في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

مشكلة الشرق الأوسط

مشكلة اللاجئين


وبعد ذلك عادت قضية فلسطين إلى الظهور من جديد في جدول أعمال الدورة الثالثة للأمم المتحدة، التي أحالتها إلى لجنتها السياسية الخاصة.. وكانت قضية اللاجئين هي محور الاهتمام هذه المرة.. وبوصول القضية إلى هذه المرحلة أصبح قيام دولة إسرائيل أمراً واقعاً، وأصبحت القضية الفلسطينية، في إطارها الأصلي، قضية مجمدة في المنظمة العالمية.. وقد ظهر ذلك بوضوح في الأعوام التي تلت هذه المرحلة، حيث لم تعد قضية فلسطين متمثلة في شئ غير قضية اللاجئين.. ومهما يكن من شئ، فإن الجمعية العامة في اليوم التاسع عشر من شهر نوفمبر قد اتخذت قراراً بتأسيس وكالة دولية لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين، وتعيين مدير عام لها، وإنشاء صندوق خاص بها لجمع التبرعات لأعمال الإغاثة.. وكان هذا القرار من الجمعية العامة استجابة لتوصية للكونت برنادوت تركها في آخر تقرير له أعده قبيل وفاته.. وكانت تتعاون، مع هذه الوكالة، في أعمال إغاثة نحو نصف مليون لاجئ، منظمة الصحة الدولية، ومنظمة الزراعة الدولية، ومنظمة اللاجئين الدولية، وصندوق الطوارئ الدولي للأطفال.. بالإضافة إلى غير هذه من المنظمات والوكالات الدولية، كل يسهم بنصيبه، وفى ميدانه، من تقديم المؤن، والخبرة الفنية، والخدمات الأخرى..

