في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

أئمة بلا ايمان
عبد الرحمن عبد السلام آخر النماذج

أمام محكمة جنايات ود مدني
محاكمة المتهم / عبد الرحمن عبد السلام

مرافعة الإتهام الختامية


السيد القاضي
بكل احترام ونيابة عن الإتهام ألتمس أن أتقدّم بالمرافعة الختامية التالية: -
1- الوقائع التي قدّم الإتهام البينة لإثباتها هي ان الشاكي كا في يوم الحادث يعرض كتب الفكرة الجمهورية ويصحبته شاهد الإتهام الثالث والرابع وبينما كان الشاكي يعرض هذه الكتب على مجموعات من الناس بالقرب من بنك الخرطوم بود مدني تعرّض له المتهم وسبّه بألفاظ بذيئة ووجه اليه عبارات كاذبة ومسيئة وتهجّم عليه بأن رفع عصاه وأهوى بها عليه حيث ضربه جزء منها ولكنه لم يسبب له أذى يذكر.
2- أيّد شاهدا الإتهام الثالث والرابع أقوال الشاكي إذ أنهما كانا شاهدا عيان لما حدث.
3- المتهم ينكر واقعة رفع العصا وينكر واقعة توجيه الألفاظ أمام المحكمة وقد ورد في مرافعة الدفاع الختامية بالفقرة الرابعة ما يلي: ((ذكر المتهم في أقواله إنه لم يضرب الشاكي ولم يسبه بل رفع عصاه قائلا ما معناه أنه يعف عصاته هذه – وهو رافعا لها – من ضرب أمثال الشاكي... إذا فهو لا ينوي تهديد الشاكي أو التهجّم بقدر ما قصد أن يريه رأيه فيه).
هذا هو الخط الذي سار عليه المتهم ليبريء نفسه، وهو الخط الذي سارت عليه مرافعة الدفاع لتقول إن المتهم قد رفع عصاه ليقول للشاكي أنه يعفها عن ضربه).
ولكن ما رأي الدفاع لو قلنا له أن المتهم قد ذكر في أقواله بصفحة 3 و4 من يومية التحرّي سببا غير الذي ورد في مرافعة الدفاع لرفع العصا؟ لقد ذكر المتهم في أقواله والتي اعترف بها أمام المحكمة الموّقرة ما يلي ((قلت له أنتم صم بكم – أحدهم رفع يده وأنا رفعت العصاية ولا أعرفها وقعت فوقه أم لا...))
إذا فإن المتهم بقوله صراحة في يومية التحرّي أنه قد رفع عصاه كرد فعل لرفع أحد الجمهوريين ليده. ولم يقل يومئذ أنه قد رفع يده ليقول للشاكي أنه يعفها عن ضرب الشاكي.
ولكن يبدو أن المتهم قد علم فيما بعد أن أقواله التي سجلها في يومية التحرّي لا يمكن أن تسعفه في دفاعه فلجأ الى قوله الذي قاله أخيرا أمام المحكمة.
4- لقد حاول المتهم التحايل للتمسك بدفاع ليس له أي سند من الواقع بل لقد حاول المتهم اقناع نفسه بهذا الدفاع قبل أن يقنع المحكمة وذلك بمحاولة خلط هذه الواقعة موضوع البلاغ مع واقعة سبقتها بنحو ساعة وكانت بين المتهم وأحد الجمهوريين اسمه عزالدين دالي. فقد كان المتهم يقف في نفس المكان قبل ساعة من الحادث موضوع هذا البلاغ وحاول التهجّم على عزالدين دالي وخطب في الناس محرّضا الناس على ضربه وعلى ضرب الجمهوريين وقتلهم وعندما قال له عزالدين دالي لماذا تحرّض الناس على ضربنا وجهادنا وتبقى أنت بعيدا وسالما فقال له المتهم ((إني أعف هذه العصا التي أصعد بها على المنابر عن ضربك)) ولقد فتح بلاغ ضد المتهم بخصوص تلك الواقعة وانتهى به الأمر الى الإحالة للمحاكمة أمام محكمة كبرى تحت المادة 92 عقوبات. وعلى أي حال يمكن الرجوع لأوراق ذلك البلاغ وأوراق محكمة الإحالة للتحقّق مما ذكرناه.
ويكفي هنا أن نشير للمرة الثانية أن المتهم لم يذكر اطلاقا للمتحرّي والذي استجوبه بعد ساعات من الحادث أنه رفع عصاه ليقول للشاكي أنه يعفها عن ضربه بها – بل ذكر صراحة أنه رفع عصاه لأن أحد الجمهوريين رفع يده.
5- تقول مرافعة الدفاع أن الإتهام قد فشل في إثبات التهمة التي ما وراء مرحلة الشك المعقول، وتقول المرافعة أن البينة التي قدمها المتهم تثير الشك في عملية التهجم والضرب.
ونحن لا بد أن نسأل الزميل ممثل الدفاع: ماذا يشكك في أقوال شهود الإتهام الثلاثة؟ هل مجرّد كون الشهود من الجمهوريين يجعل أقوالهم غير مقبولة ومشكوك فيها؟ لقد سبق لهؤلاء الشهود أن أخذت أقوالهم في يومية التحرّي، وجاءت إفادتهم أمام المحكمة متناسقة تماما مع أقوالهم في يومية التحرّي مما ينفي عنهم أنهم قصدوا إلى اضافة أي أقوال لتوريط المتهم، كما أنهم لم يقعوا في أي تناقض يشكك في أقوالهم.
