((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




مشكلة الشرق الأوسط

الفصل الرابع - فتح فلسطين - مملكة اليهود - انقسام المملكة والسبى - العودة من السبى

فتح فلسطين


ولم يكن الفتح ميسورا، وقد بدأوا بفتح المرتفعات الوسطى، واستقروا فيها بعض الوقت، وكان يسيطر على البلاد الساحلية في تلك الآونة الفلسطينيون، وهم احدى المجموعات الخمس لشعوب البحر الذين وفدوا من منطقة بحر أيجة، فهم وافدون أيضا، شأنهم في ذلك شان بنى اسرائيل. وكان الكنعانيون يشكلون معظم السكان على ذلك العهد. ثم توسع الفلسطينيون فتوغلوا في الداخل، واستولوا على عدد من المدن الكنعانية، الى ما كان عندهم من أرض الساحل، وقد امتد الساحل الذي استولوا عليه بصورة دائمة من غـزة حتى جنوبى يافا. وكانت ذروة قوة الفلسطينيين في النصف الثاني للقرن الحادى عشر قبل الميلاد حيث هزموا بنى اسرلئيل، في بعض ملاحمهم معهم، وأخذوا منهم تابوت العهد، وحملوه الى احدى مدنهم المحصنة، وقد كانت لهم خمس مدن نظمت بشكل ممالك مدن، وظلت لهم الغلبة على بنى اسرائيل الى ان ظهر فيهم نبى لهم يقال له صموئيل، فطلبوا اليه ان يعين لهم ملكاً يقاتلون معه عدوهم ويحدثنا القرآن في ذلك فيقول ((ألم تر الى الملأ من بنى اسرائيل، من بعد موسى اذ قالوا لنبى لهم أبعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله. قال هل عسيتم ان كتب عليكم القتال الا تقاتلوا؟ قالوا وما لنا الا نقاتل في سبيل الله وقد اُخرجنا من ديارنا وأبنائنا؟ فلما كُتب عليهم القتال تولوا، الا قليلا منهم، والله عليم بالظالمين؟)) ثم ان نبيهم هذا قال لهم ان الله بعث لكم طالوت ملكاً، فقبلوه بعد لجاجة، وما كادوا يفعلون، وساروا معه للقاء عدوهم، فقص الله علينا من أخبارهم في سورة البقرة. ((ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا افرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * فهزموهم باذن الله، وقتل داود جالوت، وآتاه الله الملك، والحكمة وعلمه مما يشاء، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض، ولكن الله ذو فضلٍ على العالمين)). وكان داود شابا حدثا، يومئذٍ، وكان دقيق القامة، نحيل الجسم، شديد الاسر. واما جالوت فقد كان ملك الفلسطينيين، وكان عملاقا رهيبا، مدججا بالسلاح، فخذله الله وأسلمه الى داود فقتله. وفى تلك الموقعة جرح طالوت ملك بنى اسرائيل جرحاً بلغياً لم يلبث ان قضى عليه، فخلفه على بنى اسرائيل داود ملكاً نبياً، كما قال تعالى عنه ((وقتل داود جالوت، وآتاه الله الملك، والحكمة، وعلمه مما يشاء)).

