ولن يكون الإنسان خليفة الله على خليقته الا إذا اتسع قلبه للحب المطلق لكل صورها والوانها وكان تصرفه فيها تصرف الحكيم الذي يصلح ولا يفسد. ولا يعيق الحب في القلوب مثل الخوف. فالخوف هو الأب الشرعي لكل الآفات التي ايف بها السلوك البشري في جميع عصور التاريخ..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)




الرسالة الثانية من الإسلام

الباب الثالث: الفرد والجماعة في الإسلام - الحرية الفردية المطلقة

الباب الثالث


الفرد والجماعة في الإسلام


أول ما تجب الإشارة إليه هو أن الفرد في الإسلام هو الغاية وكل ما عداه وسيلة إليه ، بما في ذلك وسيلة القرآن ، والإسلام ، تستوي في ذلك المرأة مع الرجل مساواة تامة ، وهذا يعني أن الفرد البشري - امرأة كان أو رجلا ، عاقلا كان أو مختل العقل - يجب ألا يتخذ وسيلة إلى غاية وراءه ، وإنما هو الغاية التي تؤدي إليها جميع الوسائل .
وهذه الفردية هي جوهر الأمر كله ، إذ عليها مدار التكليف ، ومدار التشريف ، وإذ لا تنصب موازين الحساب ، يوم تنصب ، إلا للأفراد - يتساوى في ذلك الرجال والنساء وهذه النقطة نحب لها أن تكون مركزة في الأذهان - فالله تعالى يقول (( ولا تزر وازرة وزر أخرى )) ويقول (( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره )) ويقول (( ونرثه ما يقول ويأتينا فردا )) ويقول (( إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا )) ويقول (( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة )) وهذه المساواة بين الرجل والمرأة ، هي أصل الإسلام وإنما ميزت بينها الشريعة لعوامل تلتمس في تطور المجتمع عبر التاريخ .
ومما لا ريب فيه أن الفرد الذي يقام له وزن في الإسلام إنما هو الفرد العارف بالله ، وإنما جعل الإسلام كل فرد غاية في ذاته ، وإن كان أبله ، لأنه جرثومة العارف بالله ، وستحصل منه المعرفة ، عاجلا أو آجلا ، (( كان على ربك حتما مقضيا )) ولقد زعمنا في مستهل هذا السفر أن الإسلام قد استطاع أن يفض التعارض البادي بين حاجة الفرد وحاجة الجماعة ، وأن ينسق هاتين الحاجتين في سمط واحد ، تكون فيه حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة ، امتدادا لحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة . وبعبارة أخرى ، استطاع أن يجعل تنظيم الجماعة وسيلة إلى الحرية ، وهو بعد إنما استطاع هذا التنسيق بفضل التوحيد ، الذي جعل شريعته تقع على مستويين .. مستوى الجماعة ، ومستوى الفرد: فأما تشريعه في مستوى الجماعة فيعرف بتشريع المعاملات ، وأما تشريعه في مستوى الفرد فيعرف بتشريع العبادات . والسمة الغالبة على تشريع المعاملات أنه تشريع ينسق العلاقة بين الفرد والفرد في المجتمع ، والسمة الغالبة على تشريع العبادات أنه تشريع ينسق العلاقة بين الفرد والرب ، وليس معنى هذا أن كلا من هذين التشريعين يقوم بمعزل عن الآخر ، وإنما معناه أنهما شطرا شريعة واحدة ، لا تقـوم إلا بهما معا ، وبينهما اختلاف مقدار ، لا اختلاف نوع . فتشريع المعاملات تشريع عبادات في مستوى غليظ ، وتشريع العبادات تشريع معاملات في مستوى رفيع ، وذلك لأن سمة الفردية في العبادات أظهر منها في المعاملات .. والمقرر أنه ليس للعبادة قيمة إن لم تنعكس في معاملتك الجماعة معاملة هي في حد ذاتها عبادة . ولقد جعل المعصوم الدين كله في هذا المجال فقال : (( الدين المعاملة )) فكأن العبادة في الخلوة مدرسة تعد الفرد الاعداد النظري ، ثم هو لا يجد فرصة التطبيق العملي إلا في سلوكه في الجماعة ، وتمرسه بمعاملة أفرادها .
فالتوحيد يقرر أن الوجود كله مصدره واحد ، وطريقه واحد ، ومصيره واحد .. من الله صدر، وإلى الله يعـود ، وإنما يعود فرادى (( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة )) . وليست العودة إلى الله بقطع المسافات ، وإنما هي بتقريب الصفات من الصفات . بتقريب صفات المحدود ، من صفات المطلق . وإنما تكون عودة الفرد إلى الله بوسائل العودة إليه ، ومنها وسيلة الإسلام ، ووسيلة القرآن ، ووسيلة الجماعة .. والجماعة لها حرية ، وهي بمثابة قاعدة الهرم حين تكون حرية الفرد هي قمته . أو قل أن حرية الجماعة هي الشجرة وحرية الفرد هي الثمرة ، ومن ثم ، ومن هذه النظرة الشاملة ، لا يجد الإسلام تعارضا ، ولا تناقضا ، بين الفرد والجماعة .
وحين وصل الإسلام بفضل التوحيد ، إلى هذا التحقيق الدقيق ، بين الفرد والجماعة ، شرع كل تشريعاته بصورة تحقق في سياق واحد ، حاجة الفرد وحاجة الجماعة .. فلم يضح بالفرد في سبيل الجماعة ، فيهزم الغاية بالوسيلة ، ولم يضح بالجماعة ، في سبيل الفرد ، فيفرط في أهم وسائل تحقيق الفردية ، وإنما جاء تشريعه ، في جميع صوره ، نسقا عاليا من المقدرة على التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة ، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة .

الحرية الفردية المطلقة


كثير من الفلاسفة يرى أن الحديث عن الحرية الفردية المطلقة نافلة من القول ، وإلا فحرية الفرد يجب أن تكون مقيدة ، إن لم نرد لها أن تصبح فوضى .
وأما الإسلام فهو يرى أن الأصل في الحرية الإطلاق ، واننا حين نتحدث عن الحرية ، من حيث هي ، وفي أي مستوى كانت ، إنما نتحدث عن الإطلاق ، من حيث لا ندري ، ذلك بأن الحرية المقيدة إنما هي نفحة من نفحات الإطلاق تضوعت على أهل الأرض بقدر طاقتهم على احتمالها ، فكأن القيد ليس أصلا ، وإنما الأصـل الإطـلاق ، وما القيـد إلا لازمة مرحليـة تصاحب تطـور الفـرد من المحـدود إلى المطلق .
فالحرية في الإسلام مطلقة ، وهي حق لكل فرد بشري ، من حيث أنه بشري ، بصرف النظر عن ملته أو عنصره ، وهي حق يقابله واجب ، فلا يؤخـذ إلا بـه ، وهـذا الواجب هـو حسن التصـرف في الحـرية . فلا تصبح الحرية محدودة إلا حين يصبح الحر عاجزا عن التزام واجبها ، وحينئذ تصادر في الحدود التي عجز عنها ، وتصادر بقوانين دستورية .. والقوانين الدستورية في الإسلام هي القوانين التي تملك القدرة على التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة ، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة ، فهي لا تضحي بالفرد في سبيل الجماعة ، ولا بالجماعة في سبيل الفرد ، وإنما هي قسط موزون بين ذلك .. تحقق حين تطبق ، بكل جزئية من جزئياتها ، مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة في آن معا ، وفي سياق واحد . وإنما كان الإطلاق في الإسلام أصلا لأنه لا يرى لترقي الفرد حدا يقف عنده ، فهو عنده ساير من المحدود إلى المطلق ، أو قل مسير من النقص إلى الكمال - والكمال المطلق . فنهاية العبد في الإسلام كمال الرب ، وكمال الرب في الإطلاق ، والله تبارك وتعالى يقول (( وأن ليس للانسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى * وأن إلى ربك المنتهى )) يعني منتهى السير .. وليس السير إلى الله بقطع المسافات ، كما قلنا آنفا ، وإنما هو بتخلق العبد بأخلاق الرب ، والله تعالى يقول (( يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه )) أردت أو لم ترد لقاءه ، وأين يكون لقاؤه ؟ أفي أرضه أم سمائه ؟ لقد قال جل من قائل (( ما وسعني أرضي ولا سمائي ، وإنما وسعني قلب عبدي المؤمن .)) فأنت إذن إنما تلقاه فيك ، وبه لا بك .
وفي ذلك قال المعصوم (( تخلقوا بأخلاق الله ، إن ربي على سراط مستقيم )) ..
والله تعالى يقول (( كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ، وبما كنتم تدرسون )) .
والذي يجعلنا عاجزين عن الوفاء بواجب الحرية الفردية المطلقة إنما هو الجهل ، ونحن ، لفرط جهلنا ، نحب جهلنا ، ونكره المعرفة ، إلا إذا جاءت عن طريق يناسب هوانا . (( كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون )) .. (( وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم )) تشير إلى أنانيتنا .. فنحن نحب أنفسنا ، ونحب كل ما يصدر عنها من حماقات . وكل فرد بشري هـو ، بالضرورة التكوينية ، أناني .. وكماله إنما يكمن في هذه النشأة الأنانية ..
وأنانية كل أناني على مستويين .. مستوى الأنانية الضيقة ، المتسفلة ، الجاهلة ، ومستوى الأنانية الواسعة ، المتسامية ، العاقلة .
فالأناني الجاهل قد يرى مصلحته في أمور تخالف مصالح الجماعة ، وإذا اقتضى الأمر فهو قد يضحي بمصلحة الجماعة ليصل إلى ما يظنه مصلحته هو .. والأناني العاقل لا يرى مصلحته الا في أمور تستقيم مع مصالح الآخرين ، فهو يقول مع أبي العلاء المعري :ـ