لجنة التوفيق الدولية


وفى اليوم الحادي عشر من شهر ديسمبر عام 1948م، اتخذت الجمعية العامة قراراً يعتبر الثاني في الأهمية بعد قرار التقسيم الأصلي، الذي أسلفنا الحديث عنه في شئ من التفصيل، وأهمية هذا القرار تجئ من كونه تناول مواضيع في مقدمتها قضية عودة اللاجئين، وتعويضهم، وتأليف لجنة التوفيق الفلسطينية وصلاحياتها.. وقد تضمن هذا القرار، بعد الديباجة، خمس عشرة مادة.. ونحن نرجع في تلخيصها إلى كتاب ((قضايانا في الأمم المتحدة)) لمؤلفه خيري حماد: يقول الأستاذ خيرى حماد من صفحات 177، 178، 179: -
((المادة الثانية: تقرر الجمعية العامة تأليف لجنة دولية للتوفيق من ثلاثة أعضاء تقوم بالمهام التالية: -
أ- تتولى وفق ماتراه ضرورياً بالنسبة إلى الظروف الراهنة المهام التي أنيطت بوسيط الأمم المتحدة بموجب القرار 186(25) الصادر في 14 آيار ((مايو)) 1948م..
ب - تقوم بتنفيذ جميع المهام المعينة والتوجيهات التي قد تصدر إليها من الجمعية العامة أو مجلس الامن..
ج – تتولى بطلب من مجلس الأمن أياً من الواجبات المسندة حالياً إلى وسيط الأمم المتحدة، أو إلى لجنة مراقبة الهدنة، بموجب قرارات المجلس السابقة.. وفى حالة انتقال جميع مهام الوسيط الدولي إليها يُلغى هذا المنصب.. (وقد نصت المادة الثالثة على أن يقوم الأعضاء الدائمون الخمسة بأختيار أعضاء لجنة التوفيق، فتم اختيارهم ليمثلوا فرنسا وتركيا والولايات المتحدة في نفس اليوم)
المادة الخامسة – تطلب من جميع الحكومات والسلطات المعنية (بعد أن طلبت المادة الرابعة من اللجنة أن تبدأ اتصالاتها فورا بالفرقاء المعنيين) أن توسع من مجال المفاوضات التي نص عليها قرار مجلس الأمن في السادس عشر من تشرين الثانى (نوفمبر) للوصول إلى اتفاق، عن طريق مفاوضات تجرى، إما بواسطة لجنة التوفيق، أو مباشرة، مستهدفاً التسوية النهائية لجميع القضايا المعلقة بينها..
المادة السابعة – تقرر وجوب حماية جميع الأماكن المقدسة وبينها الناصرة، والأبنية والمواقع الدينية في فلسطين، وتؤمِّن لها حرية المرور طبقا للحقوق الراهنة، والأعراف التاريخية.. وتكون الترتيبات المحققة لهذه الغاية تحت إشراف الأمم المتحدة الفعال، وتطلب إلى اللجنة أن تقدم إلى الدورة العادية الرابعة للجمعية العامة اقتراحاتها التفصيلية لإقامة نظام دولي دائم لمنطقة القدس، على أن تتضمن هذه الاقتراحات التوصيات المتعلقة بالأماكن المقدسة في تلك المنطقة.. أما بالنسبة إلى الأماكن المقدسة فيما تبقى من فلسطين، فتطلب اللجنة إلى السلطات السياسية في المناطق المعنية لتقديم الضمانات الرسمية اللازمة لحماية الأماكن المقدسة والمرور اليها، على أن تقدم هذه التعهدات إلى الجمعية العامة للمصادقة عليها..
(ونصت المادة الثامنة على تحديد منطقة القدس، حسب قرار التقسيم، وعلى وضعها تحت إشراف الهيئة الدولية مباشرة، كما نصت المادة التاسعة على السماح بحرية المرور لجميع سكان فلسطين إلى الأماكن المقدسة في الفترة التي ستنقضي قبل الوصول إلى الاتفاقات النهائية، ونصت المادة العاشرة على تسهيل التطور الاقتصادي للمنطقة، واتخاذ الإجراءات لاستخدام الموانئ، والمطارات، ووسائل النقل والمواصلات)..
المادة الحادية عشرة – تقرر الجمعية العامة أن من الواجب السماح للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم بهذه العودة في أقرب موعد عملى، وأن يدفع التعويض عن الأملاك بالنسبة إلى أولئك الذين يختارون عدم العودة، وعما لحق بالممتلكات من ضياع أو ضرر، طبقاً لمبادئ القانون الدولي ومبادئ العدالة أو إصلاحها من قبل الحكومات والسلطات المسئولة..
وتوعز إلى لجنة التوفيق بتسهيل العودة، والاستيطان، وإعادة الكيان الاقتصادي والاجتماعي بالنسبة إلى اللاجئين ودفع التعويضات، والحفاظ على أمتن الصلات مع مدير وكالة الإغاثة، وعن طريقه مع أجهزة الأمم المتحدة المناسبة ووكالاتها.. (وتنص المادة الثانية عشرة على تخويل لجنة التوفيق الدولية صلاحية تعيين الهيئات الفرعية وتوظيف الخبراء الفنيين الذين يعملون تحت إشرافها لتمكينها من أداء واجباتها)..
المادة الرابعة عشرة – تدعو جميع الحكومات والسلطات المعنية إلى التعاون مع لجنة التوفيق، واتخاذ جميع الخطوات اللازمة للمساعدة في تنفيذ هذا القرار))..
ولم ينفذ من هذا القرار شئ، كما لم ينفذ من قرار التقسيم شئ، وإنما كانت فرصة سانحة لنقل قضية فلسطين، كما أسلفنا بذلك القول، من إطارها الأصيل إلى أن تظهر وكأنها قضية لاجئين.. وبذلك رسخت أقدام اسرائيل.. وقد اتخذت الجمعية العامة في اليوم الحادي عشر من شهر مايو عام 1949م قراراً يقضى بقبول إسرائيل في عضوية الأمم المتحدة (وينص القرار في ديباجته على أن إسرائيل قد تعهدت باحترام التزاماتها تجاه ميثاق الأمم المتحدة منذ قيامها أي في الرابع عشر من آيار (مايو) عام 1948م كما ينص على التذكير بقرارى 29 تشرين الثانى (نوفمبر) عام 1947م ((قرار التقسيم)) والحادى عشر من كانون الاول (ديسمبر) عام 1948م (قرار إعادة اللاجئين) وهكذا أصبحت إسرائيل عضواً في النادي الدولي..