((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الشريعة الإسلامية
تتعارض مع الدستور الإسلامي

خاتمة

خاتمة
اننا ننبه الى خطر حقيقي على الدين، وعلى مكتسبات الشعب، من محاولة يعوزها الفهم لحقائق الدين، والتفطن لحقائق العصر تسعى لتعديل القوانين السارية لتتمشى مع الشريعة الموروثة، وذلك بإغفال تام للدعوة العلمية الجادة الى تطوير التشريع الإسلامي التي يضطلع بها الأستاذ محمود محمد طه والأخوان الجمهوريون.
ان المجتمع المعاصر انما يتطلع الى الحكم الديمقراطي، وليس في الشريعة الإسلامية الموروثة ديمقراطية، فليس فيها دستور.. ولقد نعلم قصور القوانين العلمانية الحاضرة عن مراد الدين، ولكن، برغم قصورها، انما تسير في الاتجاه الذي سيؤدي الى تحقيق مراد الدين، إذا جرى تطويرها لتتمشى مع الدستور الحقيقي وهو ((أصول القرآن))..
والشريعة الإسلامية الموروثة انما تقوم على فروع القرآن، اذ تقوم على الوصاية، بينما تقوم الشريعة الإسلامية الجديدة التي ندعو اليها على أصول القرآن، اذ تقوم على الحرية.. وهذه الشريعة الإسلامية الجديدة تطوير على الشريعة الإسلامية الموروثة، قاعدته الانتقال من النص الفرعي في القرآن، الى النص الأصلي في القرآن.. الانتقال من مستوى شريعة الأمة، الى مستوى السنة النبوية..
وكل اتجاه الى محاولة تطبيق الشريعة الموروثة على حياتنا المعاصرة من غير تطوير لها على هدي أصول القرآن والسنة انما هو تزييف للدين، وتضليل باسم الدين، وتأخير للسعي الجاد الى بعث الدين..
والبلاد معرضة، وبلا أدنى ريب، الى خطر عظيم إذا قدر للفهم المتخلف للدين أن يقنن نفسه، وأن يسيطر على أوجه الحياة المختلفة في بلادنا.. وهذا الخطر انما يتمثل في أن السعي الى تطبيق الشريعة الموروثة بغير تطوير انما هو سير في اتجاه الطائفية، والأخوان المسلمين، والوهابية، واضرابهم، من سدنة التفكير الديني المتخلف.. فإن هؤلاء هم أصحاب الدعوة المتخلفة الى الدستور الإسلامي المزيف والتي انما جاءت ثورة "مايو" في ساعة الصفر، لتنقذ البلاد من أخطارها، فكأن ذلك أعظم انجازات "مايو" على الاطلاق..
واليوم، فإن السير في هذا الاتجاه الخطير الى ((تحكيم الشريعة)) الموروثة، في حياتنا، الى جانب منافاته لمراد الدين، وتطلعات العصر، انما يمهد الفرص كاملة لهذه العناصر الدينية المتخلفة لتبرز الى سطح الحياة من جديد، في بلادنا، ولتتبني دعوتها القديمة التي تسعى من ورائها الى الوصول الى السلطة.. ذلك بأن هذه العناصر الدينية المتخلفة انما بنت حركتها السياسية قبيل ثورة مايو على هذا الفهم المتخلف للدين الذي لا يرى أي بأس من نقل الشريعة الموروثة بكل صورها لتطبق على مجتمع القرن العشرين مما يخدم أغراضها السياسية في ابقاء هذا الشعب في قبضة النفوذ الطائفي، وفي فرض صور التخلف والجهل على حياته..
وستسعى هذه العناصر الدينية المتخلفة باسم ((تحكيم)) الشريعة الإسلامية الموروثة الى فرض ارهاب ديني أسود على كل مظاهر التقدم في بلادنا، والي اسكات سائر الأصوات التي تناهض النفوذ الطائفي، والي مصادرة كافة المكتسبات الثورية التي حققتها بلادنا.. وستجد ثورة "مايو" نفسها، لو قدر لهذه العناصر المتخلفة أن تنفذ مخططها الأسود، في مواجهة محتومة مع قوى ذات قاعدة طائفية عريضة، تدعو، باسم الدين، زيفا وبهتانا، الى مراجعة كل مظاهر التقدم التي حققتها بلادنا والتي كان لثورة "مايو" فضل كبير فيها وستجد ثورة "مايو" نفسها وكأنها انما تواجه، كخصم لها، الدعوة الظاهرية الى "تحكيم" الدين في حياتنا، بينما هي تواجه في حقيقة الأمر، الطائفية ورصيدها الجاهز من الأخوان المسلمين، والوهابية، وسدنة التفكير الديني المتخلف.. وسيكون معنى ذلك أن تتسلق هذه العناصر المتخلفة الى السلطة لتطبق ((الشريعة)) الموروثة، ولتكون القائمة على أمر تفسيرها، وحمل الناس على الالتفاف حولها، ومناهضة كل فهم واع لها.. وسيجر هذا الفهم المتخلف للدين أكبر نكبة على الدين وعلى البلاد، وذلك من جراء الاسترسال مع النيات الحسنة التي تبدو من نظام "مايو" اليوم..
