في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

مشكلة الشرق الأوسط

فتح فلسطين


ولم يكن الفتح ميسوراً، وقد بدأوا بفتح المرتفعات الوسطى، واستقروا فيها بعض الوقت، وكان يسيطر على البلاد الساحلية في تلك الآونة الفلسطينيون، وهم إحدى المجموعات الخمس لشعوب البحر الذين وفدوا من منطقة بحر أيجة، فهم وافدون أيضاً، شأنهم في ذلك شأن بني إسرائيل.. وكان الكنعانيون يشكلون معظم السكان على ذلك العهد.. ثم توسع الفلسطينيون فتوغلوا في الداخل، واستولوا على عدد من المدن الكنعانية، إلى ما كان عندهم من أرض الساحل، وقد امتد الساحل الذي استولوا عليه بصورة دائمة من غـزة حتى جنوبي يافا.. وكانت ذروة قوة الفلسطينيين في النصف الثانى للقرن الحادى عشر قبل الميلاد حيث هزموا بني إسرلئيل، في بعض ملاحمهم معهم، وأخذوا منهم تابوت العهد، وحملوه إلى إحدى مدنهم المحصنة، وقد كانت لهم خمس مدن نظمت بشكل ممالك مدن، وظلت لهم الغلبة على بني إسرائيل إلى أن ظهر فيهم نبي لهم يقال له صموئيل، فطلبوا إليه أن يعيِّن لهم ملكاً يقاتلون معه عدوهم ويحدثنا القرآن في ذلك فيقول ((أَلَمْ تَرَ إلى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل،َ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.. قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ أن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ ألا تُقَاتِلُوا؟ قَالُوا وَمَا لَنَا ألا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا؟ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا، إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)) ثم إن نبيهم هذا قال لهم إن الله بعث لكم طالوت ملكاً، فقبلوه بعد لجاجة، وما كادوا يفعلون، وساروا معه للقاء عدوهم، فقص الله علينا من أخبارهم في سورة البقرة ((وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ، وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ، وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)).. وكان داود شاباً حدثاً، يومئذٍ، وكان دقيق القامة، نحيل الجسم، شديد الأسر.. وأما جالوت فقد كان ملك الفلسطينيين، وكان عملاقاً رهيباً، مدججا بالسلاح، فخذله الله وأسلمه إلى داود فقتله.. وفى تلك الموقعة جرح طالوت ملك بني إسرائيل جرحاً بليغاً لم يلبث أن قضى عليه، فخلفه على بني إسرائيل داود ملكاً نبياً، كما قال تعالى عنه ((وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ))..

مملكة اليهود


وكان عهد داود (نحو 1004 – 963 قبل الميلاد) هو عهد تأسيس مملكة بني إسرائيل.. ويبدو أن الموقعة التي قتل فيها داود جالوت الفلسطيني لم تكن حاسمة في نصرة بني إسرائيل وهزيمة الفلسطينيين، وإنما بدأ بها التحول الحقيقي في ميزان القوى بين الشعبين المتنازعين، وبدأت الدولة تدال لبني إسرائيل من عدوهم.. ويحدثنا الدكتور فيليب حتّى في كتابه ((تاريخ سورية ولبنان وفلسطين)) الجزء الأول صفحة 203 فيقول: ((وقد بدأ حكمه تحت سيادة الفلسطينيين ولكنه نجح في النهاية ليس في تحقيق الاستقلال فحسب بل أيضاً في توسيع حدود المملكة إلى أبعد مما بلغته في أي وقت آخر.. قام داود بسلسلة من العمليات الحربية أدت إلى التخلص من نير الفلسطينيين وجعل آدوم ومؤاب وعمون تحت حكمه وحققت له ما هو أغرب من ذلك وهو حكم سوريا المجوفة الآرامية حتى حدود مملكة حمأة كما يظن، ووصلت جنوده إلى دمشق، وكانت المملكة التي أسسها أقوى دولة محلية ظهرت في فلسطين في أي عصر))..
ويقال إن عدد بني إسرائيل على عهد داود كان نحو الستمائة أو السبعمائة ألف نفس، وانتقى داود حصن أورشليم ليكون عاصمة له، وفى هذه المدينة أقام قصره الملكي، وقد بناه من الحجارة وخشب الأرز المجلوب من لبنان، وأقام إلى جانب قصره معبداً وطنياً لقومه في هذه العاصمة الجديدة: ((وهكذا جعل اليهودية الديانة الرسمية في الدولة الموحدة.. وأصبح داود الملك الثاني بالنسبة للعبرانيين)) وهم بنو اسرائيل..
ثم لم يلبث داود أن لحق بربه بعد أن وطَّد أكناف المملكة، وخلفه على عرشه ابنه سليمان الحكيم، وقد كان كوالده ملكاً نبياً: ((وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ، وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ، وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، إن هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ * وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ))..
ولقد وصلت المملكة في عهد سليمان (963 – 923 قبل الميلاد) ذروة عالية من المجد، والقوة، والعمران.. وبنى سليمان في أورشليم الهيكل المشهور باسمه.. وفى ذلك يقول الدكتور فليب حتّى من كتابه آنف الذكر: ((وكان الهيكل الذي بناه أكثر أهمية من الناحية القومية.. ويعتقد أن موقعه هو الموقع الذي فيه قبة الصخرة اليوم.. وقد بُني هيكل سليمان في الأصل ليكون معبداً ملكياً ملحقاً بالقصر واستغرق بناؤه سبع سنوات فقط، ولكنه أصبح فيما بعد مركزاً عاما لعبادة العبرانيين))..

انقسام المملكة والسبي


ولبث سليمان ما شاء الله له أن يلبث ثم لما لحق بربه خلفه على المملكة ابنه.. وفى زمنه انقسمت المملكة إلى قسمين: قسم انشقت به القبائل العشر من قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة، وكان يسمى مملكة إسرائيل، وكانت عاصمته شكيم أولاً، ثم تزرة، ثم السامرة..
والقسم الآخر من المملكة أقامت عليه قبيلتا يهوذا وبنيامين، وكان يسمى مملكة يهوذا، وكانت عاصمته اورشليم.. ولقد كانت هاتان المملكتان في حالة تنافس، وفى بعض الأحيان، تبلغ بهما المنافسة درجة العداوة بينهما.. ولقد تعرضتا للحروب من الممالك الأخرى..
فأما مملكة إسرائيل فقد لاقت نهايتها في نحو عام 721 قبل الميلاد، حين أنهزمت أمام مملكة أشور، فسُبي من رجالها أعدادٌ كبيرة، لم تقم لها بعدهم قائمة..
وبعد سقوط مملكة إسرائيل أصبحت مملكة يهوذا عرضة للغزو المستمر من امبراطورية أشور، وظلت تدفع الجزية لأشور، وفى مرة عصى مليكها مملكة أشور، ورفض دفع الجزية، فحاصرته جيوش أشور، وأوقعت به الهزيمة، واضطرته إلى الرجوع لدفع الجزية من جديد، ودفع متأخراتها أثناء فترة العصيان أيضاً، وفوق ذلك فرضت عليه إرسال بناته وغيرهن من نساء القصر إلى قصر سنحاريب الملكي في نينوى.. ولقد ظلت في الثلاثة الأرباع الأولى من القرن السابع تابعة خاضعة لنينوى، وعند سقوط نينوى على يدي بابل الجديدة الكلدانية وذلك في عام 612 قبل الميلاد تبعت لبابل.. وأقامت على ذلك حتى عام 597 قبل الميلاد، حين عصى ملكها الشاب أوامر بابل فسيرت إليه جيشاً هزمه، وكان على رأسه ملك بابل نبوخذ نصر الذي سبى هذا الملك الإسرائيلى الشاب، مع نسائه، وأمه، وموظفيه، وسبعة آلاف من جنوده، وألف من مهرة الصنّاع.. ثم أقام على مملكة يهوذا ملكاً جديداً عهد إليه بالطاعة ومواصلة دفع الجزية لبابل وظل سبايا اليهود في بابل، وسارت الحياة بمملكة يهوذا تحت الخضوع لبابل حتى إذا كان عام 586 قبل الميلاد قام فيها ملك سوّلت له نفسه عصيان بابل، تحت تحريض بعض الزعماء ورجاء مساندة مصر إياه.. فجرّد عليه نبوخذ نصر جيشاً جراراً ضرب الحصار الطويل على عاصمته أورشليم حتى سقطت في يدي نبوخذ نصر فهدمها، وهدم هيكلها، وهدم زيادة على ذلك، كل مدينة مهمة في مملكة يهوذا.. ثم سبى العظماء من سكان أورشليم ومن سكان المملكة.. ويقدر عددهم بخمسين ألفا كلهم قد حملوا إلى بابل مع ملكهم.. وقد ظل بنو إسرائيل في السبي ببابل حتى ظهر في مسرح التاريخ دولة عالمية جديدة هي الامبراطورية الفارسية..

