في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الأخوان الجمهوريون في
جريدة الأخبار المصرية

بسم الله الرحمن الرحيم
(واتقوا الله ويعلّمكم الله، والله بكل شيء عليم)
صدق الله العظيم


مقدمة


هذا هو كتاب ((الأخوان الجمهوريين في جريدة الأخبار المصرية))، الكتاب الثاني، ولقد صدّرنا الكتاب الأول بمقدمة مستفيضة بيّنا فيها محنة الثقافة في مصر، وكشفنا فيها تخلّف المثقفين المصريين عن مستوى الثقافة، وتخليهم عن مسئوليتها بإزاء مشايخ الأزهر، وفقهاء التفكير السلفي.. ولقد كان تخلّي المثقفين عن واجب الثقافة، والعلم أوضح ما يكون في أوساط الصحفيين المصريين، وفي أكبر صحيفتين في مصر، وهما جريدتا الإهرام والأخبار.. وهاتان الجريدتان حسبهما دافعا للإضطلاع بمسئولية حرية الكلمة، ورعاية التقليد الصحفي السليم، أن يكون للأولى من العمر ما يناهز القرن، وللثانية ما يزيد على ربع القرن من الزمان.. ولكنهما تنصلتا من هذا الواجب..
وكفى هاتين الجريدتين من النصول من واجب الدفاع عن حرية النشر أن تتوسعا في إتاحة الفرصة لهجوم على الجمهوريين، ثم تحجما في خشية، وفي تردد عن نشر الرد على هذا الهجوم غير المؤسس على بينة ولا على حق..
ولا يبدي المسئولون، في قمة، وفي قاعدة هاتين الصحيفتين، من العذر إزاء موقفهم هذا المخزي إلاّ أن الأزهر غير راضٍ عن الجمهوريين، وانهم لا يستطيعون أن ينشروا ما يغضب عليهم مشائخ الأزهر، ويثير حفيظتهم ضدهم، حتى ولو كان هذا الذي يراد له النشر ردا على هجوم وجد طريقه إلى النشر في الصحيفتين المذكورتين..
وبطبيعة الحال ليس غائبا عن الصحفيين المصريين التقليد الصحفي الذي يوجب إتاحة الفرصة لتصحيح التشويه الذي نشر عن فكرتنا، ولكن الرعب الذي يجتاح نفوس المثقفين المصريين، والخوف المترّسب في نفوسهم من مشائخ الأزهر، وتوّهم "الحق البابوي" لهم على الدين، هي علة هؤلاء المثقفين التي حجبت أعينهم عن رؤية هذه الحقيقة البديهية، والتزامها: (فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)) وهذه العلة، ولو أنها تجسّدت، وعظمت، في مصر، إلاّ انها علة المثقفين في كل البلاد الإسلامية..
فإن المثقفين يجهلون دينهم، ولا يعنون حتى بمعرفة أبجدياته.. وهم لا يستحيون من هذا الجهل، بل قد يتباهون به، في مقابل تباهيهم بالإلمام بدقائق الفلسفات، والمذاهب العلمانية.. ولذلك تركوا ميدان العلم الديني خاليا، ومحتكرا للأشياخ، حتى تأصّل في أخلاد الفريقين أن مجال الدين مجال تخصّص، ولا يجوز أن يخوض فيه غير المتخصصين من الأشياخ.. وهذا خطأ ساق اليه تخلّف المسلمين، وعمّمه الإستعمار الذي حرص على تأكيد فصل الدين عن حياة المسلمين ولقد نبّه الجمهوريون لضرورة تلافي هذا الأمر منذ ثلاثين عاما في كتابهم السفر الأول، الصادر في اكتوبر عام 1945 فلقد جاء فيه ما يلي: ((وما يرى الحزب الجمهوري أن يكون هناك تعليم ديني، و تعليم مدني كل في منطقة منعزلة عن الأخرى، ولا يرى أن يكون للرجل أخلاق في المصلى، وأخرى غيرها في الحانوت، أو الشوارع، و إنما يرى أن يتعلم كل الناس أمور دينهم، وأمور معاشهم ثم يضطربون في ميدان الحياة بأجسام خفيفة وأرواح قوية وقلوب ترجو لله وقارا)).. هكذا كان تصوّر الجمهوريين منذ مولد فكرتهم، ولقد ظلّ هذا هو نهجهم الذي يعملون به، وينشرونه بين الناس..