اننا نري، اليوم، أن طبيعة اختصاص اللجنة انما يفسح المجال، تلقائيا لهذه العناصر المتخلفة لتشارك في أعمالها – مجرد المشاركة اليوم، ليؤول اليها الأمر كله غدا! فها هي اللجنة تضم، وكنتيجة طبيعية، وجوها من الأخوان المسلمين شاركوا، وبصورة فعالة، من قبل في الدعوة المزيفة الى الدستور الإسلامي المزيف، الذي كان أكبر أقنعة الطائفية في سعيها الدؤوب الى السلطة.. وهي وجوه تمثل أسوأ مظاهر استغلال الدين في الأغراض السياسية، مما يؤكد أن اللجنة انما تسير في خط متخلف تماما.. وسنقدم فيما يلي طرفا من تاريخ هذه الوجوه المتخلفة حتى نري فداحة المغامرة بإناطة مهام اللجنة اليها..
جاء في مقدمة كتاب الأستاذ محمود محمد طه ((الدستور الإسلامي؟ نعم.. ولا!!)) الصادر في يناير 1968، حينما كانت مناهضة الجمهوريين للطائفية وللدستور الإسلامي المزيف على أشدها ما يلي:
لقد سقط الدستور الإسلامي الكامل في اللجنة القومية للدستور الدائم للسودان!! وعن ملابسات سقوطه يحدثنا محضر مداولات هذه اللجنة في مجلده الثاني على النحو التالي:
((السيد موسى المبارك: جاء في مذكرة اللجنة الفنية نبذة حول الدستور الإسلامي في صفحة (7) أن يكون رأس الدولة مسلما، أود أن أسأل هل لغير المسلمين الحق في الاشتراك لانتخاب هذا الرئيس؟
السيد حسن الترابي: ليس هناك ما يمنع غير المسلمين من انتخاب الرئيس المسلم، الدولة تعتبر المسلمين وغير المسلمين مواطنين، أما فيما يتعلق بالمسائل الاجتهادية فإذا لم يكن هناك نص يترك الأمر للمواطنين عموما، لأن الأمر يكون عندئذ متوقفا على المصلحة، ويترك للمواطنين عموما أن يقدروا هذه المصلحة، وليس هناك ما يمنع غير المسلمين أن يشتركوا في انتخاب المسلم، أو أن يشتركوا في البرلمان لوضع القوانين الاجتهادية التي لا تقيدها نصوص من الشريعة.
السيد فيليب عباس غبوش: أود أن اسأل يا سيدي الرئيس، فهل من الممكن للرجل غير المسلم أن يكون في نفس المستوى فيختار ليكون رئيسا للدولة؟؟
الدكتور حسن الترابي: الجواب واضح يا سيدي الرئيس فهناك شروط أهلية أخرى كالعمر والعدالة مثلا، وأن يكون غير مرتكب جريمة، والجنسية، وما إلى مثل هذه الشروط القانونية.
السيد الرئيس: السيد فيليب عباس غبوش يكرر السؤال مرة أخرى.
السيد فيليب عباس غبوش: سؤالي يا سيدي الرئيس هو نفس السؤال الذي سأله زميلي قبل حين – فقط هذا الكلام بالعكس – فهل من الممكن أن يختار في الدولة – في إطار الدولة بالذات – رجل غير مسلم ليكون رئيسا للدولة؟؟
الدكتور حسن الترابي: لا يا سيدي الرئيس..))
هذه صورة مما جري في بداية معارضة اقتراح الدستور الإسلامي الكامل.. ويلاحظ محاولة الدكتور الترابي التهرب من الاجابة مما أضطر معه السيد رئيس الجلسة أن يطلب من السيد فيليب عباس غبوش ليعيد السؤال، بغية أن يتلقى عليه اجابة محددة، لأنه سؤال في حد ذاته محدد.. فلما أعاده، لم يجد الدكتور الترابي بدا من الاجابة، فأجاب بـ ((لا))!! ومن تلك اللحظة بدأت المعارضة التي انتهت بهزيمة اقتراح الدستور الإسلامي الكامل، وهي معارضة قد رصدت كلها في محاضر مداولات اللجنة القومية للدستور فلتراجع..
