((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




المرأة الإنسان

خاتمة

خاتمة


إن المرأة قد تعلمت وتفتقت مواهبها الكامنة، فنافست شقيقها الرجل في آداء الواجبات العامة، وخرجت للحياة العامة، ولا يمكن تجريدها من تعليمها، ومن وعيها العام، ومن كفاءتها، ومن دورها كمواطنة وردها إلى عالم "الحريم".. ذلك أمر عجز عنه "الأشياخ" في أسرهم، وفي أنفسهم، إذ يتحدثون عن الشريعة ويخالفونها ليمارسوا الاختلاط.. ومع استحالة رجوع المرأة فإن اتجاه الاشياخ هذا ليس هو اتجاه الدين الآن، فالدين يقدم لمثل هذا الوقت آيات الأصول.. وفي القرآن، آيات الحرية الفردية، والمسئولية الفردية.. وآيات الأصول التي تسعى لمجيء المرأة "الإنسان" تطالب بالمزيد من التعليم للمرأة، وتعطيها الحرية الفردية والمسئولية، وتهتم بتنمية، وتحرير مواهبها، حتى أنها لتبلغ بتحرير مواهبها الأساسية: العقل والقلب – المبالغ العظيمة..
لقد أصبح على الرجال الآن أن يتجهوا إلى كرامتهم، وحريتهم، التي لن يجدوها إلا في أصول القرآن فيحرزوا حريتهم الفردية، ويعينوا المرأة على احراز حريتها الفردية أيضاً، فيُقلعوا عن الاتجاه لكبتها، وللسيطرة عليها، وذلك بان يعلموا أن العفة الحقيقية لا تجيء عن طريق كبت المراة، ومصادرة حريتها، وانما تجيء بتعليم المرأة حسن التصرف في حريتها.. ومن ذلك أن تصبح غيرة الرجال ليست غيرة تملّك لإمرأة معينة، وانما هي غيرة على جميع النساء، وهي غيرة على الفضيلة حيث كانت.. فإنه قد قال المعصوم: (عفوا تعف نساؤكم)..
والنساء عليهن أن يبرهن على أهليتهن الحرية الفردية فيتجهن اتجاه الأخوات الجمهوريات الرائدات فيميزن بين حرية السفور، ومساوئ التبرج، ويُعنين بقيمتهن الإنسانية، ويعولن على العقل والخلق بدل مظاهر الموضة..
وأصول القرآن، حين أعطت الرجال والنساء الحرية الفردية، فقد أعانتهن بأكمل منهاج فردي، المنهاج النبوي، الذي يعطي سالكيه، من الرجال، ومن النساء، المقدرة على حسن التصرف في الحرية.. فأصول الإسلام تعطينا الحرية، وتعطينا المنهاج الذي بممارسته نحسن التصرف في الحرية، ونحسن النهوض بأعباء المسئولية الفردية والجماعية تحت ظل القانون الدستوري.
والخلاصة في أمر المرأة، والدعوة للدين هي: أن الأمر الذي حال دون قيام المرأة بأعباء الدين، في الماضي، انما هو حكم الوقت، الذي كانت فيه السيادة في المجتمع لقانون الغابة.. ففي هذا القانون القوة هي التي تصنع الحق.. فللقوي حق طبيعي على الضعيف، يستحقه لمجرد قوته، ويتقاضاه بقوته.. فالقوة تصنع الحق، وتتقاضى الحق.. وهذا ما جعل المرأة مستضعفة طوال الحقب السوالف، وهو ما قعد بها عن القيام بكثير من الواجبات، وحرمها الكثير من الحقوق، حتى أنها، وإلى القرن السابع الميلادي، لم تكن تملك حق الحياة.. فعندما جاء الإسلام في الجزيرة العربية، وجدها تدفن حية.. ثم أن الدعوة للدين، في الماضي، في مثل هذه الظروف، كانت تحتاج إلى القوة العضلية لمواجهة