في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الأخوان الجمهوريون في
جريدة الأخبار المصرية

تطوير التشريع


وتطوير التشريع الذي يجهله الشيخ الدكتور، ويظهره في كيد، وخبث، كأنه حروج عن الشريعة، إلى ما يناسب القرن العشرين، من القوانين الوضعية – هذا التطوير – هو الإنتقال من آيات الفروع التي خدمت غرضها حتى استنفدته إلى آيات الأصول، بالإنتقال من آيات الوصاية إلى آيات الحرية، فعهد الوصاية لا بد أن يكون مرحليا، فإنه إلا يكن كذلك تكن آيات الأصول، وهي قمة ديننا، منسوخة وإلى الأبد بآيات الفروع، وهي دونها بما لايقاس.. ومعنى هذا ان يقدّم المفضول على الفاضل، وهذا ما لايكون لأنه يتنافى مع الحكمة، فلم يبق الاّ أن نسخ المفضول للفاضل هو نسخ مؤقت، والحكمة وراءه، إنما هي نقل المجتمع، المتخلّف في المراقي ليستعد ليستأهل آيات الأصول.. ونحن نجزم أن الدين لن يعود إلى الحياة إلاّ بآيات الأصول، وأنه لا كرامة لمطلق حي، إلاّ بعودة آيات الإصول، ولكن الشيخ الدكتور، وقرناءه، يرون أن ينقلوا شريعة الفروع برمتها، لمجتمع القرن العشرين، ثم هم يعجزون عن تطبيقها، حتى على أنفسهم، فيعيشون التناقض المزري الذي نفّر الشباب، والأذكياء عن الدين.

شبهة دعوى الرسالة


وهو يقول أن زعيم الجمهوريين قد إدّعى الرسالة.. وقد رددنا على هذه الشبهة في كتابنا "بيننا وبين الشئون الدينية وأساتذتها من أزهريين ومن سعوديين" بما يكفي عن التفصيل هنا.. ويكفي أن نقرّر أن دعوى الرسالة لم تكن، وذلك لسبب بسيط وهو أن الإنسان المعاصر ليس بحاجة إلى عقائدية تدعى الرسالة، وإنما هو بحاجة ماسة إلى دعوة تحل مشاكله المستعصية، وتمكّنه من تحقيق السلام، وهذه هي الإسلام، كما يقدّمه الجمهوريون.. والدكتور الشيخ يقول: ((وزعم أن شريعته الجديدة تسوّي بين الرجل والمرأة في كل شيء.. في الميراث والشهادة والقوامة، والطلاق.. ونسخت شريعة المهر)).. ((وذكر أن المرأة حظها مبخوس في الشريعة المحمدية)).. فهذا الرجل قد دفعته خصومته الفاجرة ليورد حديثنا عن حقوق المرأة مبتورا، ومشوّها، ليخدع محكمة الردة التي كان هو أحد مدعييها عام 1968، وليبرر لنفسه ليقول عنّا أننا نتهم الله بالظلم، وجاء نقله عنّا هكذا: ((نجد ان حظ المرأة في تشريع الاسلام الذي بين أيدينا حظ مبخوس فهي على النصف من الرجل في الشهادة.. وعلى النصف منه في الميراث، وعلى الربع منه في الزواج، وهي دونه في سائر الأمور الدينية والدنيوية. فلماذا)) ووقف عند هذا الحد من النقل، ليصل الى غرضه الميبيت.

