((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الشريعة الإسلامية
تتعارض مع الدستور الإسلامي

المقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم
(واتبعوا أحسن ما أنزل اليكم من ربكم، من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة، وأنتم لا تشعرون)
صدق الله العظيم


المقدمة


اننا نحن السودانيين، لن تحل مشاكلنا الأساسية الا بالعودة للإسلام، لأن الإسلام وحده هو الكفيل بتحقيق مطالب الانسان المعاصر المتمثلة في الجمع بين الاشتراكية والديمقراطية.. وهذا هو مطلب كل حر، وكل كريم.. كما أن بلدنا مشكلته المستعصية هي الطائفية التي عطلت تطوره، ورقيه، وجمدت وعي المواطنين، وافسدت حياتهم، وتربيتهم السياسية.. والطائفية القت جذورها في تراب هذا البلد، وفي قلوب المواطنين، وعقولهم، لأنها تتذرع باسم الإسلام، وتستغله، وتضلل به المواطنين، وتغفلهم لتسوقهم لتحقيق مصالحها الدنيوية.. ولا سبيل لإصلاح شأن هذا البلد، ولا لإطلاق طاقات بنيه، الحبيسة، والمهدرة، والمجندة ضد مصالحهم، الا باقتلاع جذور الطائفية.. ولا يمكن اقتلاع جذورها من هذا البلد الطيب، الا بالفهم الإسلامي الواعي، الصحيح، الذي يخرج العقيدة الطائفية من عقول، وقلوب المواطنين البسطاء..
فهذه هي أهمية، وضرورة، الإسلام لنا، نحن السودانيين، وعليه وحده يتوقف استقرارنا أولا، وتقدمنا ثانيا، ولكن هذا لا يعني أن أية محاولة لتطبيق الإسلام تنتهي فعلا الي تطبيق الإسلام الصحيح، وتحقيق ما نصبو اليه من تقدم.. بل أن أي محاولة لتطبيق الإسلام لا تعرف التشريع الجديد الذي يتطلبه الدين الآن، ويقوم على أصول القرآن، وفق الطاقة، والحاجة الحاضرة، لهي محاولة لتزييف الإسلام، وللتنفير عنه، أرادت ذلك أو لم ترده.. فأمر تطبيق الإسلام على الحياة الحديثة لأمر دقيق، وخطير، ولا يقوم الا على العلم بحقائق الدين، وحقائق العصر الحاضر.. وأي دعوة للإسلام دون هذا المستوى انما هي تشويه للإسلام، وابعاد له عن الحياة الحديثة التي هي أحوج ما تكون اليه، ومن ذلك الدعوات السلفيات التي تسيء تقديم الانسان حين تقدمه للمجتمع الكوكبي الحاضر، ذي الطاقات، والامكانات المذهلة، بحجم حاجة، وطاقة، مجتمع القرن السابع.. ثم هي لا تخجل من تقديم الإسلام بعقل، وثقافة العصر العباسي، لعقل، وثقافة القرن العشرين.. ولذلك فإنها لم تفلح الا في خلق الفجوة الكبيرة بين الإسلام وبين طاقات الحياة الحديثة.. وهذه الصورة الشائهة، المتخلفة عن الإسلام، هي التي يعلنها السلفيون باسم الإسلام، ويجدون لها فرصة الذيوع في أجهزة الاعلام الحديثة، ويزهون بها في التجمعات، والمؤتمرات الدولية، باعتبار أنها هي الإسلام، وأنها كلمته الأخيرة، والوحيدة، لأنهم هم الناطقون الرسميون، ولذلك توهم الرأي العام العالمي المستنير أن الإسلام أمر يخص المجتمعات البدائية، القديمة، وليس له مقدرة أو مجال، في تنظيم المجتمع الكوكبي، الذكي، المعقد.. كما أنصرف الأذكياء، والعقلاء، عن الإسلام، حين اكتفوا برؤيته في تلك الصورة الشائهة، المنفرة، التي يقدمها الأصدقاء الجهلة، والإسلام بريء من كل هذا الهوس، وهذا الزيف.. ومثل هذا التشويه، على خطره، وبليغ ضرره، فإنه تشويه في الحدود النظرية، ولكن التشويه الأكبر، ذا الضرر المتعدي، والمتعدد، يتمثل في محاولات بعض الحكومات لتطبيق الإسلام بهذا المفهوم المتخلف.. فهذه قد أضرت بالإنسان، وأضرت بسمعة الإسلام الضرر كله.. ولا أسوأ من ذلك الا محاولات تطبيق قانون العقوبات وحده، على اعتبار أن هذا هو الإسلام.. وقد شهد بلدنا المصون محاولات الطائفية لفرض دستور زائف، ومتخلف، يخدم أغراضها هي وتلبسه قداسة الإسلام.. والحق أن أي محاولة لتطبيق الإسلام على الحياة الحاضرة لا تتسم بميسم الحذق، والذكاء، ولا تعرف تطوير التشريع، انما هي تزييف للإسلام مهما كانت نواياها.. ونظام ((مايو)) الآن قد كون لجنة لمراجعة القوانين السارية وتعديلها لتتمشي مع أحكام الشريعة وقواعدها.. والآن فإننا سنناقش هذا الاتجاه، وسنراجعه ملتزمين بمسئوليتنا الدينية، والوطنية، التي تلزمنا بالتزام الحق وحده، وآملين أن نتبصر المشاكل، وأن ندرأها قبل وقوعها، اذ الإسلام، أعز، وأقدس، من أن ندخله في التجارب الفاشلة.. كما أننا نري أنه لا رغبة، ولا مصلحة لنظام ((مايو)) في محاولة تشوه الإسلام باسم الإسلام، وتطبق مستوياته المرحلية في غير وقتها، فتظهره بمظهر التخلف، حتى عن الأعراف والدساتير الوضعية..