في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

هل هذا هو الإسلام؟
هل هذه هي مصر؟

مكانة الأزهر


إذا كان للأزهر دور في مرحلة الفترة، قد أدّاه، فإن هذا لا يعني أن نقدّسه، ونقدمه لكل المراحل، كمقاس للدين، فنجمد الدين ونحجره، في مستوى معين. فلا يصح دينا، ولا عقلا، أن يصبح الأزهر هو صيغة الإسلام، لكل العصور، الا إذا عطلنا عقولنا بالحجة القديمة ((إنا وجدنا آباءنا على أمة وانا على آثارهم مهتدون)) فمن أين جاءت للأزهر تلك المكانة التي بها أصبح زعيما للمسلمين وقيّما عليهم حتى في الربع الأخير من القرن العشرين؟!! يحدثنا الشيخ عبد الحليم محمود في كتابه ((أبو البركات)) فيقول: ((فى ذلك الزمن كانت الخلافة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في تركيا وكانت تركيا معقد آمال المسلمين بسبب الخلافة وكانت أعين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها تمتد الى تركيا راجية، ومتوّسلة، مستنصرة أو ناصرة..
ان الخلافة في تركيا جعلت المسلمين يتطّلعون اليها كرمز لرسولهم وقائم على دينهم، وساهر على مصالحهم، وكان الكثير من هؤلاء الخلفاء يشعرون بالمسئولية الملقاة على عاتقهم، ويعملون ما استطاعوا لخدمة المسلمين، ونشر رسالة الله))..
((لقد كان للخلفاء قداسة، وكان لهم هيبة، في الشرق والغرب، وكانوا يقولون فتصغى الدنيا لقولهم، وكان شيخ الأزهر في مصر يحمل نفس الإجلال والتقديس انه خليفة رسول الله في هذه البقاع)) وحين انتهت الخلافة في تركيا ((تطلعت العيون الى الأزهر إذ لا بد للناس من أب روحي ونظروا الى شيخ الأزهر على أنه شيخ الإسلام.. ((واحتلت مصر منذ ذلك الحين مركز الزعامة الدينية، في العالم الإسلامي)).. ((وكان الأزهر وما زال مقدسا عند هذه الشعوب، إذا سار شيخ الأزهر فيها امتدت اليه الأعين، وأصغت اليه الآذان، وأهفت اليه الأفئدة، وغمره الناس بحبهم، وتقديسهم. وكذلك يفعلون مع المشايخ المتخرجين من الأزهر، والذين يلبسون الزي الأزهري))
وكاتب هذه الفقرات التي أوردناها عن مكانة الأزهر هو الدكتور عبد الحليم محمود، الخليفة الحالي، للخليفة العثماني، وبعد ذلك يمضى شيخ الإسلام في كتابته ويتحسّر على نزول الأزهر من مكانته وبهذه الخلفيات يمكننا أن نفهم، لماذا نشر الدكتور عبد الحليم محمود في كتابه ((الإسلام والشيوعية)) مقالا لكاتب قال عن الدكتور عبد الحليم ((ان الإمام الأكبر ليس مجرّد فضيلة الشيخ عبد الحليم محمود المواطن المصري، ولكنه هو الرمز الحى للمسلمين، فأنت حين تهاجمه بحجة أنه رجل يأكل الطعام ويمشى في الأسواق، ومن ثمّ يجوز نقده، لا تكون موفقا لأنك تجاهلت مشاعر المسلمين، وكان الأجدر بك أن تعيد التفكير)).. وقد قدم الدكتور عبد الحليم هذا المقال نموذجا للإيجابية، والوقوف مع الحق، من رجل مؤمن!!

هل طالب الأزهر بإصلاح أحوال المسلمين الاقتصادية؟


والأزهر بحكم وصايته وأبوته الروحية، التي يفرضها على الناس، لم يهتم بمعيشة رعاياه، وبحقهم في وسائل الإنتاج حتى ترد ملكيتها للمواطنين عامة، وانما اهتم بأن ترد اليه أوقافه لتقوم خلافته، وتكتمل "بابويته".. وها هو الدكتور عبد الحليم محمود يكتب عن أوقاف الأزهر: - ((لقد كان موقوفا على الأزهر ما لا يكاد يحصى من الأموال، وكان الأزهر يعيش في حدود أوقافه، كريم النفس، رافع الرأس، وكان يشعر بضيق في دنيا – انه يعرف ماله، وفي حدود دائرته ينفق، ولا يتجاوز دائرته.
وكان صدر الحاكمين يضيق بذلك أحيانا فما كان لهم في اخضاع الأزهر من سبيل من ناحية الرزق.
وأخذ الحاكمون في عصر دولة محمد على يحتالون للأمر حتى أمكنهم بالمكر والخديعة أن يستولوا على أوقاف الأزهر، ويعطوه مالا من خزينة الدولة، يضيّق عليه فيه سنويا، ولا تساير الدولة نمو الأزهر وتطوره، وأصبح الأزهر في ضيق يزداد ضيقا كل عام.
أما أوقاف الأزهر التي أخذت منه بالمكر والخديعة، فانها شرعا ما زالت له، لأن أوقاف البر لا تؤخذ هكذا، ولا يغير مصرفها، وكل هؤلاء الذين استولوا عليها إنما يأكلون حراما، ومن يأكل حراما لا يقبل الله منه عملا، وإن الرجل ليقذف باللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يتقبّل الله ممن يأكل أوقاف الأزهر.. ولو كان قد اشتراها... دعاءً، فشرط استجابة الدعاء طيب المطعم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم...))
وقد جاء في سياق الحديث أعلاه ((((لقد كان موقوفا على الأزهر ما لا يكاد يحصى من الأموال، وكان الأزهر يعيش في حدود أوقافه، كريم النفس، رافع الرأس، وكان يشعر بضيق في دنيا)) ويبدو من السياق أن صحة العبارة الأخيرة هي ((وكان لا يشعر بضيق في دنيا)) ويمضى الحديث ((وإن هذا الذي يأكل أموال الأوقاف إنما يتقلّب في حرام دائم، بهذه المناسبة، نقص هنا قصة، لها مغزاها الصادق: جاء عصفور الى سيدنا سليمان عليه السلام وقال له: انى مع ما ترانى عليه من صغر، وضعف، يمكننى أن أهدم ملكك هدما، تاما ويبتسم سليمان عليه السلام! ويسأله: كيف؟ فقال: أذهب الى البحر، فأبتل فيه، ثم آتى الأرض، من أرض الأوقاف وأتمرّغ فيها فيعلق بى من ترابها ثم آتى الى قصرك، فانفض نفسي فيه، فما أن يحصل في بيتك من أرض الأوقاف شىء، الا كان ذلك سببا في خراب قصرك وملكك، ومعنى القصة صادق، وثمرة المعنى الصادق رهيبة)).. ويواصل الحديث فيقول ((ولا بد من رد مال الأزهر اليه حتى تكون البركة، ويكون النماء، ويكون الخير)).. انتهى..
أرأيتم الإبداع في الترغيب!! والترهيب!! وما هي قصة العصفور هذه الرهيبة حقا؟ ان الكاتب والمطالب هو شيخ الإسلام الدكتور عبد الحليم محمود وهكذا أصبحت جميع حكومات مصر مهددة بالزوال والخراب ما لم ترد الى الأزهر أوقافه..