ولو أني حبيت الخلد فردا * لما أحببت بالخلد انفرادا
فلا هطلت على ولا بأرضي * سحائب ليس تنتظم البلادا
وملاك هذا الأمر التعليم الرشيد في عبارة المعصوم حين قال : (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )) ومنذ هذه اللحظة وضع الإسلام نفسه ضد الأنانية الجاهلة ، ومـع الأنانية العاقلـة (( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به )) هواه يعني أنانيته الجاهلة .. (( ان أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك )) . (( نفسك التي بين جنبيك )) تعني نفسك السفلى ، أو نفسك الدنيا ، في مقابلة نفسك العليا ، أو نفسك الأخرى ، التي يرجع إليها كاف الخطاب في (( ان أعدى أعدائك)) فكأنه قال ان أعدى أعداء نفسك الأخرى نفسك الدنيا .. ولأمر ما كثر التعبير في القرآن بكلمتي الدنيا والأخرى .
وكل ذلك يعني الأنانية الجاهلة في مقابلة الأنانية العاقلة .. وقول الله تعالى (( ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم )) يعني للنفس العليا ، وكذلك قوله (( مـن اهتـدى فإنما يهتـدي لنفسـه ، ومن ضـل فإنما يضل عليها )) .
وما دمنا في منطقة الأنانية الجاهلة ، فإن حريتنا لا بد تقيد ، لمصلحة مجتمعنا ، ولمصلحتنا نحن أيضا ، ويجب أن يكون القيد وفق قانون دستوري .. ومن هذا يتضح أن الحرية في الإسلام على مستويين : مستوى الحرية المقيدة بقوانين دستورية ، وقد تحدثنا عن القوانين الدستورية ، ومستوى الحرية المطلقة . والحر في المستوى الأول ، هو الذي يفكر كما يريد ، ويقول كما يفكر ، ويعمل كما يقول ، على شرط ألا تتعدى ممارسته لحريته في القول ، أو العمل ، على حريات الآخرين ، فإن تعدى تعرضت حريته للمصادرة وفق قوانين دستورية ، جزاء وفاقا .
والحر في المستوى الثاني هو الذي يفكر كما يريد ، ويقول كما يفكر ، ويعمل كما يقول ، ثم لا تكون نتيجة ممارسته لكل أولئك إلا خيرا ، وبركة ، وبرا بالناس ، وأدنى مراتب الحرية الأولى العدل ، وأدنى مراتب الحرية الثانية العفـو ، وصاحب هذه لا ينطوي ضميره المحجب على ضغن على أحد ، ذلك لأنه يعلم أن الجريمة إنما تبدأ في الضمير ، ثم تبرز إلى حيز القـول ، ثم إلى حيز العمل . والله تعالى إنما يعني هـؤلاء ، ولا يعني أولئك ، حين قال : (( وذروا ظاهر الإثم وباطنه ، إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون )) وهو أيضا يعنيهم حين قال : (( قل إنما حرم ربي الفواحش ، ما ظهر منها وما بطن )) وهو أيضا يعنيهم حين قال : (( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ، يحاسبكم به الله )) ..
وأما أصحاب مرتبة الحرية المقيدة فإن حديث المعصوم يعنيهم حين قال (( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به نفوسهم ، حتى يقولوا أو يعملوا ))
والحريتان متداخلتان ، فالأولى منهما مرحلة اعداد للثانية ، إذ لا يبلغ الفرد منازلها إلا بالتمرس بالمجهود الفردي في تربية النفس ، بمراقبتها ، ومحاسبتها ، وترويضها لتصبح موكلة بالتجويد ، كلفة بالإحسان . والمراقبة تعني الحضور مع الله دائما حتى لا تتصرف الجوارح فيما لا يرضيه ، من فكر ، أو قول ، أو فعل ، والمحاسبة تعني استدراك ما أفلت من ضبط المراقبة ، ولما كانت الحرية الفردية المطلقة لا تنال إلا بثمنها ، وثمنها ، كما قررنا آنفا ، هو حسن التصرف في حرية الضمير المغيب ، وحرية القـول ، وحريـة العمـل ، فقد طوع الإسلام عباداته ، وتشاريعه ، لتبلغ بالفرد هذا المبلغ .