إن تصحيح خطأ المثقفين، في نظرتهم للدين، ولمن يسمون رجال الدين، لا يتم إلا بأن يقبل المثقفون على فهم دينهم فهما واعيا.. فتزول عن أخلاقهم الصورة الشائهة التي رسّخها فهم المشائخ المتخلّف، وسلوكهم المعوّج، وهذا واجب يضطلّع به الجمهوريون، وقد قطعوا به شوطا واسعا في السودان، ومزّقوا به أقنعة القداسة الزائفة التي يتستّر بها من يسمون ((رجال الدين)) أو ((العلماء))، فأصبح بفضل الله، ثمّ بفضل الوعي الإسلامي الذي ينشره الجمهوريون، الفصل قائما، وواضحا في الأذهان، بين حقيقة الإسلام وبين من يدّعون الوصاية عليه، والقوامة على المسلمين في أمر دينهم.. ولقد بدأ الآن هذا الوعي يزحف نحو مصر، وسيحرّر بإذن الله العقول والقلوب من نفوذ الأشياخ، ويفصل بينهم وبين حقيقة الإسلام، وسيجد المثقفون أنهم هم أولى بالإسلام، وأجدر بالإقبال عليه، وتبنيه..
إن مشائخ الأزهر ليس لديهم ما يعطونه للحياة، وللثقافة، وللدين فم لا يملكون غير التخلّف والقصور.. هم لا يعلمون حقيقة الإسلام ولا يعيشونه، ولقد حفل تاريخهم الطويل بصور من ممالأة الحكام، ومجاراة أهوائهم، مهما كان أولئك الحكام.. ملوكا فاسدين، أو رؤساء جبارين، بل حتى غزاة استعماريين.. فماذا يرتجي المثقفون المصريون، وغير المصريين، من رجال هذا هو حالهم اليوم، وهذا هو تاريخهم؟ هل يرتجون منهم فكرا، وفهما لدينهم، ومعرفة بقضايا العصر ومشاكل الإنسان المعاصر، وقدرة على معالجتها وحلها؟ هل يأمل المثقفون شيئا من هذا حتى يستسلموا ويذعونا للمشائخ بهذه الصورة المحزنة، ويقفوا هذا الموقف الذي لا يليق بأمانة الثقافة ولا بشرف العلم؟!
لماذا يرتجف هؤلاء المثقفون أمام أشياخ لا يحسنون صنعة غير تحجير الفكر وتكفير المفكرين، وأرهاب الأحرار بوسائل إثارة البسطاء والسذّج، واستعداء الحكام؟!
إن موقف الصحافة المصرية، وموقف المثقفين المصريين هذا ليس بدعا، وإنما هو موقف ظلّ يتسم به المثقفون عموما، ولقد ظللنا، نحن الجمهوريين، ننعي على المثقفين عندنا وعلى الصحفيين، على الخصوص، تقصيرهم في النهوض بواجب التوعية، وتأصيل مبدأ الحوار، وفتح الباب واسعا أمامه.. ولقد كان رأينا دائما أن نهوض الإعلاميين والكتاب بواجبهم هو دون المستوى بكثير، ولقد كان ضمن شعارات الجمهوريين التي رفعوها، هذا الشعار الدال على رأيهم في وسائل الإعلام وقد كان ذلك عام 1967، يقول الشاعر: ((الإعلام، والأقلام اليوم.. عند غير أهلها)).. هذا الشعار لا يزال يجد مظهره حتى اليوم فإننا لا نزال نفتقد في الإعلاميين والكتاب شجاعة الرأي وقوة الفكر، وثبات القلب.. وحيث تفتقد هذه الصفات في الكاتب، فإنه غير أهل ولا جدير بحمل القلم، ولا إعتلاء المنبر.. ذلك بأنه لن يصدق أهله، ولن ينفث لسانه في روعهم خيرا..
هذا هو موقف المثقفين.. ولكن حسب شعوبهم الله، فإنه لن يضيعها، ولن يخلي بينها وبين مضلّليها..
(ونريد أن نمنّ على الذي استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين)