في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

مشكلة الشرق الأوسط

الفصل الرابع



الغفلـة


نعيد في مستهلِّ هذا الفصل ما سبق أن قررناه، وهو أن الذي يحقِّر من شأن عدوه ويعظِّم من شأن نفسه غبيٌ أحمق، وهو يستحق الهزيمة، وسيلقى الخزي.. ولقد درج الزعماء العرب على تجنيد وسائل الإعلام في بلادهم للتحقير والتقليل من شأن دولة إسرائيل بصورة متصلة وملحة.. فهى عندهم دويلة العصابات الصهيونية، وهي دويلة شذاذ الآفاق، وهي دويلة لا نصيب لها من قيامها في أرض فلسطين غير خدمة أغراض الاستعمار، وهي دويلة لا تعيش إلا على الشحذة، والاستجداء.. وهكذا إلى آخر هذه العبارات التي لا تدل على ذكاء، ولا على خلق، ولا على بصر بالأمور..
ولقد دخلنا مع دولة إسرائيل في صراع مسلح ثلاث مرات في عشرين سنة، فلم نخرج من أيتها إلا بالخزي، ولقد خرجت دائماً بما يزيد في رقعتها، ويؤمِّن من وجودها.. حتى إذا كانت الحرب الأخيرة ألحقت بنا هزيمة عسكرية وهزيمة دبلوماسية.. وكان كسبها في المجال الدبلوماسي عظيماً حقاً، ذلك بأنها كسبت عطف الرأي العام العالمي، وكسبت إعجاب الشعوب..
ومن عجب أنك لا تجد عند زعماء العرب، عقب كل هزيمة، إلا المعاذير.. المعاذير: إن سبب هزيمتنا خيانة داخلية في الصف العربي، وإن سبب هزيمتنا تدخُّل الاستعمار لمعاونة إسرائيل، أو إن سبب هزيمتنا أن إسرائيل استدرجت العرب إلى الدخول في حرب لم يكونوا قد استعدوا لها، كما قال السيد اسماعيل الأزهري في خطاب ألقاه عقب عودته من القاهرة بعد لقائه مع زعماء القومية العربية، جمال والاتاسي، وبومدين، وعارف، في يوليو من هذا العام..
ولقد بلغ السوء بزعمائنا حداً جعلهم يعتذرون بالقدَر، ونحن جميعا نعلم أنهم لم يتخذوا من الاحتياطات الواجب عليهم اتخاذها ما يسوِّغ لهم الاعتذار بالقدَر.. فهذا السيد جمال يقول من خطابه الذي ألقاه على الشعوب العربية بمناسبة العيد الخامس عشر لثورة الجيش المصري.. ((بعدين المسألة السادسة.. بعد ما حدث أنه من الضروري أن نسلم بأمانة، وكرامة، أن المعركة المسلحة لم تسر كما كنا نتوقع وكما كنا نتمنى، ولقد جاءت مصداقاً للحكمة القائلة بأنه لا يغني حذر من قدَر))..
والأمر الذي نعرفه لم يكن هناك حذر، وإنما كانت هناك غفلة، وغباء، ورضاء عن النفس، واستصغار لأمر العدو.. ولقد ((كنا نتوقع)) ما لا نستحق، ((وكنا نتمنى)) ما لا يكون أبدا.. تمني العاجز، المغرور، الذي لا يقوم بواجبه ويتمنى على الله الأماني..
ألم يأن لهذه الشعوب العربية المنكوبة أن تعلم أن زعماءها يضللونها عن حقيقة واقعها ليظلوا زعماء؟ ألم يأن لهذه الشعوب أن تُشعر هؤلاء الزعماء أنها إنما تنتظر منهم نتائج لا معاذير؟
بلى!! قد أنى!! وأول ما تبدأ به هذه الشعوب هو أن تصل إلى المعلومات الوافية، وأن تعلم حقيقة أعدائها، وحقيقة نفسها، وحقيقة التحدي الذي تواجهها بها الحياة المعاصرة، وأن تحذف من هذه المعلومات المبالغات، من طرفي التقليل والتهويل، حتى تتضح الرؤيا، وحتى يرى الناس البصيرة، ويضعوا أقدامهم على سواء السبيل..
ونحن الجمهوريين، اسهاماً منا في رد الشعوب العربية إلى سواء السبيل ليضطلعوا بدورهم في التاريخ المعاصر رأينا أن نخرج هذا السِّفر وسيكون نحونا فيه نحو من يدرس الحقائق على هدى مستبصر، ثم يسير في دروب الحياة مفتوح العينين، يعرف ما يأتي وما يدع من أمره إن شاء الله وعلى الله قصد السبيل..

اليهود في التاريخ


ما عرف التاريخ عنصرية كعنصرية اليهود في تماسكها، واستعصائها على التطور، واكتفائها بنفسها، ولعل أهم أسباب صلابة هذه العنصرية قيامها على عوامل دينية، فإنه قد ورد في التوراة أن اليهود ((شعب الله المختار)) وهم، فيما ينتظرون من موعود الله، أنهم رغم التشريد والسبي، سيعود لهم السلطان على كل الخلائق، فهم ينتظرون تحقيق موعود الله إياهم طال الزمن أم قصر..
وقد وردت التوصية في التلمود تقول: ((أيها اليهودي، اعتزل باقى الأمم، وابق على شخصيتك بينها، واعلم أنك أنت الوحيد عند الله.. آمن بالنصر على العالم أجمع.. آمن بأن كل شئ سيخضع لك.. فاستغل.. وعش.. وانظر.. وانتظر)) والتلمود هذا هو كتاب وضعه حكماء صهيون استنادا على فهمهم للتوراة، وهو يحوي معتقدات وعواطف، وآمال، وقصص، وتقاليد، وقواعد دينية، ووصايا سلوكية يسترشد بها اليهود فيما بينهم، وفيما بينهم وبين الغرباء..
وعندنا نحن المسلمين أن الله فضل بني إسرائيل على العالمين وفى ذلك يقول تبارك تعالى من سورة البقرة: ((يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على العالمين)) ولكنا فهمنا ولم يفهموا!! فهمنا أنهم إنما فضلوا على عالمي زمانهم وذلك لظهور دين التوحيد فيهم يومئذٍ.. وفهمنا أيضاً أن التفضيل مشروط بالاستمرار على الطاعة لله.. وفهموا أنهم إنما فضلوا تفضيلاً مطلقاً، لأنهم من طينة غير طينة بقية البشر وأنه تفضيل غير مشروط بشرط على الإطلاق.. ومن أجل ذلك تورطوا فيما حدثنا عنهم به القرآن، وذلك من سورة المائدة: ((وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه، قل فلم يعذبكم بذنوبكم؟ بل أنتم بشر ممن خلق، يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير))..
فليس للخلق مع الله نسب إلا نسب الطاعة.. فمن أقام عليها فهو القريب، ومن أحدث فيها أمراً فهو البعيد.. واليهود، وهم العبرانيون، شعب سامي، ويقال إن جدهم الأول، إبراهيم الخليل، نبي الله وأبا الأنبياء، قد كان في أول أمره في بلاد الرافدين، وكان يدعو إلى دين التوحيد، وقد جرى له مع قومه من جراء دعوته هذه، ومن جراء تسفيهه لعبادتهم ولآلهتهم ما أوجب هجره إياهم، وهجرته إلى سوريا الجنوبية.. وكانت تسمى كنعان فأقام فيها، وكان معه في هجرته تلك قليل ممن آمن له، ومنهم لوط ومنهم زوجته وابنة عمه سارة التي ولدت له، بعد يأس، إبنه اسحق، وكان له، قبل اسحق، اسماعيل من جارية سارة، هاجر المصرية.. ولقد أقام إبراهيم إسماعيل وأمه هاجر بالحجاز، في موضع الكعبة، وأقام اسحق وأمه سارة معه بسوريا.. ثم إن اسحق خلّف يعقوب، وأخا له أكبر منه، يقال له عيسو، ولقد وقع الاصطفاء على يعقوب ليكون صاحب الشأن تفضيلاً له على أخيه عيسو، وقد سمي يومئذٍ إسرائيل، وإليه يرجع نسب بني اسرائيل، فهو أبوهم..
كان ليعقوب اثنا عشر ولداً، وكان يوسف الصدّيق الحادي عشر بينهم.. وهو إلى ذلك الإبن الأكبر لراحيل، زوجة يعقوب الثانية، التي كان يؤثرها بحبه، وليوسف أخ شقيق يدعى بنيامين.. وكان إخوة يوسف العشرة لأبيه أبناء خالته في نفس الأمر، ولقد تخلصوا منه بدافع الغيرة، كما هو وارد عندنا في القرآن.. ولقد بيع في مصر، وارتفع شأنه في الدولة المصرية حتى أصبح وزيراً للملك، إليه يرجع الأمر في خزائن الأرض المصرية.. وفى إحدى سنيّ القحط التي جعلت مصر منتجعاً لجيرانها تم الاتصال بين يوسف وإخوته، وانتهى به الأمر إلى ترحيلهم وترحيل والديه إلى مصر، ومن يومئذٍ بدأت علاقة بني إسرائيل بأرض مصر، بعد أن لبثوا بأرض سوريا زمناً قد لا يتجاوز المئتى سنة، من لدن هجرة جدهم أبي الأنبياء إليها..