مستقبل المرأة في الإسلام


ولتوضيح عدم أمانته في النقل أوردنا نص حديثنا كاملا في كتابنا "بيننا وبين محكمة الردة" فأوردنا الأجزاء التي بترها من أول الكلمة وآخرها.. ولأن الرجل لميكن طالب حق، فقد أخفى ذلك الرد الذي فضح زيفه، فتركه وراء ظهره، وذهب ليمارس كيده القديم مع القاريء المصري، ومع الصحيفة المصرية، فقال عنّا "وذكر أن المرأة حظها مبخوس في الشريعة المحمدية" أوردها مبتورة هكذا كمن يقرأ "ويل للمصلين" ويقف دون إكمال السياق.. ونحن، في وجه هذا التضليل المتعمّد، لا نجد بدّا من إعادة ردنا عليه، نقلا عن كتاب "محكمة الردة"، فهو قد أورد حديثا مبتورا كما هو وارد أعلاه، فصححنا النص هكذا ((وحين نجد حظ المرأة في القرآن، من المسئولية الفردية، مساويا لحظ الرجل مساواة مطلقة، نجد ان حظها، في تشريع الاسلام الذي بين أيدينا الآن، حظ مبخوس... فهي على النصف من الرجل في الشهادة.. وعلى النصف منه في الميراث، وعلى الربع منه في الزواج، وهي دونه في سائر الأمور الدينية والدنيوية. فلماذا؟؟
((هنا تبرز عوامل التاريخ الموروث، من سوالف الحقب.. فقد عاشت البشرية، حينا من الدهر، تحت قانون الغابة، حيث القوة هي التي تصنع الحقوق، وهي التي تتقاضى هذه الحقوق، وفي مثل هذا المجتمع، فان الفضيلة لشدة الأسر، وقوة العضلات وليس للمرأة هنا كبير حظ، ولذلك فقد كانت تعتبر عبئا ثقيلا ينوء به ذووها من الرجال حين يطعمونها من ألم الجوع، وحين يصونونها من عار السبي، وهو ما يجعل الناس على عهد الجاهلية يئدون البنات حيات ((واذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت)) أو ((وإذا بشر أحدهم بالأنثي ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب الا ساء ما يحكمون)) واذ ورث الاسلام هذا المجتمع الجاهلي فلم يكن مقبولا، عقلا ولا عملا إلا أن يقيد من حرية المرأة مهما بلغ من تحريرها (ولقد بلغ من تحريرها، بالنسبة لما وجدها عليه من الذلة مبلغا يشبه الطفرة) ثم أنه أشار حين قيد من حريتها الى أسباب تلك القيود ((الرجال قوامون على النساء، بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)) فالقوامة معلولة ((بما فضل الله بعضهم على بعض)) وهذا التفضيل يرجع الحظ الأكبر منه الى شدة المراس وطول المصابرة في مواطن البأس.. ثم ((وبما أنفقوا من أموالهم)) وتلك اشارة صريحة الى القوة التي بها يكون اقتناء المال من طول المثابرة وسعة الحيلة فاذا جاء الوقت – وسيجيء – الذي يقوم فيه القانون مقام القوة، والاشتراكية مكان الرأسمالية، فان القوامة تعطي مكانها للمساواة بلا أدنى ريب، لأن ميدان المنافسة سينتقل الى معترك جديد، السلاح فيه ليس قوة العضلات، وانما قوة العقل، وقوة الخلق، وليس حظ المرأة من ذلك بالحظ المنقوص.
((ان آية الآيات، في مستقبل المرأة في القرآن، قوله تعالى ((ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة)) والمعروف هو العرف الذي تواضع عليه الناس ما لم يتعارض مع مراد الدين من تسيير الخلق الى الله على بصيرة.. وأما قوله ((وللرجال عليهن درجة)) فلا يعني أن مطلق رجل أفضل من مطلق امرأة وأنما يعني أن على قمة هرم الكمال البشري رجلا تليه امرأة هي قرينته، تكاد تتخطى بذلك كل ما عداه من الرجال.. وأس الرجاء في الآية أن الطريق بها انفتح للمرأة ليتطور حقها وحريتها في المجتمع، بتطوير مسئولياتها وواجباتها في الحياة العامة، والحياة الخاصة، وذلك تطور لا يحده حد على الاطلاق.
((فتشريع قوامة الرجل على المرأة في الاسلام ليس أصلا، وانما الأصل المساواة، وتشريع تعدد الزوجات في الاسلام ليس أصلا. وانما الأصل الزوجة الواحدة، للزوج الواحد. ومثل هذا يقال عن المهر في الزواج، فانه يمثل ثمن شراء المرأة، حين كانت تسبى، او تختطف أو تشترى، وانما الأصل في الاسلام التكافؤ بين المرأة والرجل في انشاء عش الزوجية.. ((هن لباس لكم وأنتم لباس لهن)).. فهذه اشارة بالغة الرفعة في تصوير التكافؤ بين المرأة والرجل في الشراكة في الحياة الزوجية.))
هذا ما قلناه في منشور المرأة.. وأنتم ترون كيف أن الشيخ المدعي الامين داود محمد شوه النقل، فهو بدل أن يبدأ بأول الكلام، وهو قولنا ((وحين نجد حظ المرأة في القرآن، من المسئولية الفردية، مساويا لحظ الرجل مساواة مطلقة)) يتركه وراءه ليبدأ من ((نجد ان حظها، في تشريع الاسلام الذي بين أيدينا الآن، حظ مبخوس الخ الخ)).. وهو بدل أن يواصل النقل بعد قولنا ((فلماذا؟؟)) يقف.. ويذهب ليخرج تخريجات لو واصل النقل لما وجد اليها من سبيل..
ان مثل هذا المستوى من عدم الأمانة، ومن التضليل للمحكمة وللرأي العام ليجلب العار، كل العار على من يتورط فيه.. لا ضير!! فان المدعي، ان استطاع أن يضلل المحكمة، فانه سيقف مكشوفا، عاريا على أشنع ما يكون، أمام الله، ثم أمام الرأي العام السوداني..)) إنتهى