ولقد ذكر الشاكي على اليمين أنه لم يكن يعرف أي شيء عن المتهم قبل الحادث وليس له به أي صلة. وكان على الدفاع أن يحاول مجرّد المحاولة اقناعنا بوجود أي سبب يجعل الشاكي يتهم هذا المتهم بالذات وليس أي واحد غيره من الناس الذين كانوا يقفون أمام البنك..
ومع أن ممثل الدفاع قد بنى طعنه في أقوال شهود الإتهام على أساس أنهم يؤمنون بنفس فكر الشاكي إلاّ أنه قد سكت عن قول الشيء الذي يربط بين المتهم وشاهدا الدفاع وهو معارضتهما للفكرة الجمهورية فبالرجوع الى أقوال المتهم نفسه نجده يقول بأن الشاكي قد عرض الكتاب على (مصطفى) ويعني شاهد الدفاع – وأن مصطفى قد أشار له بأن يتكلم في الموضوع لأنه خاص بالعقيدة – كذلك تؤيد أقوال الشاكي على اليمين أن شاهد الدفاع والذي جاهر بمعارضته للشاكي وبقوله أنه لن يقرأ للجمهوريين!! قد إلتفت نحو المتهم بعد إبداء معارضته وقال: ولنا في مولانا أسوة حسنة)..
إذا فإن الصلة وثيقة بين المتهم وشاهد دفاعه فهو يشاركه الرأي والمعارضة للجمهوريين وهو في النهاية قد حمله بعربته كما قال وأوصله إلى منزله.
لقد ذكر شاهد الدفاع للمتحرّي أقوالا مختلفة عن تلك التي أدلى بها أمام المحكمة وقد أيّد المتحرّي على اليمين أن ما سجله على اليومية هو الأقوال التي سمعها من الشاهد إلاّ أن الشاهد قد وجد الفرصة ليقول أن أقواله لم تؤخذ في النقطة.
وعلى أي حال ليس فيما ذكره شاهد الدفاع ما ينفي ما ذكره شهود الإتهام أنهم قد سمعوه أو شاهدوه، وبالتمعّن فيما ذكره شاهد الدفاع يتضّح أن الأشياء التي سكت عنها أكثر من الأشياء التي ذكر أنه قد سمعها أو شاهدها إذ أنه قد ذكر أن عدة وقائع قد وقعت في وقت الحادث منها كلامه هو مع الشاكي ثم تدّخل المتهم ثم حديث "الشخص الآخر" مع المتهم ثم النقاش والتحرّش الذي ذكر أنه قد وقع – ومع كل ذلك يقول الشاهد أنه لم يسمع أي نبذ أو شتيمة غير كلمة "ابن الحنطورة".
والجدير بالذكر أن هذا الشاهد قد ذكر في رده على اسئلة الإتهام بأنه "ربما يكون في كلام تاني ولكن لا أذكره".
أورد ممثل الدفاع في الفقرة الأخيرة من مرافعته سوء الخاتمة وهو كلام يخرج عن الموضوعية ويعف عن قوله أي رجل له بقية من دين أو عقل. ومثل هذا الكلام يعني في النهاية إصرارا من المتهم على كل ما أثبت الإتهام أنه قد قاله عن الأخوان الجمهوريين.
ولعل ممثل الدفاع لا يعلم أنه كان ينبغي عليه أن يثبت بالدليل ما أدّعاه المتهم عن الجمهوريين أو مرشدهم لا أن يقول لنا بأن ما تفوّه به المتهم هو نتائج جاهزة لحكم محكمة الردة. وكان يجدّر بممثل الدفاع أن يعلم بأن محكمة الجنايات الموّقرة تعتبر الوقائع الثابتة أمامها بالبينة وليس الوقائع التي يراد أن تستنجها من حكم مثل حكم محكمة الردة.
ومع أن كثيرا من خصوم الجمهوريين يتحدثون عن محكمة الردة إلاّ أن أحدا من القانونيين لم يقل حتى الآن بأنها كانت محكمة دستورية، وفي الواقع فإن كل منصف يعلم أن تلك المحكمة كانت مهزلة ومكيدة سياسية كان قاضيها ومدّعيها وشهودها لعبة في أيدي سدنة الدستور الإسلامي المزيف الذي كانت تدعو له الطائفية والأخوان المسلمون قبل قيام ثورة مايو، وأن أسوأ من تحدث عن محكمة الردة وكشف وجهها الحقيقي هو المدّعي الذي رفع الدعوى أمامها وهو الأمين داؤد والذي ذكر في كتابه عن تلك المحكمة أنه قابل قاضيها توفيق أحمد الصديق ووجد عنده استجابة طيبة لرفع الدعوى ضد الأستاذ محمود محمد طه ثم جاءت المباركة من القصر الجمهوري لذلك العمل الأخرق والذي نعتبره وصمة عار في جبين القضاء السوداني وفي جبين كل قانوني حتي يتبرأ منه ويدينه.
عليه وللأسباب التي أوضحناها أعلاه نلتمس إدانة المتهم تحت جميع المواد التي وجه له الإتهام بموجبها...
ولكم وافر الاحترام

المخلص
أحمد سليمان دفع السيد – المحامي