في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الأخوان الجمهوريون في
جريدة الأخبار المصرية

تحقيق الفردية في الإسلام


فأمر الصلاة هو من قمم الإسلام التي يجب أن تعرف الآن.. فقمة الإسلام التي لا تجارى هي الفردية، ولذلك كانت الفردية هي مدار التكليف، ومدار التشريف.. ونحن حين نلقى الله نلقاه فرادى ((ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة)) والفردية هي مطلب العصر، إذ أخذ كل شخص يبحث عن فرديته، وعن حريته الداخلية وعن قيمته الأصيلة.. والطريق الوحيد لهذه الفردية هو تقليد الفرد الكامل الذي حقق أصالته، فعاش في سلام مع نفسه، وفي سلام مع ربه، ومع الأحياء، والأشياء.. وطريقنا إلى الفردية هو تقليد النبي الكريم، تقليدا متقنا، حتى يفضي بنا التقليد إلى الإستقلال عن التقليد، ونرتفع إلى التأسي بالنبي في كمال حاله.. وحاله هو الأصالة، والأصيل صاحب شريعة فردية يحقق بها فرديته التى لا يشابهه فيها أحد ((لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)).. فالإسلام، في قمته، منهاج فردي.. هو منهاج حياة، وفقه يعمّق الفرد حياته، ويخصبها، إذ يعيش في حضرة الله، ممدودا بالعلم، وبالحياة الكاملة، متأدبا بأدب العبودية التى ما خلقنا إلاّ من أجلها: ((وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون)).. والشيخ الدكتور يحاول أن يضلّل الناس في أمرنا، ولكن الله يفضح كيده في عثراته المتلاحقة، وهو في مقاله يعيب علينا قولنا ((أن الجهاد ليس أصلا في الإسلام)) وفي نفس المقال يقول ((اننا نتبنى اتهام المستشرقين للإسلام وإدّعائهم إنتشار الإسلام بالسيف)) ولا يخفى على فطنة القاريء أن وراء هذا التناقض أمرا أخفاه الشيخ.. ونحن تحت عنوان الجهاد ليس اصلا في الإسلام قد أوردنا الآتي:
((وقد ظن بعض علماء المسلمين أن حروب الإسلام لم تكن إلا دفاعية، وهذا خطأ قادهم اليه حرصهم على دفع فرية بعض المستشرقين الذين زعموا أن الإسلام إنما استعمل السيف لينتشر. والحق أن السيف إنما استعمل لمصادرة حرية أسئ استعمالها، وقد تلبث بذلك ثلاثة عشر عاما يدعو الى واضحة من أمر الفرد، وأمر الجماعة، فلما لم ينهضوا بأعباء حريتهم، ولما لم يحسنوا التصرف فيها، نزع من أيديهم قيامهم بأمر أنفسهم، وجعل النبي وصيا عليهم، حتى يبلغوا سن الرشد. فإذا دخلوا في الدين الجديد، فحرموا من دمائهم وأموالهم ما حرم، ووصلوا من رحمهم ما أمر به أن يوصل، رفع عنهم السيف، وجعلت مصادرة حرية المسئ إلى القانون الجديد، وكذلك جاء التشريع الإسلامي، ونشأت الحكومة الجديدة.
وكل ما يقال عن تبرير استعمال الإسلام للسيف هو أنه لم يستعمله كمدية الجزار، وإنما استعمله كمبضع الطبيب. وكانت عنده الحكمة الكافية، والرحمة الكافية، والمعرفة الكافية، التي تجعله طبيبا لأدواء القلوب)) انتهى.

مهزلة محكمة الردة لا تشرّف أحدا


والشيخ الدكتور يفتخر للمشائخ المصريين بمحكمة الردة.. وهل اختلّت موازين القيم حتى اصبحت الفضيحة فخرا؟ أم أن الشيخ لا يعي ما يقول؟ فلقد كتب له ممّثل الطائفية في القصر عن الأستاذ محمود قائلا ((وأرجو أن يتخذ الإجراء الرادع ضده)) واتصل الشيخ الأمين وهو المدّعي الأول في محكمة الردة، بقاضي القضاة وبقاضي االمحكمة العليا الشيخ توفيق أحمد صديق الذي سينظر الدعوى فوجد منهما قبولا وموافقة على رفع الدعوى حسبة، أكثر من هذا وجد موافقة القاضي الذي سينظر الدعوى على الوقوف بجانب الحق كما يراه المدعي.. فهل هذه هي محكمة أم أنها مكيدة سياسية ومهزلة يخجل منها اقل الناس عقلا، وخلقا.. والشيخ الدكتور يزايد المصريين ويباهيهم ((بعلماء السودان)) فيقول انهم كتبوا نشرات وزعوها على الأئمة، والوعّاظ، ولكنه يخفي نشرتهم الأساسية التي استعدوا بها السلطة علينا، حين عجزوا عن مقارعة الحجة بمثلها.. وفي تلك المذكرة أيضا انكشف زيفهم، وبعدهم، عن الدين.. فهم يعرضون على الحكومة حكم الشريعة فينا كما يتوهمون، ويقولون أن حكم الشريعة غير قائم، فبدلا من أن ينسجموا مع إدّعائهم للغيرة على الدين، ويطالبوا السلطة بتطبيق الشريعة، إعترفوا بعدم قيام الشريعة، وطلبوا منها حكما يعتبرونه غير شرعي وهو أن تسجننا ((سجنا مؤبدا)).. وما كنا نظن أن هؤلاء المشايخ، وقد بلغوا سن المعاش، يأكلون من مال الدولة الحديثة، ويتمتعون بخيراتها، ثم هم يجهلون أن السجن أو أي حكم لا يمكن أن يكون دون تقاضٍ واحتكام للقانون أمام القضاء المستقل.. بأي عقلية يعيش هؤلاء الدكاترة في القرن العشرين!!؟ والنشرات التي وزعت على الأئمة، والوعّاظ، والتي يباهي بها الدكتور كانت دعوة للخروج على القانون وتحريضا على القتل.. وحين يرى العلماء أن جهادهم هو كتابة نشرتين، يطلبون من المواطن العادي أن يقتل الجمهوريين لينال عظيم الثواب الذي زهدوا هم فيه، وعندما واجهت الدكتور مسئوليته الجنائية في قضية التحريض حاول أن ينكر هذا التحريض، وهكذا يطلبون من البسطاء، أن يأخذوا القانون بأيديهم، ثم هم يتهربون من مسئولية أقوالهم، ومن المتناقضات التي أوردناها في مناقشة هذا المقال يتضّح مستوى الشيخ، ومستوى أمانته.. فكما قلنا أن الدكتور لا وزن له ومع ذلك يدّعي الدين، والغيرة على الدين..
وبهذا نتوّقف عن هذه الرحلة الشاقة التي فرضت علينا مناقشة موضوع خال من الموضوعية، ومن حرارة الصدق.. وعلى الله قصد السبيل وبه الإعانة بدءا وختما..

ابراهيم يوسف فضل الله
أم درمان – ص ب 1151