((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




المرأة الإنسان

لماذا خرجت المرأة الجُمهُوريَّة؟

لماذا خرجت المرأة الجُمهُوريَّة؟


الجمهوريات حين خرجن مختلطات، لم يخرجن مجاراة للإختلاط الحاضر، وانما خرجن وهن يصححن هذا الاختلاط، ويرشدنه، ويهدينه إلى الاختلاط النظيف.. ولم يخرجن جهلاً بالشريعة، ولا خروجاً عليها بدون سند من الدين، كما يفعل "رجال الدين" وانما خرجن وهن مستندات إلى آيات الأصول التي تعطي المرأة الحرية الفردية، وتلزمها بالمسئولية الفردية، وتعينها بالمنهاج الفردي في العبادة والسلوك.. فخروجهن مأذون به من الدين، ثم انه قد جاء بعد نضج التجربة، وبعد احسان التربية.. ثم أنهن قد خرجن لأمر جاد، وكريم، وهو انما هو استجابة لمطالب الدين الأساسية في الحرية، وفي الإنسانية وفي المسئولية وفي "الفردية" التي هي الغاية من حياتنا جميعاً، رجالاً، ونساءً.. فالحياة الطبيعية هي الحياة المختلطة بين الرجال والنساء، ثم هو اختلاط نظيف، مبرأ من العيوب التي إيف بها الاختلاط الحاضر.. فآيات الحرية في أصول الإسلام تقر الاختلاط النظيف، وترمي إليه، وتطلبه بالتربية والتأديب والترشيد.. ذلك لأن المرأة العفيفة بقوة شخصيتها وبتقواها (ولباس التقوى ذلك خير) هي أكرم، في الدين، من المرأة العفيفة لأنها معزولة من الرجال، ومقفول عليها الباب، ومسدول عليها الثوب.. فالحجاب ليس غاية في الإسلام، وانما الغاية في الإسلام هي العفة التي تقوم في الصدور.. وما قام الحجاب إلا لإعتبار العجز عن تحمل مسئولية حسن التصرف في حرية السفور في زمن استحق الوصاية.. قال تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً).. وفي الماضي قد جعل الله لهن هذا السبيل، وذلك بآية حد الزنا، وفي يومنا الحاضر سيجعل الله لهن هذا السبيل بالعرف الصالح، وباتباع السنة في المنهاج النبوي الشريف الذي حين تمارسه المرأة بوعي، تستطيع ان تحسن التصرف في حريتها في ظل القانون الدستوري، فلا تحتاج للحجاب عقوبة على سوء التصرف في حرية السفور، ولا تحتاج إلى الحد بطبيعة الحال.. والاخوات الجمهوريات برهن، ويبرهِنَّ، على أن المرأة، حين تتجه إلى العبادة بوعي، وتلتزم المنهاج النبوي بذكاء، وبتجويد، وباتقان، فإنها ليست دون الرجل في كمال الخلق، كما برهنت المرأة السودانية بالأمس حين اتجهت للتعليم أنها ليست اقل من زميلها الرجل.. وقد كان "رجال الدين" باسم الدين، يعارضون تعليم المرأة، وقد فرض نفسه الآن، عليهم وعلى غيرهم حتى لقد أصبح "رجال الدين" يتسابقون لتعليم بناتهم.. وسيأتي وقت قريب يتضح فيه أن التعليم الحقيقي، والأساسي انما هو ما تطبقه المرأة الجمهورية الآن، وتدعو إليه.. إنه لهو التعليم الذي يعطي الرجال والنساء حريتهم في ظل القانون، ويعلمهم حسن التصرف في الحرية ليجيء الرجل الإنسان، الذي يحقق حريته، ويحرز فرديته، ولتجيء المرأة الإنسانة أيضاً وبالمثل.. ولا يتم ذلك إلا في رحاب الدين الواسعة التي ضيقها الأصدقاء الجهلة، فباعدوا بينه وبين طاقات الحياة الحديثة، وهي أحوج إليه.. ولكن لا ضير!! فإن الصبح قريب..
(إن موعدهم الصبح.. أليس الصبح بقريب؟!)