وتهرب الدكتور الترابي في أول مرة على الرد المحدد ليس أمرا عرضيا، وانما هو أمر شديد الدلالة على مبلغ التناقض الذي يرزح تحته الدكتور الترابي وزملاؤه من دعاة الإسلام، ممن تلقوا ثقافة غربية واسعة.. فهم يشعرون بضرورة مسايرة العصر الحاضر في منشآته التقدمية، وبصورة خاصة الديمقراطية، والاشتراكية، ثم أنهم لا يجدون في الفكر الإسلامي الذي تتلمذوا عليه ما يسعفهم بهذه المسايرة، فظلوا يعيشون تناقضا مزعجا، جني على ملكاتهم، وعطل طاقاتهم، وأظهرهم بمظهر يستوجب الرثاء، ويستدر الاشفاق

هذا ما قاله الأستاذ محمود محمد طه عام 1968، حينما كان زعيم جبهة الميثاق من فلاسفة الدستور الإسلامي المزيف، ومن دعاته، ومفسريه، وحينما كانت الأحزاب الطائفية تعمل، على أشدها، على ((تمرير)) ذلك الدستور الطائفي في الجمعية التأسيسية، في عجلة مريبة.. حتى جاءت ثورة "مايو" لتوقف ذلك العبث بالدين، وتلك المخاطرة بمقدرات الشعب..
واليوم.. تعود وجوه، كالدكتور الترابي، لتحتل مكانها الطبيعي في لجنة ((تعديل القوانين لتتمشى مع أحكام الشريعة الإسلامية وقواعدها)).. ولا نريد أن نقول: ما أشبه الليلة بالبارحة!! ذلك لأن بلادنا قد سارت خطوات واسعات نحو التقدم، وحققت كثيرا من المكتسبات الثورية، مما يجعل كشف تلك العناصر المتخلفة على حقيقتها أمرا سهلا، لا سيما وقد بدأت تأخذ الدعوة الواعية الى الإسلام التي يضطلع بها الأخوان الجمهوريون طريقها الى عقول وقلوب أفراد شعبنا.. ولكن خطر التفكير الديني المتخلف ماثل ووارد.. ما دام سعي الطائفية وسدنتها من الأخوان المسلمين الى السلطة لم ينفك.. وما دامت دعوتها، الى ((تحكيم)) الشريعة الإسلامية الموروثة قائمة!!
ونحب أن يقف الشعب طويلا عند نمط التفكير الديني المتخلف الذي يتميز به دعاة ((تحكيم)) الشريعة الإسلامية الموروثة من الأخوان المسلمين وأضرابهم.. فها هو الدكتور الترابي يسعفنا بالمثل المعبر عنهم أصدق التعبير.. والأخطر من ذلك الضعف الأخلاقي المتمثل في المراوغة التي حاول بها الترابي أن يتهرب من الافضاء بحقيقة دعوته الدينية المتخلفة.. مما هو ليس من شيمة الدعاة الصادقين الى الدين بأي حال من الأحوال.. هذا نمط من أنماط الرجال الذين أنيطت بهم مهمة تعديل القوانين لتتمشى مع الشريعة الإسلامية الموروثة.. ولا نحسب أن اللجنة يمكن أن تحقق أكثر من المراوغة والتمويه وهي تواجه واقع الحياة المعاصرة، الذي يقتضي تطوير التشريع الإسلامي..
اننا ندعو في ختام هذا الكتاب الى الحوار الواسع حول هذا الأمر الخطير – أمر تطبيق الشريعة الإسلامية – لا سيما وتقوم، اليوم، دعوة فكرية جادة الى بعث الإسلام واحياء السنة، تتناول أمر تطوير التشريع مبوبا ومفصلا، وتدعو اليه دعوة مستفيضة، في حركة توعية شعبية واسعة.. متمثلة في الدعوة الإسلامية الجديدة التي يحمل لواءها الأستاذ محمود محمد طه.. نحن ندعو اللجنتين – اللجنة الفنية واللجنة العامة – الى حوار علمي معنا، يطلع عليه سائر أفراد الشعب، من المنابر العامة حتى يلم الشعب بوجهتي النظر القائمتين اليوم، واللتين تشكلان مفهومين مختلفين للإسلام.. وحتى تتم من جراء ذلك حركة توعية شعبية واسعة هي المقصودة، أولا وأخيرا، وذلك لإخراج المواطنين الواعين الذين يلمون بكافة المعلومات التي تهمهم بصورة مباشرة، والذين يشاركون في صنع القرارات المصيرية مشاركة فعالة، ((وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر))

الأخوان الجمهوريون
أم درمان ص. ب 1151 تلفون 56912
26 أغسطس 1977 – 12 رمضان 1397 هـ