ظروف العنف الشديد الذي كان الدعاة يجدونه من المجتمع، في سبيل القيام بأعباء نشر الدعوة.. فقد كانت الدعوات تحتاج القتال لنشرها.. فحتى في عهد خاتم النبيين واجهت الرسول الكريم الكثير من صنوف العنف من المجتمع المكي.. ولقد احتاج للجهاد بالسيف لنشر الدعوة.. وفي ذلك قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا عصموا مني أموالهم، ودماءهم إلا بحقها، وأمرهم إلى الله..).. فهذه الظروف التي ذكرناها هي التي حالت دون وجود رسولات من النساء في الماضي، هذا على الرغم من أنه قد كانت هنالك نبيات منهن، مثل مريم ابنة عمران.. وما ذاك إلا لأن الرسالة بخلاف النبوة، وظيفة في التعليم، وفي الترشيد، تحتاج وسط الشعوب، على قوة العضلات، وقوة البأس في القتال، وفي إحتمال الأذى البدني الشديد الذي كان يلقاه الدعاة.. وفي وقتنا الحاضر، ولأول مرة، بفضل الله، ثم بفضل التقدم في الحياة الإجتماعية العامة، يؤمر الدعاة بأن يستعملوا الحكمة، والإقناع، وألا يلجأوا إلى القتال في سبيل نشر الدعوة الإسلامية، وما ذاك إلا لأن البشرية، بفضل الله، ثم بفضل تطور الحياة العامة، قد أصبحت تخرج، كل يوم جديد، من قانون الغابة، وتدخل تحت قانون الإنسانية.. حتى إذا جاء حكم وقتنا الحاضر، الذي يختلف عن جميع العصور السابقة، اختلافاً يكاد يكون جذرياً، وقد وقفت البشرية على أعتاب قانون الإنسانية، حيث الناس، من حيث هم ناس، سواسية، ولا تمييز بينهم، وحيث للضعيف حق، يرعاه القانون، ويطبقه القضاء، وتنفذه السلطة، في مثل هذه الظروف الجديدة التي تخلف فيها قانون الغابة، وزالت صور العنف القديم، يصبح عمل المرأة في الدعوة للدين أمراً طبيعياً، بل ومطلوباً، بعد أن زالت الأسباب التي كانت تمنعه في الماضي.. بل إن الدعوة للدين لهي أوكد واجبات المرأة، في سعيها الطويل لاصلاح نفسها، ولإصلاح مجتمعها، الذي لا صلاح له إلا بصلاحها..
ولو أن الناس اليوم فطنوا لحكم الوقت الحاضر، لعلموا أن مراد الدين، في أصوله، هو أن يدعو إليه الرجال والنساء على السواء.. بل لعلموا أنه من عنوان، واعلان، عظمة الدين أن تدعو إليه المرأة مساوية في ذلك أخاها الرجل.. ثم أن المرأة الجمهورية بزيها، وبدينها، وبقوة شخصيتها، وبغزارة علمها، لهي مما يشرف المسلمين عامة، ويشرف السودانيين بشكل خاص.. لو فطن الناس لحقيقة الدين الإسلامي لفرحوا بخروج الفتاة السودانية بهذه الصورة، ولأشادوا بها، بدل هذه المقابلة الجاهلة، التي تلقاها الفتاة الجمهورية، ممن يظهرون بمظهر الإسلام، ويتزيّون بزيه.. إن أغراض النفوس قد أعمت القلوب، وأغلقت العقول، حتى عن الخير الواضح، والنور الساطع.. هذا ولقد أوسعنا موضوع حقوق المرأة وواجباتها في الإسلام شرحاً وتفصيلاً في كتبنا العديدة مما يعطينا العذر المديد في ختم هذا الكتيب في هذا الحيز..

والله المسئول أن يفتح البصائر والأبصار على حقائق الإسلام.. انه سميع مجيب..

الأخوان الجمهوريون
أمدرمان ص.ب 1151 ت 56912