ولقد كان إبراهيم الخليل معاصراً لحمورابي صاحب الشريعة المشهور في بابل، وكان ذلك حوالي الألفي سنة قبل الميلاد، وكان يعقوب حفيد ابراهيم الأول، ولقد نزح بأبنائه إلى مصر بفعل القحط الذي ألمَّ بأرض سوريا كما قلنا آنفاً.. ويمكن أن نقرر أن نزوح بني إسرائيل من أرض سوريا الجنوبية إلى مصر قد كان في النصف الثانى من القرن التاسع عشر قبل الميلاد.. وقد جرى ذلك في زمن لم يكن فيه دين التوحيد معروفاً في مصر، وإن لم يكن فرعون ذلك الزمن معبوداً بالصورة التي أصبح يطالب بها، فيما بعد، فرعون عهد موسى.. ولقد يخبرنا القرآن على لسان يوسف الصديق، عندما امتحنه الفتيان اللذان كانا سجينين معه: ((قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما، ذلكما مما علمني ربي، إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون * واتبعت ملة آبائي ابراهيم، واسحق، ويعقوب، ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ، ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون))..
فلقد كان بنو إسرائيل على دين التوحيد في مصر، وكانوا من ثمّ يتعرضون لألوان الاضطهاد والاستعباد، في بلد يدّعي ملوكه الربوبية.. ولقد يحدثنا القرآن عن فرعون موسى ((فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الأعلى)) ثم هو قد قال لموسى عندما دعاه إلى توحيد الله فيما يقص علينا القرآن: ((قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين)) وبلغ من تعذيبه بني إسرائيل أن كان يذبح أبناءهم الذكور ويستبقي الإناث: ((وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب، يذبحون أبناءكم، ويستحيون نساءكم، وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم)) ولقد عاش بنو إسرائيل في ألوان العذاب بين عهدي يوسف وموسى، وهي حقبة تنيف على الخمسمائة سنة وفى قمة هذا العذاب، وهذا الاضطهاد، ولد موسى الكليم.. ونُجي من القتل الذي كان حظ الأطفال الذكور من أترابه بحيلة انتهت به إلى أن ينشأ في بيت فرعون نفسه، كما هو وارد في القرآن..
ثم إنه أرسل، حين بلغ أشده، إلى فرعون، وأرسل معه ردئا له، أخوه هارون.. قال تعالى في إرسالهما: ((فأتياه فقولا إنا رسولا ربك، فأرسل معنا بنى إسرائيل، ولا تعذبهم.. قد جئناك بآية من ربك، والسلام على من اتبع الهدى)).. وقد خرج موسى بعد لأي شديد، ببني إسرائيل في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، فتكون مدة إقامتهم بمصر قد نيّفت على الخمسة قرون، وقد بلغت عدتهم يومئذٍ ما يقرب من المليون نفس، بعد أن كانوا، في أول عهدهم بمصر، لا يكادون يبلغون المائة..

الخروج من مصر


وخرج موسى بجمعهم يريد أرض فلسطين – سوريا الجنوبية – لأنه مكتوب عندهم في التوراة أن الله قد وعدها أباهم إبراهيم لتكون لذريته من بعده، والقرآن يحدثنا في هذا المعنى فيقول:
((وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ، وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا، وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرض الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ، فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إن فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا، فإن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا، ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ، فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا، فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إلا نَفْسِي، وَأَخِي، فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ، فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ))..
فظلوا في صحراء سيناء أربعين سنة يتيهون في الأرض، مات خلالها هارون، ثم مات موسى، وأقام الله، على بني إسرائيل، مقام موسى، فتاه يوشع ابن نون، وآتاه النبوة، وأمره أن يقود بني إسرائيل ضد عدوهم في أرض فلسطين.. وكان قد نشأ في الصحراء جيل جديد منهم، فساروا مع نبيهم ضد عدوهم ففتح الله عليهم أرض فلسطين، وبدأ من يومئذ عهدهم بها وكان ذلك في منتصف القرن الثالث عشر قبل الميلاد..