان كيانها ، ولا بد أن عقوبة القتل كانت تنفذ في الفرد لدى ثبوت تهمة الزنا ، في هذه الدوائر ، عليه ، يستوي في ذلك الرجال والنساء . ولقد كانت عقوبة القتل توقع على الفرد أيضا لدى السرقة من عشيرته الأقربين ، ثم عممت فأصبحت تطبق لدى السرقة من حيث هي ، وذلك عندما اتسعت الجماعة ، ثم خففـت ، فأصبحت تستأصل طرفا من السارق بدلا من استئصال حياته كلها ، ذلك بأن الأفراد قد بلغوا من الرفعة والذكاء بحيث يرتدعون بعنف أخف من العنف الذي كان ضروريا لردع أسلافهم .
وليس معنى هذا الحديث أن المجتمعات كلها نشأت بصورة واحدة في كل مكان ، ولكنه مما لا شك فيه أن المجتمعات البشرية حيث نشأت فقد نشأت حول طائفة من العادات والأعراف ، التي تمثل نشأة القانون ، والتي يرجع إليها الفضل في نشأة المجتمع البشري . ولما كان الفـرد البشري الأول غليظ الطبع ، قاسي القلب ، بليد الحس ، حيواني النزعة فقد احتاج إلى عنف عنيف لترويضه ، ولنقله من الاستيحاش إلى الاستيناس ، وكذلك كان العرف الاجتماعي الأول ، شديدا عنيفا ، يفرض الموت عقوبة على أيسر المخالفات ، بل انه يفرض على الأفراد الصالحين أن يضعوا حياتهم دائما في خدمة مجتمعهم ، فقد كانت الضحية البشرية معروفة تذبح على مذابح معابد الجماعة ، استجلابا لرضا الآلهة ، أو دفعا لغضبها حين يظن بها الغضب ، ولقد كانت هذه الشريعة العنيفة ، في دحض حرية الفرد ، في سبيل مصلحة الجماعة معروفة ومعمولا بها ، إلى وقت قريب ، ففي زمن أبي الأنبياء ، إبراهيم الخليل وهو قد عاش قبل ميلاد المسيح بحوالي ألفي سنة ، كانت هذه الشريعة لا تزال مقبولة دينا وعقلا ، فإنه هو نفسه قد أمر بذبح ابنه إسماعيل ، فأقبل على تنفيذ الأمر غير هياب ولا متردد، فتأذن الله يومئذ بنسخها فنسخت ، وفدي البشر بحيوانية أغلظ من حيوانيته ، وكان هذا إعلاما بأن ارتفاع البشر درجة فوق درجة الحيوان قد أشرف على غايته ، ولقد قص الله علينا من أمر إبراهيم وإسماعيل فقال (( وقال إني ذاهب إلى ربي سيهديني * رب هب لي من الصالحين * فبشرناه بغلام حليم * فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أنى أذبحك، فانظر ماذا ترى ، قال يا أبتي افعل ما تؤمر ، ستجدني إن شاء الله من الصابرين * فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم* قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم * وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم . ))
(( وتركنا عليه في الآخرين )) تعني ، فيما تعني ، إبطال شريعة العنف بالفرد البشري ، لأنها لبثت حقبا سحيقة ، وقد تم انتفاعه بها ، فارتفـع من وهـدة الحيوانية وأصبـح خليقا أن يفـدى بما هـو دونـه من بهـيمة الأنعام .
ولا عبرة ببعض صور العنف التي لا يزال يتعرض لها الأفـراد في المجتمعات البشرية المعاصرة ، فإنها آيلة إلى الزوال كلما أتيحت لها فرص الوعي والرشد . فان التضحية الحسية بالفرد البشري لم تنته بجرة قلم على عهد إبراهيم الخليل ، والتاريخ يخبرنا أن المسلمين ، لدى فتح مصر ، قد وجدوها تمارس في صورة عروس النيل ، فإنه قد قيل أن عمرو بن العاص ، فاتـح مصر وأميرها يومئذ ، قد انتبه ذات يوم على جلبة عظيمة ، فسأل عنها ، فأخبر أن القـوم قد جرى عرفهم بأن يتخيروا بنتا، من أجمل الفتيات ، ومن أعرق الأسر ، يزفونها كل عام إلى النيل ، يلقـونها في أحضانه فداء لقـومها من القحـط ، لأنها تغـري النيل بأن يفيـض عليهـم باليمن والبـركات ، فطـلب إليهـم عمرو بن العاص أن يستأنـوا بهـا ، حتى يستأمر عمـر بن الخطاب في ذلك ، فكتب إلى عمـر ، فـرد عمـر بجوابه المشهـور الذي قال فيه :

(( بسم الله الرحمن الرحيم ))
من عبد الله عمر بن الخطاب ، أمير المؤمنين ، إلى نيل مصر .
السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته .
أما بعد ، فإن كنت تفيض من عندك فلا تفض ، وان كنت إنما تفيض من عند الله ففض .


وأمر عمرو بن العاص أن يلقيه في النيل ، ففعل ، وفاض النيل ، وأبطلت من يومئذ تلك العادة ، وتم بالعلم فداء جديد للفرد البشري .
وهذا العنف العنيف بالفرد البشري ، الذي استمر منذ فجر المجتمع البشري ، وهو قبل فجر التاريخ بآماد سحيقة ، وظلت صوره إلى وقت قريب ، كالذي سقنا عليه المثالين الماضيين ، ضلل المفكرين الاجتماعيين ، فظنوا أن حرية الفرد ، قياسا إلى ما جرى به التاريخ ، تتعارض دائما مع مصلحة الجماعة ، وان الرشد إذن في أن يضحى بحرية الفرد في سبيل مصلحة الجماعة . وتورطت في هذا الوهـم الشيوعية ، وهي طليعـة الفلسفة الاجتماعية المعاصرة ، وصاحبة الـدور التقـدمي الذكي في المدنية الغربية الآلية الحاضرة .