العودة من السبي


عندما ظهر الفرس في مسرح الحوادث وخربوا بابل عام 539 قبل الميلاد، ودخل الملك الفارسي كورش مدينة بابل، وجد فيها جالية يهودية كبيرة يعود أصلها إلى أيام السبي الذي جرى لهم على يدي نبوخذ نصر، مرة في عام 597 وأخرى في عام 586 قبل الميلاد.. وقد يكون لهذه الجالية اليهودية يد في مساعدة كورش على اقتحام مدينة بابل.. ومهما يكن من الأمر فإنه قد بادر إلى إصدار مرسوم ملكي يخوِّل حق العودة لمن شاء منهم إلى أرض آبائهم، ويشجعهم على إعادة بناء معبدهم.. وكانت سياسة كورش هذه عكس السياسة التي اتبعها الأشوريون والبابليون من سبي الشعوب المهزومة في الحروب، ولقد اعتبر اليهود كورش هذا كمخلص أرسله الله لإنقاذهم..
ولابد أن يكون عدد غير قليل قد استفاد من هذا الحق الذي عرضه عليهم الفاتح الجديد، فعادوا إلى أرض وطنهم الذي كان الحنين يساورهم إليه طيلة مدة السبي.. وقد عبر شاعرهم عن هذا الحنين بكلمات مؤثرة ((المزمور 137)) وذلك حيث يقول:
((1- على أنهار بابل هناك جلسنا، بكينا أيضا عندما تذكرنا صهيون..
2- على الصفصاف في وسطها علقنا أعوادنا..
3- لأنه هناك سألنا الذين سبونا كلام ترنيمه، ومعذبونا سالونا فرحين قائلين رنموا لنا ترنيمات صهيون..
4- كيف نرنم ترنيمة الرب في أرض غريبة؟
5- إن نسيتك يا أورشليم تُنسى يميني..
6- ليلتصق لساني بحنكي إن لم أذكرك، إن لم أفضل اورشليم على أعظم فرحي..))
كما أنه لا بد أيضاً أن يكون بعض المسبيين من الذين اغتنوا، وأصبحت لهم جذور في أرض بابل قد آثروا البقاء في وطنهم الجديد.. وكانوا يقيمون إلى الجنوب الشرقي من بابل، وكانوا يقاومون الاندماج بالسكان الأصليين، وهم بذلك قد كانوا طليعة ما عرف فيما بعد باسم ((الدياسبورا)) وهم اليهود المقيمون خارج فلسطين.. وكانت الديانة اليهودية عاملاً رئيسياً في تماسك اليهود في ديار غربتهم..