مملكة اليهود


وكان عهد داود (نحو 1004 – 963 قبل الميلاد) هو عهد تأسيس مملكة بنى اسرائيل. ويبدو ان الموقعة التي قتل فيها داود جالوت الفلسطينى لم تكن حاسمة في نصرة بنى اسرائيل وهزيمة الفلسطينيين وانما بدأ بها التحول الحقيقى في ميزان القوى بين الشعبين المتنازعين، وبدأت الدولة تدال لبنى اسرائيل من عدوهم. ويحدثنا الدكتور فيليب حتّى في كتابه ((تاريخ سورية ولبنان وفلسطين)) الجزء الاول صفحة 203 فيقول، ((وقد بدأ حكمه تحت سيادة الفلسطينيين ولكنه نجح في النهاية ليس في تحقيق الاستقلال فحسب بل أيضاً في توسيع حدود المملكة الى أبعد مما بلغته في أى وقت آخر. قام داود بسلسلة من العمليات الحربية أدت الى التخلص من نير الفلسطينيين وجعل آدوم ومؤاب وعمون تحت حكمه وحققت له ما هو أغرب من ذلك وهو حكم سوريا المجوفة الآرمية حتى حدود مملكة حمأة كما يظن، ووصلت جنوده الى دمشق، وكانت المملكة التي أسسها أقوى دولة محلية ظهرت في فلسطين في أى عصر)).
ويقال ان عدد بنى اسرائيل على عهد داود كان نحو الستمائة أو السبعمائة ألف نفس، وانتقى داود حصن أورشليم ليكون عاصمة له، وفى هذه المدينة أقام قصره الملكى، وقد بناه من الحجارة وخشب الارز المجلوب من لبنان، وأقام الى جانب قصره معبداً وطنياً لقومه في هذه العاصمة الجديدة، ((وهكذا جعل اليهودية الديانة الرسمية في الدولة الموحدة. وأصبح داود الملك الثاني بالنسبة للعبرانيين)) وهم بنو اسرائيل.
ثم لم يلبث داود ان لحق بربه بعد ان وطد اكناف المملكة، وخلفه على عرشه أبنه سليمان الحكيم، وقد كان كوالده ملكاً نبياً، ((وورث سليمان داود، وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير، وأوتينا من كل شئ، ان هذا لهو الفضل المبين * وحشر لسليمان جنوده من الجن والانس والطير فهم يوزعون)).
ولقد وصلت المملكة في عهد سليمان (963 – 923 قبل الميلاد) ذروة عالية من المجد، والقوة، والعمران. وبنى سليمان في أورشليم الهيكل المشهور باسمه. وفى ذلك يقول الدكتور فليب حتّى من كتابه آنف الذكر، ((وكان الهيكل الذي بناه أكثر أهمية من الناحية القومية. ويعتقد ان موقعه هو الموقع الذي فيه قبة الصخرة اليوم. وقد بنى هيكل سليمان في الاصل ليكون معبداً ملكياً ملحقاً بالقصر واستغرق بناؤه سبع سنوات فقط، ولكنه أصبح فيما بعد مركزاً عاما لعبادة العبرانيين)).

انقسام المملكة والسبى


ولبث سليمان ما شاء الله له ان يلبث ثم لما لحق بربه خلفه على المملكة ابنه. وفى زمنه انقسمت المملكة الى قسمين: قسم انشقت به القبائل العشر من قبائل بنى اسرائيل الاثنتى عشرة، وكان يسمى مملكة اسرائيل، وكانت عاصمته شكيم اولاً، ثم تزرة، ثم السامرة.
والقسم الآخر من المملكة أقامت عليه قبيلتا يهوذا وبنيامين، وكان يسمى مملكة يهوذا، وكانت عاصمته اورشليم.. ولقد كانت هاتان المملكتان في حالة تنافس، وفى بعض الاحيان، تبلغ بهما المنافسة درجة العداوة بينهما.. ولقد تعرضتا للحروب من الممالك الاخرى.
فاما مملكة اسرائيل فقد لاقت نهايتها في نحو عام 721 قبل الميلاد، حين انهزمت امام مملكة أشور، فسبى من رجالها اعداد كبيرة، لم تقم لها بعدهم قائمة.
وبعد سقوط مملكة اسرائيل أصبحت مملكة يهوذا عرضة للغزو المستمر من امبراطورية أشور، وظلت تدفع الجزية لاشور، وفى مرة عصى مليكها مملكة أشور، ورفض دفع الجزية، فحاصرته جيوش أشور، وأوقعت به الهزيمة، واضطرته الى الرجوع لدفع الجزية من جديد، ودفع متأخراتها أثناء فترة العصيان أيضاً، وفوق ذلك فرضت عليه ارسال بناته وغيرهن من نساء القصر الى قصر سنحاريب الملكى في نينوى، ولقد ظلت في الثلاثة الارباع الاولى من القرن السابع تابعة خاضعة لنينوى، وعند سقوط نينوى على يدى بابل الجديدة الكلدانية وذلك في عام 612 قبل الميلاد تبعت لبابل.
وأقامت على ذلك حتى عام 597 حين عصى ملكها الشاب اوامر بابل فسيرت اليه جيشا هزمه، وكان على رأسه ملك بابل نبوخذ نصر الذي سبى هذا الملك الإسرائيلي الشاب، مع نسائه، وأمه، وموظفيه، وسبعة آلاف من جنوده، وألف من مهرة الصنّاع. ثم أقام على مملكة يهوذا ملكا جديدا عهد اليه بالطاعة ومواصلة دفع الجزية لبابل وظل سبايا اليهود في بابل وسارت الحياة بمملكة يهوذا تحت الخضوع لبابل حتى اذا كان عام 586 قبل الميلاد قام فيها ملك سولت له نفسه عصيان بابل، تحت تحريض بعض الزعماء ورجاء مساندة مصر اياه. فجرد عليه نبوخذ نصر جيشاً جراراً ضرب الحصار الطويل على عاصمته أورشليم حتى سقطت في يدى نبوخذ نصر فهدمها، وهدم هيكلها، وهدم زيادة على ذلك، كل مدينة مهمة في مملكة يهوذا. ثم سبى العظماء من سكان أورشليم ومن سكان المملكة. ويقدر عددهم بخمسين ألفا كلهم قد حملوا الى بابل مع ملكهم. وقد ظل بنو اسرائيل في السبى ببابل حتى ظهر في مسرح التاريخ دولة عالمية جديدة هى الامبراطورية الفارسية.

العودة من السبى


عندما ظهر الفرس في مسرح الحوادث وخربوا بابل عام 539 قبل الميلاد، ودخل الملك الفارسى كورش مدينة بابل، وجد فيها جالية يهودية كبيرة يعود أصلها الى أيام السبى الذي جرى لهم على يدى نبوخذ نصر، مرة في عام 597 وأخرى في عام 586 قبل الميلاد. وقد يكون لهذه الجالية اليهودية يد في مساعدة كورش على اقتحام مدينة بابل. ومهما يكن من الامر فانه قد بادر الى اصدار مرسوم ملكى يخول حق العودة لمن شاء منهم الى أرض آبائهم، ويشجعهم على اعادة بناء معبدهم. وكانت سياسة كورش هذه عكس السياسة التي اتبعها الاشوريون والبابليون من سبى الشعوب المهزومة في الحروب، ولقد اعتبر اليهود كورش هذا كمخلص أرسله الله لانقاذهم.
ولابد ان يكون عدد غير قليل قد استفاد من هذا الحق الذي عرضه عليهم الفاتح الجديد، فعادوا الى ارض وطنهم الذي كان الحنين يساورهم اليه طيلة مدة السبى. وقد عبر شاعرهم عن هذا الحنين بكلمات مؤثرة ((المزمور 137)) وذلك حيث يقول:
(( 1- على انهار بابل هناك جلسنا – بكينا أيضا عندما تذكرنا صهيون.
2- على الصفصاف في وسطها علقنا اعوادنا.
3- لانه هناك سألنا الذين سبونا كلام ترنيمه، ومعذبونا سالونا فرحين قائلين رنموا لنا ترنيمات صهيون.
4- كيف نرنم ترنيمة الرب في ارض غريبة؟
5- ان نسيتك يا أورشليم تنسى يمينى.
6- ليلتصق لساني بحنكى ان لم اذكرك، ان لم افضل اورشليم على أعظم فرحى.))
كما انه لا بد ايضا ان يكون بعض المسبيين من الذين اغتنوا، وأصبحت لهم جذور في أرض بابل قد آثروا البقاء في وطنهم الجديد. وكانوا يقيمون الى الجنوب الشرقى من بابل، وكانوا يقاومون الاندماج بالسكان الاصليين، وهم بذلك قد كانوا طليعة ما عرف فيما بعد باسم ((الدياسبورا)) وهم اليهود المقيمون خارج فلسطين. وكانت الديانة اليهودية عاملا رئيسيا في تماسك اليهود في ديار غربتهم.